ملخص
امتدت موجة الهجمات الإلكترونية على ثلاجات المتاجر الأوروبية إلى بريطانيا عبر موردي أغذية صغار، من دون أثر واضح حتى الآن في المتاجر الكبرى، وتزامن ذلك مع تحذير "المركز الوطني للأمن السيبراني" من ارتفاع غير مسبوق في عدد الحوادث خلال الشهور المقبلة، وترجيحه الشديد استخدام برمجيات خبيثة تعمل بالذكاء الاصطناعي، في هجوم فدية على البنية التحتية الحيوية بحلول 2028.
لاحظ المدير العام لشركة "لانغريدج أورغانيك" لتجارة الخضراوات والفاكهة العضوية بالجملة، أليكس بيرس، أن ثلاجتين تتصرفان بغرابة، قبل أن تتحول وحدة ثالثة فجأة إلى وضع إذابة الجليد. وأبلغ مجلة "ذا غروسر" المتخصصة أن القراصنة اخترقوا ستة من أصل 10 أنظمة تحكم في غرف التبريد، وضبطوا الحرارة القصوى عند 150 درجة فهرنهايت، أي نحو 66 درجة مئوية، وعطلوا أيضاً الرسائل الآلية التي تنبه الشركة إلى خروج الحرارة عن النطاق الآمن، وقال بيرس إن تحديث أمن هذه الأنظمة أمر "لم نفكر فيه قط".
كانت هذه إحدى الحالات البريطانية في موجة ضربت أوروبا ليل الأحد - الإثنين الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري. بحسب "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، أبلغت متاجر في تسع دول عن مشكلات مماثلة، في بلجيكا وإستونيا وفنلندا وإيرلندا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا والبرتغال والسويد، مع تقارير عن بلوغ الحرارة 50 درجة مئوية، وجاءت الموجة بعد ثلاثة أسابيع من هجوم عطل نحو 700 متجر فرنسي، وقدرت خسائره الغذائية بعشرات ملايين الدولارات.
في لندن، جاء الاعتراف الرسمي صباح اليوم الثلاثاء، وقال الرئيس التنفيذي لـ"المركز الوطني للأمن السيبراني" التابع لوكالة الاستخبارات الإلكترونية البريطانية، ريتشارد هورن، لـ "بي بي سي" إن المركز على علم بـ"حالتين أو نحو ذلك"، استُغلت فيهما تقنيات ضعيفة في بريطانيا، وإن فرقه عملت طوال الليل لتنبيه الجهات المعرضة للخطر، مضيفاً أن المسألة لا تخص المتاجر وحدها، بل تمتد إلى سلسلة الغذاء كلها.
وتحدث رئيس الاتصالات في "الرابطة البريطانية لموردي اللحوم المستقلين"، توني غودغر، عن أعضاء أصبحوا ضحايا "جانبيين" للهجوم، وأكدت الرابطة أن أياً منهم لم يخسر لحوماً، ونقلت "ذا غروسر" عن أحد الموردين أن ثلاجاته ضبطت على إذابة الجليد كل ساعة، وعن آخر أن الحرارة ضبطت عند 100 درجة فهرنهايت، أما المتاجر الكبرى فلم تظهر عليها حتى الآن دلائل تذكر على التأثر.
وقال غراهام وين، من "اتحاد التجزئة البريطاني"، إن الشركات تستثمر بكثافة في أمنها الإلكتروني وتعمل مع المركز لتأمين ثلاجاتها، وفي اليوم نفسه أصدر المركز تقريره السنوي "حال الأمة السيبرانية"، وخلص فيه إلى أن استخدام برمجيات خبيثة تعمل بالذكاء الاصطناعي في هجوم فدية على البنية التحتية الحيوية، مرجح بشدة بحلول 2028.
ويحذر هورن من "احتمال حقيقي لارتفاع غير مسبوق" في عدد الحوادث خلال الشهور المقبلة، وقال وفق وكالة "بلومبيرغ"، إن القادة قد يضطرون إلى تبرير "عماهم المتعمد" حين تخلو الرفوف من الطعام وتنطفئ الأنوار، متهماً روسيا بمحاولة اختراق الشبكات العسكرية البريطانية يومياً، وقال إن إيران تنفذ عمليات إلكترونية خبيثة، ووصف الصين بأنها التحدي الأكثر تطوراً واستدامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن تزامن الحدثين قد يوحي بعلاقة لم تثبت، فلا يوجد دليل مؤكد على استخدام الذكاء الاصطناعي في هجمات الثلاجات، وذكر متحدث باسم شركة "دانفوس" الدنماركية أن الأنظمة التي أصيبت في هولندا لم تكن على شبكة آمنة، وأنها ظلت تستخدم كلمات مرور افتراضية.
وشدد هورن على أن الخطر لا ينبع من أساليب هجوم جديدة ابتكرها الذكاء الاصطناعي، بل من ثغرات جرى التساهل معها طويلاً، ويمكن الآن كشفها واستغلالها على نطاق واسع، ولم تمكّن حالات الاستخدام التي رصدها المركز حتى الآن من أية فئة جديدة من الهجمات.
أما الصلة الحقيقية بين الملفين فهي الكلفة والسرعة، فقد قال كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة "كلاروتي"، أمير بريمينغر، إن بحث شركته أظهر إمكان إعادة إنتاج ثغرات وحدات التحكم بقدرات ذكاء اصطناعي متقدمة، وبلوغ أعلى صلاحيات جهاز مخبري في نحو 28 دقيقة، وبكلفة تقارب ستة دولارات، ولا يعني ذلك أن المهاجمين فعلوا ذلك، لكنه يبين كيف قد تتحول الثغرات القديمة إلى هدف أرخص وأسرع.
ويقتضي الإنصاف تصويب قراءتين أخريين، الأولى تتعلق بسيناريو الجهة الآلية القادرة على الاستنساخ الذاتي وشن هجمات بلا سيطرة بشرية، إذ يقدّم التقرير، صراحة لا نبوءة، تصوراً متشائماً لإظهار كلفة التقاعس، والثانية تتعلق بالأرقام، فقد تلقى المركز 1831 بلاغاً، واستدعت 337 حادثة تدخله، صنّفت 80 منها على أنها حوادث وطنية مهمة.
وكان المركز سجّل 429 حادثة في تقريره السابق، بينها 204 حوادث وطنية مهمة، لكنه يحذّر من قراءة هذه الأرقام اتجاهاً سنوياً بسيطاً، ويشير إلى أن الإنذار الباكر ربما منع تطور حوادث، فالتحذير من موجة غير مسبوقة يقوم إذاً على تقدير مستقبلي، لا على عداد الحوادث المسجلة.
وقال هورن إن الوقت لا يزال باكراً لتحديد الجهة المسؤولة، وبينما يحذّر مسؤولون أوروبيون من محاولة متعمدة لتعطيل سلسلة الغذاء، تجنب المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، توماس رينييه، توجيه الاتهام إلى أي طرف، وقد رصدت شركة "فورسكاوت" قرابة 20 هجوماً على أنظمة تبريد منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت مجموعات ناشطة مسؤوليتها عنها، بينها مجموعتان مواليتان لروسيا.
لكن تقريرها الذي صدر قبل الموجة الثانية لم يثبت مسؤوليتهما عن هجوم فرنسا، ويلخص الباحث في شركة "سنتينل وان" توم هيغل المعضلة بالقول إن "مراهقاً وجهاز استخبارات سيبدوان متشابهين من موقع المدافع".
وتعد جذور الانكشاف البريطاني أقدم من هذه الموجة، ففي عام 2025 تركت هجمات مجموعة "دراغون فورس" للفدية عملاء عاجزين عن الدفع، وسرقت بيانات جميع أعضاء "كو أوب" البالغ عددهم 6.5 مليون، وفق المركز، وفي مايو (أيار) من العام نفسه، أصابت هجمة فدية شركة "بيتر غرين تشيلد" التي توزع الأغذية المبردة على كبرى المتاجر، وقدرت "ماركس آند سبنسر" كلفة الهجوم الذي تعرضت له بنحو 180 مليون دولار، ثم كشفت شركة "يو كيه سايبر ديفنس" وجود 800 نظام تبريد وتحكم داخل المباني، مكشوفة عبر الإنترنت في بريطانيا.
على المستوى التشريعي البريطاني، يتركز السجال على مشروع "قانون الأمن السيبراني والمرونة"، ففي الـ 16 من يونيو (حزيران) الماضي ناقش مجلس العموم تعديلاً يُدخل بيع الغذاء عبر سلاسل التوزيع الكبرى ضمن الأنشطة الأساسية، لكن الحكومة أبقت التجزئة خارج النطاق، وبرّر وزير الذكاء الاصطناعي، كانيشكا نارايان، الموقف بالتنوع الصناعي والجغرافي الكبير لقطاع الغذاء، مشيراً إلى عمل وزارة البيئة والغذاء والمركز مع الشركات. في المقابل، يشمل "التوجيه الأوروبي الثاني لأمن الشبكات والمعلومات" (نيس 2) الإنتاج الصناعي للغذاء وتوزيعه بالجملة لا البيع بالتجزئة، وفي الحالين لا يبدو أن النص القانوني وحده قادر على حماية "الأجهزة القديمة".