ملخص
تبحث حكومة لندن عن خيار يعزز من حضور وسائل إعلام "موثوقة" على وسائل التواصل. الغاية هي مواجهة المعلومات المضللة، والبداية كانت عبر "ورقة خضراء" ناقشها البرلمان، لكن الطريق نحو هذا الهدف يصطدم باعتراضات داخلية من أطراف عدة، إضافة إلى رفض أميركي عبرت عنه واشنطن صراحة.
ناقش نواب البرلمان البريطاني أمس الثلاثاء "الورقة الخضراء" التي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام والرياضة في يونيو (حزيران) الماضي بعنوان "راقبوا هذا الفضاء: توجه استراتيجي جديد للإعلام البريطاني"، وهي وثيقة تشاور لا مشروع قانون، أغلق باب التعليق عليها نهاية أغسطس (آب) الماضي، وتقترح استكشاف خيارات تشريعية تلزم منصات التواصل جعل أخبار مزودي إعلام الخدمة العامة، وهم "بي بي سي" و"آي تي في" و"أس تي في" و"تشانل 4" و"أس فور سي" و"تشانل 5"، ومعهم "مزودون موثوقون آخرون" قد يشملون ناشرين وطنيين ومحليين، محتوى بارزاً للمستخدمين ويسهل العثور عليه. وتصف الوزارة ذلك بأنه حاسم لمواجهة التضليل، ولا سيما في أوقات الاضطراب الاجتماعي أو الأزمات.
في المناقشة قال النائب المحافظ عن دائرة مالدون ووزير الثقافة والإعلام والرياضة السابق السير جون ويتنغديل إن فكرة فرز هيئة حكومية مزودي الأخبار بين موثوق وغير موثوق، ثم تسعى إلى التأثير في موقعهم داخل تدفقات المستخدمين، تبدو له "امتداداً شديد الخطورة لتدخل الحكومة في حرية الصحافة وحق التعبير". وطلب ضمانة صريحة بألا يربط الإبراز بقبول أي إطار تنظيمي، واقترح بديلاً هو تفعيل نظام الأسواق الرقمية ودفع هيئة المنافسة والأسواق إلى إلزام المنصات الكشف عن الخوارزميات التي ترتب بها المحتوى.
من جهته حذر النائب المحافظ نايجل هادلستون من أن يصير تعريف "الموثوق" وكيلاً "عما توافق عليه الحكومة"، مذكراً بأنظمة سلطوية سلكت هذا الطريق. أما وزير الثقافة في حكومة الظل جيمس وايلد، فسأل أين تقع قناة مثل "جي بي نيوز" من نظام كهذا، ورأى أن تعريف الناشر المعترف به في قانون "سلامة الإنترنت" 2023 يغطي آلاف العناوين حتى يكاد يفرغ من معناه، وأن كثراً يقرأون المقترح بوصفه تنظيماً للصحافة من الباب الخلفي.
ومن مقاعد حزب العمال جاء اعتراض من نوع آخر، إذ رحبت النائبة ريبيكا لونغ ــ بيلي بهدف مواجهة التضليل، لكنها قالت إن من يحدد الجدير بالثقة لا يمكن أن يكون الوزراء ولا عمالقة التقنية، واقترحت نظام اعتماد مستقلاً على غرار مجلس الصحافة الإيرلندي، برئاسة مستقلة وتمثيل للصحافيين والصناعة والمجتمع المدني، محمياً بتشريع لكن بعيداً من الحكومة. وأضافت أن الإبراز يجب ألا يتحول إلى خفض في الترتيب باسم آخر يطاول الصحافيين الذين يسائلون أصحاب السلطة، وأن صفة "موثوق" ينبغي أن تتجاوز إعلام الخدمة العامة إلى ناشرين مستقلين وصحافيين مستقلين يستوفون المعايير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رد وزير الدولة إيان موراي حمل ما هو أهم من الاعتراضات، فقال إن التفضيل القوي للحكومة يبقى اتفاقاً طوعياً تقوده الصناعة، وأثنى على الطريقة التي تعاملت بها "يوتيوب" مع الوزارة، مضيفاً أن نجاح المسار الطوعي يعني أن التشريع لن يكون ضرورياً أصلاً. واعترض على وصف المنصة بأنها فضاء يقوده المستخدم، قائلاً إن ما يصل إليه تحدده الخوارزمية لا اختياره، وإن كان الأمر خلاف ذلك لانتفت مشكلة الإبراز من أساسها. وأقر بأن لا سابقة دولية في هذا الباب وأن بريطانيا ستكون أول المتحركين، وبأن المعضلة أنها تبحث عن حل بريطاني لجمهور المملكة المتحدة في سوق تهيمن عليها شركات أميركية. وأوضح أن الوزارة تفرز عشرات آلاف الردود وستعود بمقترحات قريباً نسبياً.
لم تقدم الحكومة تشريعاً في هذا الخصوص بعد، والمسار المعلن طوعي، والورقة نفسها تعرض خيارات لا قرارات. ثم إن الإبراز ليس حذفاً، إذ يملي قانون "سلامة الإنترنت" على المنصات ما تبعده من المستخدم، فيما يملي الإبراز عليها ما تدفعه نحوه، والفرق بينهما حقيقي، غير أن حجة موراي عن الخوارزمية تفتح باباً يصعب إغلاقه، لأن الاعتراف بأن الترتيب مصنوع لا محايد يجعل السؤال عن هوية من يصنعه سؤالاً مشروعاً سواء وجهه وزير بريطاني أو نائب معارض أو دبلوماسي أميركي.
ونقطة الضعف الفعلية لم تأتِ من واشنطن، بل من "رابطة الإعلام الإخباري" التي قالت إن تعريف الجدير بالثقة يضع الدولة في موقع من يقرر أية صحافة يراها الجمهور، ومن الاتحاد الوطني للصحافيين الذي حذر من إخراج ناشرين مستقلين من السوق، ومن "بي بي سي" نفسها، المستفيد الأول من الخطة التي أشارت في ردها إلى نظام الأسواق الرقمية بوصفه المسار الأنسب.
الرد الأميركي على الورقة البريطانية الخضراء، والمنشور في الثاني من سبتمبر الجاري، بني على ثلاث طبقات. الأولى أن إلزام المنصات رفع إعلام تفضله الحكومة يجعل أثر تصنيف مصدر بأنه غير مفضل بمثابة الحذف الصريح لمحتواه، مما تعتبره واشنطن تسهيلاً للرقابة. والثانية أن التفويض قد يرسي قالباً تستدعيه أنظمة سلطوية لتبرير مزيد من السيطرة على المحتوى. والثالثة تجارية، إذ تمنح صفة "الناشر الموثوق" حماية لا تشمل الإعلام الأميركي. وأدرجت الحكومة الأميركية خمسة أسئلة في سجل المشاورة عن جهة التصنيف والمعايير وحق الطعن. وقال متحدث باسم الوزارة البريطانية إنها ترحب بالردود وتؤمن بحرية التعبير والمنافسة العادلة وإن أي إجراء سيحمي الأمرين.
وبحسب "أوفكوم" تبقى منصات التواصل المورد الرئيس للأخبار لدى ثلاثة أرباع البريطانيين بين عمر الـ16 والـ24 سنة، ويذكرها أكثر من نصف البالغين ضمن مصادرهم. وبحسب موراي فإن مشاهدة "يوتيوب" الشهرية تجاوزت مشاهدة "بي بي سي" للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025. وفي المقابل، يظهر تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن "معهد رويترز لدراسة الصحافة"، المستند إلى نحو 100 ألف مستجيب في 48 سوقاً، أن المنصات تجاوزت مواقع المؤسسات الإخبارية عالمياً للمرة الأولى بنسبة 54 في المئة مقابل 51 في المئة، وأن الثقة بالأخبار هبطت إلى 37 في المئة وهو أدنى مستوى منذ عام 2015، ولا تتعدى الثقة بالأخبار على منصات التواصل 22 في المئة. وفي بريطانيا تراجعت الثقة خمس نقاط مئوية إلى 30 في المئة، وارتفعت نسبة من يتجنبون الأخبار إلى 50 في المئة.
وبعد مناقشة ومراجعة المقترحات المقدمة في شأن "الورقة الخضراء"، يمكن لحكومة لندن التفاوض مع منصات التواصل على ترتيبات عرض من دون تشريع، ولكن الوعد قد يصير منّة قابلة للسحب حين تتغير سياسة الشركة أو إدارتها. أما إصدار تشريع يسند إلى "أوفكوم" أو هيئة اعتماد مستقلة بفرز الموثوق وغير الموثوق، فيعني جبهة جديدة مع واشنطن. والخيار الثالث هو تبديل الأداة كلياً، بنقل الملف إلى قانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين 2024، وتصنيف المنصات ذات وضع سوقي استراتيجي وفرض شفافية خوارزمية ونفاذ إلى البيانات، بدلاً من فرض ترتيب بعينه.
موراي قال إن نجاح الطوعي يلغي الحاجة إلى التشريع، لكن المفارقة أن جلسة عقدت للدفاع عن الأخبار الموثوقة مرت من دون أن يذكر فيها أهم معطى في الملف، وهو طلب حكومة أجنبية سحب المشروع. والحسم في نهاية المطاف قد لا يقع في ويستمنستر، بل في ملف تجاري تقاس فيه الخوارزمية بالتعرفة الجمركية لا بالثقة.