ملخص
روايات متطابقة تتكرر من ملف إلى آخر، ووثائق مزورة تحمل الأسماء والأماكن نفسها، وطلبات لجوء تبنى على ميل جنسي مصنوع في مقابل آلاف الجنيهات، وتأشيرات دراسة وعمل شارفت على الانتهاء تتحول إلى طلبات حماية، وشهادات ميلاد يسجل فيها طالبو لجوء آباء لأطفال ليسوا أبناءهم. هذه أشكال تحايل جمعت في بريطانيا خلال أشهر عبر شهادات موظفين وتحقيقات ميدانية وأحكام قضائية، غير أن الأرقام الرسمية تروي قصة مختلفة، فأين ينتهي الاحتيال الفعلي في طلبات اللجوء، وأين يبدأ عجز الجهة المختصة عن تدقيق روايات المتقدمين؟
نشرت صحيفة "التايمز" أخيراً حديثاً مع موظف في وزارة الداخلية البريطانية أمضى سنوات في البت بآلاف طلبات اللجوء، لم تكشف عن اسمه، واكتفت بتعريفه بحرف "جيه". قال الرجل إن "في أفضل الأحوال واحد في المئة من طالبي اللجوء حقيقيون"، وإنه ما من جانب في المنظومة إلا وهو إما احتيال واسع وإما اختلال وظيفي. ووصف ما يسميه الموظفون بينهم "طلبات جاهزة"، أي ملفات تصل من أبناء البلد الواحد تحمل الرواية ذاتها والرسائل الداعمة ذاتها والصور ذاتها، حتى صارت مادة للتندر في المكاتب.
التفصيل الأدق في شهادته يتعلق ببنغلاديش، فقد ذكر أن أعداداً كبيرة من طالبي اللجوء قالوا إنهم مهددون بسبب صلتهم بحزب "رابطة عوامي" الذي فقد السلطة في 2024، وأن كثيراً منهم عجزوا عن الإجابة عن أسئلة أولية في شأن الحزب الذي يزعمون أنهم يضطهدون بسببه. وتحدث كذلك عن وثائق مزورة تتكرر فيها أسماء وأماكن من ملف لآخر، وعن مئات من أكراد العراق قالوا إنهم على علاقة بابنة المسؤول الكردي نفسه.
رد وزارة الداخلية جاء حاسماً في الشكل لا في المضمون، إذ قال متحدث باسمها إنها لا تعلق على إحاطات مجهولة المصدر، وإن لديها إجراءات صارمة لاختبار الصدقية والكشف عن الطلبات الاحتيالية، وإن كل من يثبت تزويره يفقد صفته ويجد نفسه على رحلة باتجاه واحد خارج بريطانيا. وأكدت الوزارة في المقابل نقطة جوهرية وردت في الشهادة نفسها، وهي أنها ممنوعة في معظم الحالات من مخاطبة حكومة بلد المنشأ للتحقق من رواية الطالب، لأن ذلك يخرق السرية وقد يعرض صاحب الطلب للخطر.
سياسياً، انقسم رد الفعل على خط واضح. رفضت الوزيرة العمالية إيما رينولدز رقم واحد في المئة في حديث إلى إذاعة "إل بي سي"، وقالت إنها لا تعرف من أين جاء وإنه رأي شخص واحد، مذكرة بتراجع الهجرة الصافية وبارتفاع عمليات الإعادة وتوظيف مزيد من المحققين. أما وزير الداخلية في حكومة الظل المحافظة كريس فيليب فبنى على التقرير الأممي لا على الشهادة، قائلاً إن الأمم المتحدة ليست شاهداً معادياً للحكومة، وإنها أبلغت وزارة الداخلية بأنها تمنح اللجوء لأشخاص غير مستحقين له. وقال مدير مؤسسة "هنري جاكسون" آلان مندوزا، وهو مستشار لحزب "ريفورم"، إن ما جرى ليس مفاجئاً وإن المنظومة تستغل منذ سنوات.
هنا تحديداً ينبغي فرز المعطى عن الانطباع، فالرقم الذي قدمه "جيه" تقدير شخصي غير قابل للتحقق، ولا يوجد في بريطانيا أي قياس رسمي منشور لنسبة الاحتيال في طلبات اللجوء. والأرقام المتاحة تشير إلى اتجاه معاكس لصورة نظام سائب، إذ بلغ معدل القبول عند القرار الأول 38 في المئة في العام المنتهي في يونيو (حزيران) الماضي، نزولاً من 48 في المئة قبل عام، ومن ذروة بلغت 77 في المئة في العام المنتهي في سبتمبر 2022. وخلال العام نفسه منح 42394 شخصاً حماية أو إذن إقامة، فيما رفض 73478 طلباً، أي أن نحو ثلثي القرارات كانت بالرفض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التدقيق الأممي الذي استندت إليه المعارضة فيقول شيئاً أكثر تعقيداً مما يوحي به توظيفه السياسي، فقد راجعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 60 مقابلة بين محضر ومشاهدة مباشرة، ووجدت أن الأساس الكامل للطلب ظل غامضاً في 19 حالة، وأن أساليب الاستجواب متفاوتة، وأن كثيراً من متخذي القرار يفتقرون إلى مهارة انتزاع المعلومة الحاسمة، وأن مآخذ الصدقية كثيراً ما لا تطرح على صاحب الطلب أصلاً. وخلصت إلى أن ثمة خطراً حقيقياً في الاتجاهين معاً، فبعض المحتاجين إلى حماية دولية يرفضون، وبعض غير المستحقين يمنحون اللجوء. وأشارت إلى أن 52 في المئة فقط من القرارات استوفت معايير الجودة الداخلية للوزارة في عامي 2023 و2024، في مقابل 72 في المئة في السنة السابقة، وهو أسوأ أداء مسجل، وقبلت الوزارة سبعاً من 10 توصيات كاملة وثلاثاً جزئياً.
أما ما هو موثق بالفعل في شأن التحايل فمصدره تحقيقات ميدانية لا شهادة مجهولة، ففي أبريل (نيسان) الماضي بثت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) نتائج تحقيق سري أرسلت فيه صحافيين تقمصوا صفة طلاب من باكستان وبنغلاديش توشك تأشيراتهم على الانتهاء. ووفق ما نشرته الهيئة، عرض مستشارون في شؤون الهجرة ومكاتب محاماة بناء طلبات لجوء على أساس الميل الجنسي، في مقابل مبالغ تراوح بين 1500 و7 آلاف جنيه استرليني، تشمل صياغة رواية شخصية متكاملة وترتيب شريك وهمي وتوفير صور من نواد ورسائل دعم وتقارير طبية، مع تدريب على أسئلة المقابلة. ولم تختبر هذه الاتهامات أمام القضاء ولم تصدر إدانات في حق الأشخاص أو المكاتب المعنية، وقد فتحت وزارة الداخلية على إثر التحقيق تحقيقات في طلبات مبنية على الميل الجنسي يشتبه في أنها احتيالية.
المسار الثاني الموثق ليس تزويراً بالمعنى الجنائي، بل استخدام للنظام على حافته، فمن بين نحو86 ألف شخص طلبوا اللجوء خلال العام المنتهي في يونيو الماضي، دخل ما يقارب 35 ألفاً بتأشيرة أو إذن إقامة سابق، أي 41 في المئة، وهو رقم يكاد يوازي عدد الواصلين بالقوارب الصغيرة البالغ 34 ألفاً تقريباً.
ثمة مسار ثالث لا يمر بملف اللجوء بل بسجل المواليد، إذ كشف تحقيق نشرته إذاعة "إل بي سي" هذا الأسبوع أن عصابات منظمة تضغط على أمهات عازبات يحملن الجنسية البريطانية أو ترشوهن لتسجيل طالبي لجوء آباء لمواليدهن في شهادات الميلاد، وهو ما لا يمنح حق البقاء تلقائياً لكنه يحسن فرصه.
أطلقت الإذاعة على الظاهرة اسم "الأب الوهمي"، ونقلت عن ثلاث موظفات في مكاتب تسجيل مواليد لا رابط بينهن روايات متشابهة، من بينها حضور ثنائي بمولود جديد لا يتكلمان اللغة نفسها ويقيمان على بعد مئات الأميال، تولى الرجل فيه الكلام وعجز عن ذكر اسم شريكته، وقالت جهات إنفاذ قانون إن الشبكات التي أدارت ملف الزيجات الصورية هي نفسها التي تدير هذا المسار.
في تحقيق "إل بي سي" شهادة نادرة بالاسم والصفة، إذ قال رقيب التحقيق السابق في شرطة العاصمة نيل لانكستر، الذي ألحق بفريق جرائم الهجرة في وزارة الداخلية، إن رقم واحد في المئة الوارد في ضيف "التايمز" "قد يكون مبالغاً فيه، لكنه ليس بعيداً"، وربط الموافقات بضغط الكلفة والوقت على نحو ألفي موظف يعالجون الطلبات، لأن قول "نعم" يغلق الملف ويمنع الاستئناف. وردت الوزارة بأنها تتصدى لتزوير الأبوة بالتحقيق ومصادرة جوازات السفر والملاحقة الجنائية، وبأن الكلفة ليست عاملاً في اتخاذ القرار، ثم أضافت رقماً لافتاً، وهو أن 93 في المئة من عينة طلبات خلال العام الماضي وجد أنها اتخذت بصورة صحيحة، وهو رقم يقف على طرف نقيض من رقم المفوضية الأممية، من دون أن توضح الوزارة منهجيته ولا حجم عينته ولا سنة قياسه.
"والأب الوهمي" ليس مسار افتراضياً، إذ سجن جيرالد تشيرا ستة أعوام بعد ثبوت تسجيله أباً لثمانية أطفال ألبان في طلبات جوازات سفر خلال عامين، وسحبت جنسيته وجوازات الأطفال، فيما أقر رجل آخر بادعاء أبوة 13 طفلاً.
ربما لا يصح تحويل شهادة موظف واحد مجهول الهوية إلى توصيف إحصائي لأكثر من 85 ألف طالب، ولا يصح أيضاً تجاهل أن نصف من يطلبون الحماية يأتون من إريتريا والسودان والصومال وأفغانستان وإيران، وهي بلدان يصعب التشكيك بوجود الاضطهاد فيها. وفي المقابل، فإن ما يصفه "جيه" من روايات متطابقة له سند مستقل في تحقيقي "بي بي سي" و"إل بي سي"، ولوزارة الداخلية نفسها إقرار بأن لديها إجراءات للكشف عن الاحتيال، وهو إقرار ضمني بأن الاحتيال قائم. وثمة معطى بنيوي يفسر جانباً من المشكلة من دون تحميل الطالبين وحدهم مسؤوليتها، إذ إن قراراً يبنى على رواية يتعذر التحقق منها لدى بلد المنشأ سيظل قائماً على تقدير الصدقية، وتقدير الصدقية يتدهور حين تقاس إنتاجية الموظف بعدد الملفات المنجزة.
هنا تكمن العقدة العملية، فالوزارة أنجزت نحو 116 ألف قرار أولي في عام واحد، وهو أكثر من أربعة أضعاف معدلها السنوي بين 2010 و2019، فهبط عدد المنتظرين قراراً أولياً إلى 40168 شخصاً، أي أدنى مستوى منذ يونيو 2019. لكن العبء انتقل إلى القضاء، إذ بلغ عدد طعون اللجوء المنتظرة 87450 في نهاية مارس (آذار) الماضي، في مقابل 50976 قبل عام. بعبارة أخرى، السرعة التي قلصت التكدس الإداري هي نفسها التي أنتجت قرارات ضعيفة الجودة، والقرارات الضعيفة تستأنف، والاستئناف يعيد الملف لنقطة الصفر بعد سنة انتظار أو أكثر.
والخلفية السياسية تجعل أي رقم في ملف اللجوء قابلاً للاشتعال فوراً، فوفق مؤشر مؤسسة "إبسوس" الشهري للقضايا في أغسطس (آب) الماضي، يضع 42 في المئة من البريطانيين الهجرة في مقدمة القضايا التي تواجه بلادهم، وهي في الصدارة منذ أشهر متتالية. وفي استطلاع أجرته المؤسسة نفسها خلال فبراير (شباط) الماضي، رأى 67 في المئة أن أعداد طالبي اللجوء مرتفعة أكثر من اللازم.
منذ مارس الماضي بات اللجوء الممنوح موقتاً يراجع كل 30 شهراً، مع طريق إلى الإقامة الدائمة يمتد 20 عاماً، وقد أقر مجلس العموم في يوليو (تموز) الماضي القراءة الثانية لمشروع قانون الهجرة واللجوء بغالبية 264 في مقابل 90 صوتاً، وهو المشروع الذي يتيح استرداد ما يصل إلى 10 آلاف جنيه من قيمة الإعاشة والسكن. وقد صوت أندي بيرنهام لمصلحته قبل أيام من دخوله "داونينغ ستريت"، وأبقى شبانة محمود في وزارة الداخلية، في إشارة إلى أن التوجه لن يتغير مع تغير رئيس الوزراء.