Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب الفضاء بين "الصيني الرومانسي" و"الأميركي الهوليوودي"

ضمن حدود الغلاف الجوي تستطيع الطائرات والدبابات والسفن التحرك في أي اتجاه أما الأقمار الاصطناعية فلها مسارات محددة

المركبات في المنطقة المدارية الشاسعة تسلك مسارات أكثر تعقيداً مقارنة بالأقمار الاصطناعية (غيتي)

ملخص

تدور حرب الفضاء بين قوى الفضاء العظمى، ومن أهمها اليوم الصين وأميركا، وتبدو صينياً أقل "إثارة" بكثير من حرب الفضاء الأميركية كما تخيلها متخصصو فضاء أميركيون وسينمائيون قبل أعوام عدة من صدور الدراسة الصينية الحديثة، فالقدرات الصينية "قد يكون لها تأثير من دون مواجهة فعلية"

من وجهة نظر جيوسياسية، فإنه ربما نشهد قتالاً على سطح القمر في المستقبل، وفي حال امتداد الصراع من الأرض إلى القمر حقاً، فهناك سيناريوهات عدة "معلنة" لحرب الفضاء أهمها حتى الآن سيناريو صيني وآخر أميركي، لكن السؤال: ما طبيعة حرب الفضاء، وهل ستكون الحرب على القمر أو في المدى أقل خطورة ودموية من حروب الأرض في حال اندلاعها؟

الفكرة الأهم في السيناريوهات الحربية الفضائية صينياً هي أن "الصراع قد لا يحتاج إلى إطلاق النار، فمجرد القدرة على إغلاق مسار أو تهديد مركبة، يجبر الخصم على تأخير مهمة أو تغيير مسارها"، وهذا سيناريو حربي رومانسي يناسب أحلام القمر الصينية، أما الخيال الأميركي فيذهب إلى خوض قواته الفضائية معركة برية على سطح القمر مع القوات الصينية، وعلى رغم ذلك يبدو هذا السيناريو لبعض متخصصي الفضاء الأميركيين "سخيفاً"، وذلك بالنظر إلى "كلفة نقل كل تلك المعدات إلى سطح القمر".

حرب أخطر بكثير

من المتوقع أن تكون حرب الفضاء أخطر بكثير من حروب الأرض، لدرجة أن متخصصين وصفوها بكونها "أكبر بكثير مما يستطيع 99 في المئة من الناس والنخب السياسية في البلدين تخيله أو استيعابه"، والسبب وراء ذلك علمي بحت، وذلك لأن "المقياس الجيولوجي لحرب الفضاء ضخم بصورة لا تصدق، ولا يسهل استيعابه، حتى من خلال التعامل معه كما يفعل متخصصو الفضاء أنفسهم، فالفضاء شاسع، ويبلغ حجم الفضاء بين المدى الأرضي المخفض والمدى الثابت بالنسبة إلى الأرض نحو 200 تريليون كيلومتر مكعب، أي ما يعادل 190 ضعف حجم الكرة الأرضية".

وفي هذا السياق حذر علماء فضاء صينيون من أن الحرب على الأرض قد تمتد قريباً إلى القمر، تزامناً مع تزايد اعتماد العمليات العسكرية الأرضية على القدرات الفضائية في جميع الدول.

محاكاة

في مقالة نشرت في الخامس من سبتمبر (أيلول) الجاري على موقع صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست" وتحت عنوان "علماء فضاء صينيون يحذرون من احتمال امتداد الحرب على الأرض إلى القمر"، أكدت الكاتبة "لينغ شينين" وجود دراسات علمية حديثة تحاكي "كيف يمكن أن يمتد التوتر الجيوسياسي إلى المدى مع اشتباكات جوية بين مركبات فضائية متنافسة، أو مراوغة بعضها بعضاً، أو تقوم بسد الطرق الاستراتيجية أمام قوى معادية". واستهلت الكاتبة المقالة بالقول: "في دراسة نادرة، استكشف باحثون صينيون في مجال هندسة الطيران والفضاء كيف يمكن لحرب أن تمتد يوماً ما إلى الفضاء الشاسع بين الأرض والقمر، إذ تتنافس المركبات الفضائية في مطاردة بعضها بعضاً، ومحاولة التسلل عبر الدفاعات، بل وحتى إغلاق المسارات الاستراتيجية".

 

ووفقاً لفريق من جامعة "نورث وسترن بوليتكنيكال" في مدينة شيان في الصين، فإنه يمكن للمركبات الفضائية أن تختبئ في البيئة الجاذبية المعقدة المحيطة بالقمر، "إذ يصعب التنبؤ بمساراتها، قبل أن تظهر وتتحرك نحو أهداف أقرب إلى الأرض عند الحاجة"، ويمكن أيضاً أن تتمركز هذه المركبات قرب "نقاط الاختناق"، وهي مناطق تلتقي فيها المسارات المهمة أو الموفرة للوقود، لتكون جاهزة لاعتراض المركبات المنافسة وإجبارها على اختراق الدفاعات أو اتخاذ مسارات أقل كفاءة.

وتؤكد الكاتبة أنه ومع تزايد اعتماد الحروب الحديثة على القدرات الفضائية، فإن الصراع على الأرض سيمتد إلى هذه المنطقة، "إذ تسعى الدول إلى حماية مصالحها ومنع خصومها من العمل فيها"، ووفقاً للفريق الصيني فإنه لا تزال الأبحاث حول كيفية تطور مثل هذه المواجهات في مراحلها الأولى، إذ اقتصرت الدراسات السابقة على دراسة نطاق محدود من المواقع والسيناريوهات، "تاركة أشكال الصراع الأكثر تعقيداً من دون استكشاف يذكر".

فيما سعى الباحثون الصينيون إلى سد بعض هذه الثغرات من خلال تصنيف الصراعات المحتملة في الفضاء القريب من القمر إلى أنواع عدة، تشمل المطاردة والمراوغة، والهجوم والدفاع، والحصار والحصار المضاد، والخداع والكشف عن هوية الخصم، إضافة إلى مناورات مثل تمركز مركبات قرب مسارات استراتيجية لاعتراض الخصوم أو إجبارهم على تغيير طرقهم واستهلاك مزيد من الوقود والوقت.

من دون اللجوء للقوة

تدور حرب الفضاء بين قوى الفضاء العظمى، ومن أهمها اليوم الصين وأميركا، وتبدو صينياً أقل "إثارة" بكثير من حرب الفضاء الأميركية كما تخيلها متخصصو فضاء أميركيون وسينمائيون قبل أعوام عدة من صدور الدراسة الصينية الحديثة، فالقدرات الصينية "قد يكون لها تأثير من دون مواجهة فعلية"، وكما قال الأستاذ المشارك في كلية علوم الفضاء بجامعة نورث وسترن بوليتكنيكال دانغ تشاوهوي، "من دون اللجوء إلى القوة المباشرة يمكن لأي دولة إجبار خصمها على تغيير مساره، أو تأجيل مهمته، أو تكبيده كلفاً إضافية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الحقيقة يبدو هذا التصور الصيني الرومانسي لحرب الفضاء مختلفاً في كثير من جوانبه عن الصراع من وجهة نظر أميركية.

ما هو على المحك

وضمن السيناريو الحربي الصيني أضاف تشاوهوي "ما هو على المحك في التنافس على المدارات القريبة من القمر ليس مركبة فضائية أو مداراً أو مساراً بعينه، بل القدرة على الوصول إلى الفضاء والتحكم فيه واستخدامه، وردع الخصوم، وهي القدرة التي توفرها هذه المدارات". والفضاء القريب من القمر صينياً هو "المنطقة الشاسعة التي تؤثر فيها جاذبية كل من الأرض والقمر في حركة المركبات الفضائية"، لذلك نوهت دراسة تشاوهوي بأنه "بالمقارنة مع الأقمار الاصطناعية التي تدور في مدارات قريبة نسبياً من الأرض تستطيع المركبات هناك اتباع مسارات أكثر تعقيداً بكثير تحت تأثير جاذبية هذين الجرمين".

وعلى العكس تماماً تنطلق حرب الفضاء الأميركية من فكرة استهلال الحرب باستهداف الأقمار الاصطناعية للخصم مباشرة.

حرب الفضاء أميركياً

ضمن الخيال العلمي الأميركي لحرب الفضاء مستقبلاً، تخوض قوات الفضاء الأميركية والصينية معركة برية على سطح القمر! وفي مقالة بعنوان "هكذا ستبدو الحرب في الفضاء في المستقبل القريب"، كتب إريك بيرغر عن طبيعة الصراع في الفضاء مبيناً أن "أي صراع في الفضاء سيكون أبطأ بكثير وأكثر عدائية". وانطلق بيرغر من نقطة أكثر واقعية، وتحديداً من إنشاء قوة الفضاء الأميركية التي أسسها ويرعاها الرئيس ترمب شخصياً، وهو أمر وصفه بيرغر بأنه "أثار كثيراً من التصورات الخيالية حول القتال في الفضاء". وفي مقالته، تساءل بيرغر بداية "هل ستستخدم الأقمار الاصطناعية العسكرية الأميركية كطائرات إكس-وينغ وتاي فايتر، فتحلق بسرعة وتتبادل إطلاق النار؟ أم ربما ستطلق سفن فضائية أكبر حجماً، شبيهة بسفينة يو أس أس إنتربرايز، طوربيدات فوتونية على طائرات العدو الحربية"؟ وأجاب الكاتب عن السؤال بقوله "من المستبعد حدوث ذلك، لكن حتى أولئك الذين لديهم توقعات أكثر واقعية لما قد يحدث إذا ما دخلت الدول في حرب فضائية عبر استخدام الأقمار الاصطناعية لأسلحة مدارية لمهاجمة أقمار اصطناعية أخرى قد لا يدركون تماماً فيزياء القتال الفضائي".

ما هي فيزياء الحرب الفضائية؟

في مقالته ذاتها أشار بيرغر إلى ما خلص إليه تقرير جديد يبحث في ما هو ممكن فيزيائياً وعملياً في ما يتعلق بالقتال الفضائي، إذ قدم تقرير "فيزياء الحرب الفضائية: كيف تقيد ديناميكيات المدارات الاشتباكات الفضائية" الصادر عن مؤسسة الفضاء الجوي الأميركية قبل أعوام عدة، مفاهيم أساسية عدة يرجح أن تحكم أي قتال فضائي في المستقبل المنظور، ويلفت هذا التقرير إلى أن "جميع القيود الفيزيائية تشير إلى ضرورة التخطيط للمعارك مسبقاً بفترة طويلة".

 

وعلى عكس الحرب على الأرض، التي تنطوي عادة على سعي قوى متناحرة للسيطرة على مواقع جغرافية محددة، فإن الأقمار الاصطناعية في مداراتها لا تشغل موقعاً واحداً، لذلك، وكما يوضح مؤلفا التقرير، وهما ريبيكا ريسمان وجيمس ويلسون، فإن "السيطرة على الفضاء لا تعني بالضرورة غزو قطاعات منه فعلياً، بل تعني تقليص أو إزالة قدرات الأقمار الاصطناعية المعادية، مع ضمان الاحتفاظ بالقدرة على تشغيل قدرات الفضاء بحرية تامة لأغراض الاتصالات والملاحة والمراقبة، وغيرها من المجالات الحيوية التي تعتمد فيها الجيوش على الفضاء"، وعند دراسة كيفية السيطرة على الفضاء، بيَّن المؤلفان أن القتال الفضائي يعد "غير بديهي" بالنسبة إلى صناع السياسات والاستراتيجيين على الأرض من الجانبين.

الحركة والتوقيت

تتحرك الأقمار الاصطناعية بسرعة هائلة، ولكن تظل حركتها ضمن إطار "يمكن التنبؤ به"، فالأقمار الاصطناعية في المدارات الدائرية الشائعة الاستخدام تتحرك بسرعات تراوح ما بين 3 و8 كيلومترات في الثانية، تبعاً لارتفاعها، في المقابل لا تتجاوز سرعة الرصاصة العادية 0.75 كيلومتر في الثانية، لذلك فإن التوقيت هو كل شيء بالنسبة إلى حروب الفضاء، كما يؤكد بيرغر، وضمن حدود الغلاف الجوي الأرضي تستطيع الطائرات والدبابات والسفن التحرك في أي اتجاه نظرياً، أما الأقمار الاصطناعية فلا تتمتع بهذه الحرية، وبسبب جاذبية الأرض تتحرك الأقمار الاصطناعية دائماً في مسار دائري أو بيضاوي، وهي في حال سقوط حر مستمر حول الأرض.

عامل المناورة

تتطلب حروب الفضاء الأميركية أيضاً تفكيراً استراتيجياً طويل الأمد وتوزيعاً دقيقاً للموارد، وفي حروب الفضاء تكون المناورة بطيئة للغاية، وعلى رغم سرعة حركة الأقمار الاصطناعية، فإن اتساع الفضاء يجعل المناورات الهادفة تبدو بطيئة نسبياً، وبمجرد دخول القمر الاصطناعي مداره، فإنه يحتاج إلى وقت وسرعة كبيرة لتنفيذ مناورات التزامن، وبناءً على كل ذلك، فإنه بالنسبة إلى الاشتباكات في الفضاء وفق السيناريو الأميركي لحرب الفضاء كما ورد في دراسة علمية أميركية، "يجب التخطيط للمناورات والإجراءات مسبقاً بفترة طويلة"، لأن أي صراع في الفضاء سيكون أبطأ وأكثر تعقيداً بكثير من مشهد سينمائي في سلسلة حرب النجوم.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم