ملخص
في تاريخ الفلسفة الأوروبية، ظل العقل زمناً طويلاً في موقع المرجع والضامن للمعرفة، بينما أُبقي الجسد في مرتبة ملتبسة، موضعاً للشك حيناً، ومصدراً لمعرفة ينبغي تهذيبها وضبطها حيناً آخر. أما عند أستاذة الفلسفة والباحثة الفرنسية كلير ماران، فيتقدم الجسد الذي يتعب ويتألم ويحتاج قبل كل شيء إلى صلة بالآخر، إلى واجهة المشهد الفلسفي، فاتحاً للتفكير درباً آخر يبدأ من حاسة اللمس، أي من الجلد الذي يمسّ العالم ويواجهه.
ينطلق كتاب كلير ماران "حيواتنا المجروحة"، ( منشورات "فلاماريون"- باريس 2026)، معيداً حاسة اللمس لقلب التجربة الإنسانية، داعياً إلى الإصغاء إلى ما تقوله، وما تحفظه من آثار الحضور والغياب والألم في عالم يزداد افتتاناً بالافتراضي، وتتوسط فيه الشاشات على نحو متزايد بين الأجساد، مما يعني أن الإنسان أخذ يفقد شيئاً من لغة التماس. فالصداقة التي تمارس عن بعد، والاستشارة الطبية التي تنجز عبر الوسائط الرقمية، والعلاقات التي تختزل حضور الآخر في صورة أو صوت، كلها أفعال تغيّر طرائق اتصال الناس بعضهم ببعض، غير أن هذا التحول لا يلغي حاجتنا إلى اللمس. فمنذ الولادة، حين يكون الاحتضان أول أنواع الأمان، حتى العناية في أواخر الحياة، تظل هذه الحاسة في نظر الفيلسوفة الفرنسية وسيطاً عميقاً في اختبار الحضور الإنساني. هنا يصبح السؤال عنها سؤالاً عن علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم.
لذا ينطلق كتاب ماران من هذه الأفعال البسيطة التي نقوم بها كل يوم كالمصافحة والعناق، أو وضع اليد على كتف من يحتاج إلى المواساة، ولمس الأشياء، ليكشف عما تخفيه عنّا ألفة الجسد، وتدفعنا إلى النظر من جديد في ما نظن أننا نعرفه، طارحاً علينا الأسئلة الآتية، كيف نعرف العالم؟ ماذا يحدث حين يصبح القرب الجسدي مصدراً للأمان، وحين يتحول، في لحظة أخرى، إلى اقتحام لحميميتنا؟ ماذا يفعل غياب اللمس بعلاقتنا بأنفسنا وبالآخرين؟ وأين تنتهي حاجتنا إلى القرب وتبدأ حاجتنا إلى المسافة؟
بغية الإجابة عن هذه الأسئلة، تعود ماران للجلد، هذا العضو الشامل والمتشعب والمتفاعل الذي يقودنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم. فالجلد، بوصفه "حارس الجسد وأداة إدراكه وتواصله مع الآخرين"، ليس مجرد غلاف يحيط بنا، بل الحدّ الذي يعبر منه الإنسان إلى الخارج، والمساحة التي يستقبل فيها ما يأتيه من الآخرين. من خلاله نتعلم منذ بدايات حياتنا معنى الاقتراب والابتعاد والطمأنينة والخوف والرغبة والذاكرة.
حاسة إنسانية عامة
لكن الجلد يحمل مفارقة أساسية، بمعنى أن حاسة اللمس، وهي حاجة إنسانية عامة، قد تكون في الوقت عينه مصدراً للأذى. فثمة لمسة تهدّئ وتواسي، وأخرى تقتحم الحدود وتنتزع من الجسد حقه في المسافة. لذلك تشدد الفيلسوفة على أن المسألة لا تتعلق باستعادة الاتصال الجسدي، وإنما بكيفية حدوثه، وبالحدود التي تحمي الإنسان، وبالمعنى الذي يكتسبه الاتصال في كل علاقة. فمتى يصبح القرب احتراماً، ومتى يتحول إلى تعدٍّ؟ وكيف يمكن أن نستعيد لغة الاتصال من دون أن نفقد حقنا في الانسحاب؟
هنا يكتسب الجلد دلالة وجودية وأخلاقية تتجاوز وظيفته البيولوجية. فالبشرة تحمل آثار ما عبرناه، وتكشف أحياناً عما نعجز عن قوله. إنها تحفظ علامات التعلق والجراح والتحولات، وتمنح الجسد ذاكرة خاصة به. ومن هذه الزاوية نفهم أهمية العناية بالهيئة الجسدية وبالملابس والزينة وبكل ما يحيط بالجسد ويحميه ويعيد له الشعور بحدوده. فهذه الأشياء قد تكون أكثر من مظاهر خارجية، إنها وسائل لاستعادة العلاقة بالجسد التي تضررت بفعل الألم أو العنف أو المرض.
ولا تتعامل ماران مع اللمس كإحساس معزول، بل كلغة تتقاطع فيها الفلسفة والأدب والفن والتجربة اليومية. فالطفل حين يلمس الأشياء يتعرف إليها، فيكتشف الحرارة والصلابة والحدود، ويتعلم شيئاً عن جسده وعن العالم. ثم تتسع دائرة هذا الاحتكاك لتشمل العلاقات الإنسانية. فاللمسة التي تطمئن والعناق الذي يخفف الخوف واليد التي تسند شخصاً مريضاً، كلها أفعال تحمل معنى يتجاوز الكلام.
هكذا يصبح الجسد مدخلاً إلى فهم الإنسان، لا مجرد موضوع من مواضيع الفلسفة. فالإنسان لا يبدأ ككائن يفكر ثم يمتلك جسداً، وإنما يبدأ بوصفه جسداً حيّاً، وطريقة عيشه لهذا الجسد تؤثر بالضرورة في طريقته في التفكير والإحساس وفهم العالم. فحين يتعب الإنسان أو يمرض، لا يبقى الفكر في مكان منفصل ينتظر انتهاء الألم كي يستعيد نشاطه، لأن التجربة الجسدية نفسها تتسلل إلى الفكر وتعيد تشكيله. فالألم والمرض والإرهاق واللمس والقرب ليست تجارب تقع خارج الذات، وإنما تشارك في تكوينها.
لكن قوة هذا المنظور لا تعني أن كتاب ماران يدافع عن فكرة أن الحواس وحدها تكفي لتأسيس معرفة بالإنسان، ذلك أن إعادة الاعتبار للجسد لا تقتضي إلغاء الفكر، بل تدعو إلى فهم أكثر اتساعاً للعلاقة بينهما، مما يمنح مشروعها الفلسفي أهميته. فهو لا يستبدل ثنائية قديمة بثنائية معكوسة، بل يحاول أن يبيّن أن الإنسان لا يُفهم في تعدد أبعاده إلا إذا أُخذت تجربته الجسدية على محمل الجد.
الجسد والتفكير الفلسفي
وتلفت ماران انتباه قرائها إلى أن الجسد كان حاضراً في التفكير الفلسفي منذ العصور القديمة، لكن هذا الحضور اقترن مراراً بمحاولة إقامة مسافة بينه والعقل، كما في فلسفة أفلاطون وديكارت، خشية أن تقود الحواس والرغبات إلى الوهم أو التبعية، غير أن تاريخ الفلسفة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية. ويكفي، بحسب المنظور الذي تستحضره الكاتبة، أن ننظر إلى الفلسفة الكلبية التي أولت حاجات الجسد ورغباته عناية خاصة، وقدمت تصوراً مختلفاً للعلاقة معه. فالجسد، بالنسبة إلى الكلبيين، جزء من الطبيعة، وتلبية حاجاته الأساسية بأبسط الوسائل الممكنة ليست انحطاطاً ينبغي الخجل منه، بل إنها سبيل إلى التحرر من القيود المصطنعة وإلى بلوغ الفضيلة. وكذلك فعلت الفلسفة الفنومينولوجية مع موريس ميرلو- بونتي حين نظرت إلى الجسد على أنه وسيلة وجود الإنسان في العالم وأساس كل إدراك معرفي، في رفض صريح للثنائية التقليدية التي تفصل بينه وبين العقل.
لكن استحضار هذه الأمثلة لا يراد منه إقامة تاريخ بديل للفلسفة، وإنما فتح السؤال على بعد أوسع، ما صورة الإنسان التي تقوم عليها الفلسفة؟ فإذا كان الجسد مصدراً من مصادر المعرفة، فإن الحديث عن الحواس لا يعود حديثاً هامشياً عن أدوات الإدراك، وإنما يصبح سؤالاً عن قدرتنا على التفكير وعن الطريقة التي تتشكل بها علاقتنا بالعالم. كذلك يصبح سؤال الحدود أكثر تعقيداً، أين تنتهي الذات وأين يبدأ الآخر؟ وما الذي يجعل الجسد، في آن واحد، موضعاً للخصوصية ومجالاً للانفتاح؟
لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن كتاب كلير ماران يولي أهمية خاصة للجسد الأنثوي الذي عولج طويلاً من منظور ذكوري. أما اليوم، فتتحدث الكاتبة عن ظهور أصوات نسائية تمنح التجارب الخاصة بهذا الجسد الأنثوي مكاناً أكثر اتساعاً. ولعل هذا التحول يفتح مجالاً جديداً للتفكير في الجسد في مخاض الولادة والمرض والاختلاف، وفي أنواع الخبرة التي كانت مهمشة أو غائبة عن الخطاب الفلسفي. فألم الولادة ليس واقعة بيولوجية بقدر ما هو تجربة وجودية عميقة تتعرض فيها المرأة لتحوّل جسدي ونفسي يعيد تشكيل إحساسها بذاتها. وهو لا يقتصر على عضو أو وظيفة جسدية تتعطل، لعله يزعزع العادات التي يقوم عليها الشعور بالاستقرار والقدرة على التحكم في الجسد، ويفرض على الذات مواجهة هشاشتها وحدود إرادتها، كما لو أن الولادة لحظة انكشاف للذات على جسدها، وامتحاناً لعلاقتها بنفسها وبالآخرين، وتجربة تستدعي ربما إعادة بناء صورتها عن ذاتها بعد الألم. ولا يعني ذلك اختزال الولادة في المعاناة أو إنكار ما قد تحمله من فرح، وإنما الاعتراف بأن التجربة الواحدة من الممكن أن تجمع بين الألم والتحول، وأن فهمها فلسفياً يقتضي الإصغاء إلى ما يفعله الجسد بالذات، لا الاكتفاء بوصف ما يحدث له بيولوجياً. وتتصل هذه الفكرة بمسألة من يملك حق الكلام عن الجسد، ومن يحدد ما يُعد تجربة جديرة بالتفكير.
وتقول ماران إنه عندما تدخل هذه التجارب المختلفة إلى الفلسفة، تتسع صورة الإنسان، وتصبح العلاقة بين الجسد والفكر أكثر تعقيداً. فالألم مثلاً لا يضيف إلى الجسد حادثة عابرة وحسب، لعله يعيد تشكيل علاقتنا بالوقت والحركة والآخرين. فحين يفرض المرض نفسه، تصبح أبسط الأفعال محكومة بحدود الجسد، ويغدو التفكير نفسه متأثراً بما يعيشه الإنسان ويحتمله. من هذه الزاوية، يمكن فهم اهتمام ماران بالخبرة الجسدية بوصفها جزءاً من إعادة النظر في حدود الفلسفة نفسها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في بعض المقابلات الصحافية التي أجرتها مع المؤلفة صحيفة "ليبراسيون" ومجلة "لو بوان" بمناسبة صدور كتابها، شددت الفيلسوفة على ضعف قدرة الإنسان المعاصر، بسبب من التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، على التعلم باليد، وعلى التعبير عن العاطفة بالحركة، وعلى الاقتراب من الآخر من دون أن يختزله في صورة أو رسالة. لكنها لا تدعو في الكتاب إلى العودة لعالم خالٍ من الوسائط التقنية. فما يهمها هو استعادة الوعي بما لا تستطيع الوسائط الرقمية أن تؤديه بالطريقة نفسها، دفء القرب الجسدي والحاجة إلى اللمس والإحساس بحدود الجسد، وما يترتب على ذلك من معرفة بالذات وبالآخر.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في زمن تتعدد فيه صور الجسد المثالي، وتزداد فيه الضغوط المرتبطة بالمظهر والأداء والقدرة على التحكم. فالكتاب يعيد الاعتبار للجسد الذي يتعب ويتغير ويمرض ويحتاج إلى المساعدة، ويحتفظ بآثار حياته، جاعلاً من الضعف جزءاً من الفهم الإنساني، ومن العناية بالآخر امتداداً طبيعياً للاعتراف بحاجته إلى الدعم.
ختاماً، لا بد من القول إن قيمة كتاب كلير ماران لا تتوقف على قوة موضوعه وحدها، بل على قدرته على إبقاء مستوياته المختلفة متصلة، التجربة الشخصية والتجربة اليومية والمرجع الفلسفي والسؤال الأخلاقي. وهو يظل أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى بناء نظرية مكتملة حول اللمس. وهذه ليست بالضرورة نقطة ضعف، فهي تفسر أيضاً قدرته على الانتقال بين مجالات متعددة. لكن هذا الشكل التأملي يطرح سؤالاً نقدياً مشروعاً، هل أصاب الكتاب دوماً في الانتقال من وصف التجربة إلى تفسيرها الفلسفي، أم أن بعض أفكاره ظلت معلقة في قوة الصورة وثراء المثال؟
في النهاية، تنجح كلير ماران في تحويل موضوع الجسد إلى سؤال فلسفي واسع، موضحة لنا كيف أن اللمس الذي يبدو فعلاً بسيطاً، يكشف عن مسائل تتصل بالهوية والذاكرة والحدود والعلاقة مع الآخر، وكيف أن الجلد يظهر كموضع تتقاطع فيه تجارب الإنسان مع العالم، غير أن أهمية الكتاب تكمن في محاولة فهم الإنسان في تعدد أبعاده، بعيداً من موضوع استبدال الفلسفة العقلية بالفلسفة الحسّية.
إن كتاب "حيواتنا المجروحة" لا يقدم الجسد بوصفه بديلاً عن العقل، ولا العالم الحسّي بوصفه ملاذاً من تعقيدات الحياة الحديثة. إنه يدعونا، على نحو أكثر تواضعاً وعمقاً، إلى أن نعيد اكتشاف ما يعنيه أن نكون أجساداً حيّة، تتألم وتطمئن، تقترب وتبتعد، تحمل آثار الزمن، وتحتاج إلى الآخرين من دون أن تفقد استقلالها. ففي زمن يحتاج فيه الإنسان إلى استعادة معنى الحضور، تأتي هذه الدعوة إلى العودة للجسد في وقتها، لأنها تذكّرنا بأن الحياة المشتركة تحتاج إلى الحواس وإلى العناية وإلى قدرة على أن نلمس العالم وأن نسمح له بأن يلمسنا.