ملخص
الغناء والاحتفال في ظل الأوضاع الحالية يعد فعل حياة وتحدياً لآلة الموت، وهرباً من حال الحزن والظروف الاقتصادية المتردية في مخيمات اللجوء بدول الجوار الأفريقي.
تشهد مخيمات اللاجئين السودانيين في دول الجوار الأفريقي نشاطاً غير معهود في أوغندا وتشاد وكينيا، إذ يحاول سكان المخيمات استعادة مساحات الفرح التي غيبتها ظروف اللجوء وإحياء قيم التعايش عبر الفن والرياضة.
وتنشط الفعاليات والأنشطة الثقافية بغية الترفيه، وكذلك تنظيم الدورات الرياضية، وتهدف تلك الأعمال الفنية إلى دعم السلام ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش، إضافة إلى توفير مساحة آمنة لبناء علاقات اجتماعية إيجابية والتوعية والتعريف بالحقوق.
أغنيات وأمنيات
يتناغم صوت عشرات الأطفال اللاجئين مع الألحان الشجية في مخيم "كيرياندونغو" الذي يبعد نحو 400 كيلومتر من العاصمة الأوغندية كمبالا، ليصنعوا أعمالاً غنائية على طبقة صوت واحدة، وكأنهم يديرون ظهورهم لأوضاع اللجوء القاسية إلى واحات النغم والألحان.
وافتتح الفنان عوض مشاوي وصلته بأغنية "ﻟﻮ ﺃﻋﻴﺶ ﺯﻭﻝ ليهو ﻗﻴﻤﺔ ﺃﺳﻌﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻲ ﻭﺟﻮﺩﻱ... ﺯﻱ ﻧﻀﺎﺭﺓ ﻏﺼﻦ ﻃﻴﺐ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻳﺨﻀﺮ ﻋﻮﺩﻱ"، قبل أن تتوالى الأعمال التي ارتبط بها وجدان السودانيين، ومنها "أيدينا ياولد أيدينا للبلد"، و"بنعود تاني"، و"شدة وتزول".
في هذه الأغنيات لم يكن اللاجئون يستمعون إلى الماضي كونه شيئاً انتهى، بل كانوا يستعيدوه بوصفه جزءاً من حاضرهم، إذ ردد الحاضرون الكلمات مع الفنانين المشاركين في لحظة بدا فيها أن سنوات اللجوء لم تطفئ فيهم جذوة الأمل والأمنيات، ولم تمنعهم من استعادة أفراحهم وذكرياتهم.
رسائل مهمة
في السياق قال اللاجئ السوداني مختار عمر إن "الفعاليات الفنية أسهمت في توجيه رسائل مهمة تدعو إلى السلام ووقف القتال ونبذ خطاب الكراهية في السودان، كذلك تقوم ألوان الفنون المختلفة بدور مهم في تخفيف الاحتقانات وإعلاء صوت أنغام الأوتار والرقصات على السلاح، وهي رسائل تمنح السودانيين الثقة والأمل في أن بلادهم ستخرج من هذا النفق المظلم". وأضاف أن "الغناء والاحتفال في ظل الأوضاع الحالية يعد فعل حياة وتحدياً لآلة الموت، وهرباً من حال الحزن والظروف الاقتصادية المتردية في مخيمات اللجوء بدول الجوار الأفريقي".
وأوضح عمر أن "الأعمال الغنائية ذكرت اللاجئين بأن اختلاف القبائل والمناطق والثقافات لا يلغي وحدة الوطن والمصير، وكذلك تقديم رسائل التسامح والاحترام، ومنحت المئات شعوراً بالانتماء والقدرة على تجاوز المحن". وواصل القول "الفنون تقوم بدور في تخفيف الاحتقانات التي قد تنشب بين المجموعات التي تقيم في المخيمات كونها تراثاً موسيقياً سودانياً يسهم في توحيد الوجدان الشعبي والوطني".
دعم ومناصرة
في هذا الوقت نشط عدد من الدراميين في تقديم عروض مسرحية تهتم بقضايا الصحة النفسية والخطاب الجمالي الداعي إلى نبذ الكراهية وتعزيز ثقافة السلام والتعايش، إلى جانب حماية الأطفال وتمكين المرأة.
ورأى الدرامي عصام صالح أن "مبادرة مخيم ’بيالي‘ للاجئين واحدة من أهم أدوات دعم الصحة النفسية للفارين من ويلات الحرب، وتسعى إلى تقديم رسائل عدة حول واقع اللاجئين وهمومهم وأزماتهم وأمنياتهم على خشبة المسرح، إذ يساعد الفن في التعبير عن المشاعر المكبوتة والمؤلمة، مما يسهم في تحسين الحال النفسية للمئات منهم، إضافة إلى أن مشاهدة الأعمال الفنية تؤدي إلى التفاعل والشعور بالحرية". وأشار إلى أن "المبادرة قدمت الرسالة المنوطة بالمسرح، لا سيما في الوضع الذي يعانيه اللاجئون لأن الفنون تقدم التوعية والدعم النفسي، ومخيم ’بيالي‘ استقبل آلاف السودانيين الذين تأثروا بالصراع المسلح، وهم في حاجة ماسة لدعم معنوي لتجاوز المحنة التي ألمت بهم، ونجح فريق العمل في تقديم عروض نوعية".
ولفت صالح إلى أن "الحرب تسببت في تأزم الوضع النفسي للنساء والأطفال وكبار السن، وأحدثت صدمات قاسية نتيجة لتجارب سلبية ومؤلمة مثل القتل والتشرد والعنف وغيرها، بالتالي نسعى من خلال المسرح إلى معالجة الآثار النفسية، وأطلقنا دعوة إلى الدراميين لمناصرة قضية اللاجئين من خلال العمل معهم وإظهار قصصهم".
تجاوز الصدمة
في مخيم "كرياري" بشرق تشاد نصبت خيمة الرسم في الهواء الطلق، واختار الأطفال مواضيع متنوعة، وفضل بعضهم رسم أشجار وورود زاهية وسماء صافية، بينما ذهب آخرون إلى تنفيذ أعمال تشكيلية بالألوان عن ملامح الحياة اليومية والمدارس والمسارح وشخصيات الكرتون.
مازن الزبير (14 سنة) الذي لجأ مع أسرته من الفاشر إلى تشاد، قال إن "فكرة اللجوء بالنسبة إليهم كأطفال تجربة جديدة، واحتاجوا زمناً طويلاً كي يفيقوا من هول الصدمة، وأصبحوا أمام واقع جديد وفي مجتمع جديد، وفقدوا أصدقاءهم وأهلهم". ونوه بأن "المعرض التشكيلي محاولة للخروج من أثر الصدمة، وقد وجد فيه الأطفال عزاء بالتعبير عما يشعرون بأدواتهم، وهي الخط واللون والكتلة والفراغ، لأن الفن دائماً وأبداً يدعو إلى قيم الخير ونبذ التعصب والتسامح".
وبين الزبير أن "رسم مساحة من الأمل فيها لون وردي أو زهرة وسط أوضاع اللجوء القاسية يمنحنا بارقة أمل، ونريد أن نقول من خلال المعرض إن الأمل موجود، لا للعنف لا للاقتتال".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عزيمة وإرادة
شهد مخيم "وادي" في تشاد تنظيم دورات رياضية لكرة القدم والكرة الطائرة للفتيات شارك فيها عدد من اللاعبين واللاعبات وسط تنافس قوي وبحضور جماهيري من مختلف الأعمار يتابع المباريات من داخل الملاعب الترابية، ويشجع بتعصب لنسيان المآسي والأزمات ولو موقتاً.
وفي هذا الصدد يقول اللاجئ السوداني مبارك فتحي إن "دورات كرة القدم والكرة الطائرة منافسات تحاكي غريزة الإنسان في التباري والفوز، وتجري بطريقة حضارية وصحية، وهي تحمل رسائل مختلفة تماماً عن الحرب وأوضاع اللجوء والظروف الصعبة التي يعيشها الآلاف".
وتابع فتحي "أجد في التركيز على مجريات المباريات هرباً من التفكير في ما يجري حولي في مخيمات اللجوء، والمستقبل المجهول الذي ينتظرني، ومتنفساً عن الانشغال بمتاعب الحياة اليومية". وأردف "الكرة الطائرة ساعدت الفتيات في التغلب على ظروف اللجوء، والتنافس منحهن قوة الشخصية، وأصبحت لديهن عزيمة وإرادة وشجاعة".
© The Independent