Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مواكب المصريين... طقس واحد بأديان وعصور مختلفة

تعود جذورها إلى مصر القديمة وترافقها مظاهر متشابهة لدى المسلمين والمسيحيين

المواكب المرتبطة بالمناسبات الدينية جزء أصيل من الموروث الشعبي المصري (أ ف ب)

ملخص

المواكب الدينية في مصر ترتبط بالأولياء والقديسين وتخرج من المساجد والكنائس وتكاد تتشابه في كثير من الطقوس مثل حمل الرايات والاحتفاء بالولي أو القديس واﻹنشاد الديني سواء الابتهالات الإسلامية أو الترانيم المسيحية

منذ آلاف السنين خرج المصريون في طيبة (جنوب مصر) احتفالاً بالمعبود آمون في مهرجان سنوي يعرف بعيد الأوبت، كان أبرز ملامح هذا الاحتفال هو حمل تماثيل آمون في مراكب مقدّسة على أكتاف الكهنة، إذ تنقل التماثيل من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر عبر طريق الكباش في واحد من أهم المواكب الدينية التي ارتبطت بمصر القديمة.

بعد مرور آلاف السنين وتعاقب الحضارات يخرج أحفاد المصريين القدماء في الأقصر (طيبة سابقاً) في موكب عظيم يجوب المدينة، رافعين المراكب في مشهد مميز للاحتفال بمولد سيدي أبو الحجاج الأقصري القطب الإسلامي الصوفي الموجود قبره ومقامه في الجانب الشمالي الشرقي من معبد الأقصر، ويعد موكبه ومولده السنوي من أهم أحداث واحتفالات المدينة.

الموكب والمراكب ظلت باقية على رغم مرور آلاف الأعوام وتعاقب الحضارات وتغير الديانات، والطقس الديني والاحتفالي أضحى جزءاً أصيلاً من التراث الشعبي المصري الراسخ على مر الزمن، المشهد السابق متكرر بصيغ وأشكال مختلفة في كل المحافظات المصرية، بحسب العادات المتوارثة، ويجتمع عليه المسلمون والمسيحيون، فالمواكب الدينية ترتبط بالأولياء والقديسين، وتخرج من المساجد والكنائس، وتكاد تتشابه في كثير من الطقوس، مثل حمل الرايات والاحتفاء بالولي أو القديس واﻹنشاد الديني، سواء الابتهالات الإسلامية أو الترانيم المسيحية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أحياناً، يطلق الناس على الموكب اسم "الزفة"، باعتباره حدثاً احتفالياً وفي بعض الأوقات يرتبط بمناسبات دينية خاصة بعوام الناس مثل الحج، ففي بعض الأقاليم والمناطق الريفية كان يودّع الحجاج بموكب كبير بالخيول والجمال تصاحبه الآلات الموسيقية الشعبية والأهازيج المرتبطة بالحج وقت خروجهم متوجهين إلى مكة قبيل موسم الحج.

أكثر من طقس احتفالي

المواكب الدينية ظاهرة متأصلة في التاريخ المصري، وكان لها دلالات دينية وسياسية واجتماعية، وليست مجرد طقس احتفالي، وكان من أشهرها في مصر القديمة موكب عيد السد الذي كان يقام لمناسبة مرور 30 عاماً على جلوس الملك على العرش، وكان الملك هنا رمزاً للإله، فالموكب كان يجمع بين الديني والسياسي، إذ يظهر الملك بكامل فخامته ويحمل على محفة ملكية ضخمة محاطاً برجال الدولة والكهنة، حاملين الرايات والأعلام، وكانت تماثيل المعبودات المحلية تجلب من جميع أقاليم مصر في مواكب خاصة عبر نهر النيل لتجتمع في مكان الاحتفال، لتشارك في الموكب الرئيس للحدث الذي تصاحبه احتفالات شعبية ضخمة يشارك فيها الناس وتوزع فيها العطايا وتمثل حالاً استثنائية.

مع العصر اليوناني الروماني ظّت المواكب الدينية بمصر قائمة، لكنها اعتمدت فكرة دمج الثقافات، فقد حرص الحكام البطالمة والرومان على المشاركة في الأعياد الدينية المصرية، وصوروا أنفسهم بهيئة الفرعون على المعابد للتقرب من المصريين، وكانت المواكب الدينية تحتفي بالآلهة المصرية والإغريقية معاً في مزيج جديد، لكنه أبقى على الموروث المتعارف عليه عند المصريين، ومع انتشار المسيحية والإسلام لاحقاً استمرت المواكب الدينية، لكنها تحولت من الاحتفاء بالملوك والمعبودات إلى الاحتفال بالقديسين والأولياء وآل البيت الذين اجتمع المصريون على محبتهم.

 

عن المواكب الدينية في العصر الإسلامي، تقول الباحثة في الآثار الإسلامية والتنمية المستدامة، ياسمينة عادل "المواكب الدينية في مصر ترتبط  بالجذور العميقة للتاريخ المصري القديم، وفي العصر الإسلامي كان أوج تألقها في عهد الفاطميين، إذ كان الحاكم يخرج على رأس الموكب في حدث استثنائي تشهده البلاد احتفالاً بإحدى المناسبات الدينية، ولم يكن مجرد موكب إنما كان وسيلة لاستعراض القوة والسلطة والفخامة، وكانت القاهرة تتحول إلى مسرح عام لهذا الحدث، إذ تزين الشوارع ويصطف الناس على طول مسار الموكب الذي يصبح الحدث الأهم في هذا الوقت".

وتضيف "من أشهر المواكب الدينية في عصر الفاطميين هو موكب مولد النبي، فكان الحاكم يخرج في أوج فخامته على حصان بصحبة زوجته، وهي ترتدي طوقاً من الياسمين، من هذا المشهد استوحى المصريون عروسة المولد والحصان رمزاً للمولد النبوي حتى يومنا هذا، وأصبح جزءاً من الموروث الشعبي المرتبط بهذه المناسبة في مصر، ويميزها عن أي مكان آخر في العالم".

مواكب إسلامية

من أكبر المواكب ذات الطابع الديني التي تقام تواكباً مع موالد إسلامية هو الموكب المصاحب لمولد السيد البدوي، الذي يقام في مدينة طنطا (شمال القاهرة)، إذ يطوف المريدون حاملين الرايات ومرددين الأهازيج التي تتغنى بصاحب المقام، ومن المعتاد أن يقام موكب بالجمال متوجهاً إلى طنطا أيام المولد من المحافظات القريبة يشارك فيه محبو البدوي القادمون للاحتفاء به، وموكب الحسين الذي ينطلق من مسجد سيدي صالح الجعفري بالدراسة مروراً بشوارع القاهرة القديمة حتى جامع الحسين، فيسير المريدون في الموكب حاملين الرايات والبيارق والأعلام ومرددين المدائح، وموكب السيدة زينب الذي يجري بالتواكب مع مولدها في شهر رجب من كل عام، إذ ينطلق من ساحة مسجد السيدة زينب في الحي الشهير الذي يسمّى باسمها مروراً بالشوارع المحيطة حتى الوصول إلى مسجد علي زين العابدين.

تقول الباحثة ياسمينة عادل "موالد الأولياء وآل البيت دائماً ما يصاحب أغلبها موكب عظيم احتفالاً بالمناسبة منذ عصور طويلة، ففي العصر الفاطمي كان هناك ستة موالد أساسية، هي المولد النبوي، ومولد الإمام علي بن أبي طالب، ومولد فاطمة الزهراء، ومولدا الحسن والحسين، ومولد الخليفة الحاضر، وكل منهم كان يقام له موكب مهيب، ومع الزمن ازداد الأولياء، وكثرت الموالد، وأصبحت كل محافظة بها مولد واحد في الأقل لولي من أولياء الله يقام له موكب عظيم، يشمل كل الطقوس الشعبية التي تتميز بها المنطقة احتفالاً به".

 

وتستكمل "كان مولد النبي من أهم الأحداث التي تقام لها مواكب في مصر، وقد أقيم للمرة الأولى في عهد المعز لدين الله الفاطمي، ولأهمية هذا الحدث كانت هناك مجموعة من الديار تقوم على حرف وصناعات مختلفة ترتبط به، فهناك دار الديباج لصناعة الملابس للخليفة ورجال الدولة والعلماء، ودار الفطرة لصناعة الحلوى التي توزّع على الناس، ودار المسكوكات التي تنفذ عملات ذهبية خاصة بالمناسبة يتم إلقاؤها على الناس خلال الموكب، فالموروث الشعبي لا يبدأ من عامة الناس إنما الدولة كانت تخلق طقوساً احتفالية يعيد الناس إنتاجها مع الوقت، فتفقد الجانب الرسمي وتتحول إلى عادات شعبية وذاكرة اجتماعية وثقافية تتوارثها الأجيال، وقد يدخل عليها بعض الاختلافات بحسب تغيرات العصر"، لافتة إلى أنه "من المواكب المهيبة التي ارتبطت بالعصر الإسلامي موكب كسوة الكعبة التي كانت تصنع في مصر قبل موسم الحج، وكان احتفالية كبيرة ينتظرها الناس من العام للعام، ويخرجون لمشاهدتها، فهو كان حدثاً استثنائياً لارتباطه بفريضة الحج، وقد كان هذا الموكب من الأهم في القاهرة طوال أعوام طويلة".

وأخرى مسيحية

لا يختلف المشهد كثيراً في المناسبات الدينية المسيحية، فكثير من الاحتفالات تشهد مواكب دينية ضخمة، تتميز بها مصر عن أي مكان في العالم، وتتعدد وتختلف بحسب المناسبات الدينية، فهناك مواكب ترتبط بأسبوع الآلام السابق لعيد القيامة، وأخرى تقام تواكباً مع الاحتفال بالموالد المختلفة للقديسين التي تنتشر في كل أنحاء البلاد من الشمال إلى الجنوب.

ويعد أشهر المواكب الدينية المسيحية وأضخمها هو الذي يقام سنوياً في أغسطس (آب) مع مولد العذراء الذي يعدّ من أكبر الموالد المسيحية في مصر، ويتدفق إليه الناس من كل المحافظات احتفاءً وتكريماً لها. تقول الباحثة في التراث الشعبي سحر مراد "الموالد المسيحية التي تقام للقديسين لا تكون احتفالاً بالميلاد، إنما ترتبط بتاريخ الاستشهاد، ويضم الموكب أيقونة القديس الذي يجري الاحتفال به، والأيقونة تختلف عن الصورة العادية، فهي لا بد من أن ترسم بالزيت المقدس في الكنيسة، وتقام عليها صلوات معينة، ويخرج الموكب، ويضم الأسقف وحامل الأيقونة، ويكون واحداً من الشمامسة، ويخرج بقية الشمامسة حاملين الرايات، في بعض المناطق في مصر مثل الصعيد تكون المواكب كبيرة جداً، وتخرج من الكنيسة أو الدير، لتجوب المنطقة أو القرية، ثم تعود لاستكمال الصلوات وبقية الاحتفالات، ويكون هذا حدثاً سنوياً كبيراً. المواكب في القاهرة ومحافظات الدلتا موجودة وتقام، لكنها ليست مثل مواكب الصعيد الأضخم والأكثر ارتباطاً بالتراث".

 

وتؤكد الباحثة في التراث الشعبي أن "المصريين جذورهم واحدة، واحتفالاتهم متشابهة والموالد والمواكب التي تقام كجزء من الاحتفالات هي أكبر دليل على ذلك، هناك موالد يكون الاحتفال بها غير عادي مثل مولد العذراء الذي يقام في أغسطس في درنكة بأسيوط جنوب مصر، وتصاحبه احتفالات كبيرة ومواكب ضخمة، الشعب المصري بصورة عامة عاطفي، ولديه ارتباط كبير بالأولياء والقديسين ومحبتهم وقيمتهم كبيرة في كل العصور، وهي سمة عامة يشترك فيها المسلمون والمسيحيون، إذ تتشابه كثيراً طقوس الموالد من ناحية النذور والذبائح والابتهالات أو الترانيم التي تقال في تكريم الولي أو القديس، إضافة إلى فكرة الموكب الموجودة في كل العصور".

وتختم مراد حديثها بأن "هذه المناسبات لا ترتبط فقط بالجانب الديني، لكن لها بعد شعبي واجتماعي واقتصادي، ففي وقت المولد في أي محافظة يتوافد الناس للمشاركة، وتنشط كل المظاهر الشعبية من ألعاب وغناء وأكلات وحرف تراثية، وتعد فرصة للتواصل بين الناس، والموكب يكون من أهم الطقوس المرتبطة بالحدث، التي ينتظرها الناس من العام إلى العام".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات