ملخص
لفت مندوب السعودية السابق لدى الأمم المتحدة عبدالله المعلمي إلى أن بعض المبعوثين "ربما يهدفون بالدرجة الأولى إلى تمديد فترة مهمتهم، لأنهم مستفيدون من الوضع القائم ويريدون أن يستمر إلى أطول حد ممكن"، مضيفاً أنهم يحاولون أحياناً التوصل إلى تفاهمات "قد لا تكون في قابلة للتحقق، لأن الطرف الآخر، وهو الحوثي، غير مستعد للتنازل عما حققه بقوة السلاح، وربما أنه لن يتنازل عنه إلا بقوة السلاح".
مع تجدد الهجمات الحوثية على السعودية، يعود الملف اليمني إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة في ظل امتداد تداعيات الصراع خارج الحدود اليمنية، بعدما أصبحت الأراضي السعودية والملاحة البحرية في مرمى الهجمات الحوثية، وهي تطورات تعيد إلى الذاكرة بدايات الأزمة، حين كان سفير السعودية لدى الأمم المتحدة عبدالله المعلمي في مقدم الحراك الدبلوماسي السعودي الذي قاد إلى بناء موقف دولي تُوّج بقرار مجلس الأمن 2216.
ويرى السفير السعودي السابق أن جوهر الأزمة لا يزال مرتبطاً بما يعتبره أصل المشكلة، أي انقلاب الحوثيين على العملية السياسية وسيطرتهم على مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء، مؤكداً أن الحل يبدأ من "عودة الشرعية إلى قواعدها وإلى مراكزها وإلى سيطرتها على العاصمة صنعاء وغيرها من المدن والمحافظات اليمنية".
وزير الخارجية السعودي:
الحوثي يفضل تقديم مصالحه الشخصية الضيقة على مصالح اليمن
الحكومة الشرعية اليمنية أتاحت فرصة التفاوض مع الحوثي بمسؤولية
الحوثي يصر على فرض المعاناة على الشعب اليمني
الحوثي يلجأ إلى العنف كلما كان في موقف صعب
الحوثي يحاول تصدير مشاكله داخل… pic.twitter.com/EVMTNxzvnp
— اندبندنت عربية (@IndyArabia) September 8, 2026
وأكد أن ذلك يتطلب "تخلي الحوثيين عن تمردهم وإلقاء السلاح، كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن 2216"، مضيفاً أنه "في حال لم يتم ذلك فلا بد من مواجهة هذا الأمر بصرامة وحزم"، مشيراً إلى أن الموقف السعودي الأخير يؤكد عدم استعداد السعودية للتساهل مع ما يعتبره تهديداً لأمنها أو لمصير الشعب اليمني.
وحاورت "اندبندنت عربية" السفير المعلمي على هامش مؤتمر "حوار الأمن والتاريخ" الذي تنظمه الداخلية السعودية في الرياض، على وقع التوترات الاقليمية، واستهداف الحوثيين بعد إيران أعياناً مدنية ومنشآت طاقة في المملكة بالصواريخ والمسيرات.
وشدد على أن بلاده "لن تتساهل أبداً في ما يتعلق بمصير الشعب اليمني، وفي ما يتعلق بالاعتداءات المتكررة على أراضي السعودية وسفنها وطرق الملاحة البحرية فيها".
"ما ارتضاه الشعب اليمني نرتضيه"
بالعودة إلى البدايات التي كان خلالها معنياً بالملف اليمني في أروقة الأمم المتحدة، يؤكد المعلمي وهو سفير سابق بمرتبة وزير، أن بلاده لم تضع لنفسها خطوطاً حمراء منفصلة عن إرادة اليمنيين، بل إن موقفها، وفق روايته، ارتبط بما توافق عليه اليمنيون أنفسهم.
ويقول إنه "لا يوجد لدى السعودية خطوط حمراء سوى ما ارتضاه الشعب اليمني"، موضحاً أن اليمنيين "توصلوا إلى تفاهم مع الحوثيين وغيرهم من أطراف القوى السياسية، وتوصلوا إلى نتيجة للمفاوضات، وكانت هذه النتيجة ستعرض على استفتاء، ومن ثم تتحول إلى دستور".
لكن هذه العملية، بحسب روايته، انهارت بعدما "نقض الحوثيون العهد ونكثوا، وتخلوا عن هذه العملية السياسية المتكاملة، وحاولوا الانفراد بالسلطة، وما زالوا يحاولون ذلك".
ومن هنا، يختصر السفير الموقف السعودي بالقول إن "هذا هو الخط الأحمر الذي لدى السعودية"، مضيفاً عبارة يرى أنها تلخص جوهر المقاربة السعودية للملف اليمني "ما ارتضاه الشعب اليمني هو ما ترتضيه السعودية، وما يرفضه الشعب اليمني هو ما ترفضه السعودية".
لماذا الشكوك حول "مبعوث اليمن"؟
ولا يفصل السفير بين مسار الأزمة اليمنية ومسار المواقف الدولية منها، خصوصاً مع تجدد الجدل حول أداء بعض المندوبين والمبعوثين الدوليين وتعليقاتهم على التطورات الأخيرة.
ويوضح أن "المندوب يعبر عن وجهة نظر بلاده، أياً كانت وجهة النظر هذه"، مشيراً إلى أن مواقف بعض الدول الكبرى تتأثر بعلاقاتها ومصالحها الإقليمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول إن "بعض الدول مثل روسيا والصين لها علاقات متميزة مع إيران، وتسعى إلى عدم الضغط أكثر مما ينبغي على إيران، مع أن إيران هي مصدر التسليح للحوثيين، ومن ثم هي خط الحياة الأساس".
في المقابل، يرى أن بعض الدول الغربية والأوروبية تركز بدرجة أكبر على ملف حقوق الإنسان والمعاناة الإنسانية في اليمن، وهو ما دفعه، خلال تجربته في الأمم المتحدة، إلى مساءلة ممثلي بعض هذه الدول عن حجم ما قدمته لليمنيين.
ويستعيد السفير في هذا السياق موقفاً من داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً إنه عندما تحدث أحد المندوبين من هولندا، سأله "ماذا قدمت هولندا للشعب اليمني حتى تستطيع أن تتحدث عن معاناة الشعب اليمني؟".
ويصف موقف واشنطن بأنه مر بمراحل متذبذبة، لكنه يرى أن واشنطن حسمت موقفها حالياً في مواجهة الحوثيين، منتظراً أن "ينعكس هذا الموقف في إجراءات أكثر حزماً وأكثر فاعلية على الجبهات في اليمن".
ويفرق السفير بين طبيعة عمل مندوب الدولة لدى الأمم المتحدة ودور المبعوث الأممي، فالمندوب، وفق قوله، "يعبر عن وجهة نظر دولته، فهو مندوب لدولته في الأمم المتحدة".
أما المبعوث الأممي هانس غروندبرغ فيرى المعلمي أنه "ينبغي أن ينطلق من القرارات المتفق عليها في الأمم المتحدة"، لكنه يستدرك بأن بعض المبعوثين "في بعض الأحيان تكون لهم أجندات خاصة"، قد ترتبط، بحسب تقديره، بالرغبة في إطالة أمد مهمتهم.
ويقول إن بعض المبعوثين "ربما يهدفون بالدرجة الأولى إلى تمديد فترة مهمتهم، لأنهم مستفيدون من الوضع القائم ويريدون أن يستمر إلى أطول حد ممكن"، مضيفاً أنهم يحاولون أحياناً التوصل إلى تفاهمات "قد لا تكون في بعض الأحيان قابلة للتوصل إليها، لأن الطرف الآخر، وهو الحوثي، غير مستعد للتنازل عما حققه بقوة السلاح، وربما أنه لن يتنازل عنه إلا بقوة السلاح".
وكان المبعوث الخاص إلى اليمن هانس حذر من اتساع نطاق النزاع في اليمن جراء هجمات الحوثيين على عدة جبهات، مما أثار حملة ضده في اليمن والمنطقة، إلى جانب تنديد الحكومة الشرعية بتصريحاته، في مثل دعوة نائب وزير الخارجية اليمني مصطفى نعمان الأمم المتحدة إلى إدانة صريحة لما وصفه بـ"الاستهداف العشوائي للمدنيين".
هل يريد الغرب بقاء الحوثيين؟
ولدى سؤال السفير عن الاتهامات المتداولة عربياً بأن الغرب لا يريد حسم أزمة الانقسام في اليمن، وربما يرغب في إبقاء الحوثيين جزءاً من المعادلة لتمرير أجنداته في المنطقة، تجنب توجيه اتهام مباشر إلى دول بعينها، وقال "لا أستطيع أن أجزم بذلك"، لكنه يرى أن "الغرب في كل قضايا العالم ينتعش بالخلاف الذي يدور في المناطق المختلفة، ويزدهر على أساس هذه الخلافات، لأنها وسيلة لتصدير السلاح، ووسيلة لبقاء المنطقة تحت القلاقل وما إلى ذلك".
ومع ذلك يشدد على ضرورة التفريق بين التحليل السياسي والاتهام المباشر، قائلاً "لا أستطيع أن أوجه اتهامات معينة لدول معينة في هذا الشأن من دون أن يكون لدينا أدلة واضحة على ذلك".
وعندما يتعلق الأمر بما إذا كانت الأجندة الغربية تقف ضد تحرير اليمن، يجيب بحذر "أظن أنها ليست ضد تحرير اليمن، في الأقل هذا هو المعلن عندهم".
ومع انتقال الحديث إلى التطورات الإقليمية الأخيرة، يرى السفير أن الظرف الحالي قد يمثل فرصة مختلفة للتعامل مع الأزمة اليمنية، بالنظر إلى وضع إيران ودورها في دعم الحوثيين.
ويقول إن "هذا الوقت مناسب للمعالجة، لأن إيران تمر بأضعف حالاتها"، معتبراً أن أهمية ذلك تنبع من أن "إيران هي السند الأساس للحوثيين في اليمن".
ومن وجهة نظره، فإن تراجع قوة إيران، أياً كانت أسبابه، "يعطي الفرصة للضغط على الحوثيين بصورة أكبر".
من سوريا إلى اليمن
ولا يرى السفير أن الملف اليمني يمكن فصله تماماً عن التجربة السورية، خصوصاً أنه عاصر الملفين، وفي ظل حديث عربي عن أن التطورات السورية الأخيرة أعادت الأمل بإمكان إنهاء الأزمات الممتدة في المنطقة.
ويؤكد أن ما تحقق في سوريا، وفق رؤيته "ما كان يمكن أن يعالج ويصل إلى النتيجة التي وصل إليها لولا الدور الإيجابي والقوي للسعودية"، ويضيف أن "الملفان السوري واليمني أثبتا أنه إذا تدخلت السعودية فإنها تتدخل بحزم وعزم وإرادة وتصميم، وبحق وبنصرة الحق وبنصرة الشرعية والشعوب في كل ما ترمي إليه".
ويرى أن هذه التجارب يمكن أن تبعث رسالة إلى المناطق المضطربة، قائلاً إن "هذا يعطي أملاً لكل منطقة مضطربة بأنه إذا تدخلت السعودية فهي تسعى دائماً إلى العدل والسلم والاستقرار".
الدبلوماسية وحدها لا تكفي
لكن السفير، الذي قضى أعواماً في العمل الدبلوماسي لا يدعو إلى إقصاء المسار السياسي والدبلوماسي لمصلحة الخيار العسكري، بل يؤكد ضرورة منح الدبلوماسية أكبر مساحة ممكنة، ويقول "بصفتي شخصاً دبلوماسياً، لا بد من أن أقول إن علينا إعطاء دور أكبر ومهم للدبلوماسية، إلى أكبر حد ممكن".
لكنه يستدرك بأن الدبلوماسية، من وجهة نظره، تفقد كثيراً من قوتها إذا لم تستند إلى قدرة على فرض الردع، موضحاً أن "الدبلوماسية إذا كانت لا تستند إلى القوة العسكرية وإلى قوة الإقناع العسكري، فإنها تظل ضعيفة".
أما إذا اقترنت الأداتان فيرى أن "فرص الحل أكبر"، قائلاً "إذا اقترنت الدبلوماسية بالقوة العسكرية فعندئذ تكون فرص الحل أكبر".
هل يتراجع الحوثيون؟
وفي ما يتعلق باحتمالات أن تدفع الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة الحوثيين إلى تبني حلول واقعية، أم أنه فات الأوان؟ يبدو السفير متحفظاً في توقعاته، لكنه لا يستبعد أن تدفعهم التطورات في نهاية المطاف إلى مراجعة حساباتهم، وأضاف "أعتقد أنهم سيبحثون عن الحل بعد تضييق الخناق عليهم، فهم ليسوا انتحاريين"، موضحاً أنه يعتقد أنهم "سيدركون يوماً ما أن السلوك الذي يسلكونه سلوك انتحاري، لأنه سيؤدي بهم إلى الفناء".
وكانت هجمات حوثية أصابت جنوب السعودية 73 مدنياً وأشعلت حرائق في منشآت للطاقة، فيما أكدت الرياض حقها في الرد، وسط إدانات خليجية وعربية للتصعيد وتهديد الملاحة البحرية، على وقع تقدم الجيش اليمني في معاركه ضد الحوثيين.
وشدد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود على أن ميليشيا الحوثي تواصل تقديم مصالحها الشخصية الضيقة على مصالح اليمن العليا، مصرّة على فرض المعاناة على الشعب اليمني على الرغم من الفرص المسؤولة التي أتاحتها الحكومة الشرعية للتفاوض. وأشار إلى أن الحوثي يلجأ إلى خيار العنف كلما حوصر في موقف صعب، في محاولة لتصدير أزماته ومشاكله الداخلية نحو المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن الميليشيا فتحت بهذا التصعيد على نفسها باباً لا تحتمله، مع الإبقاء في الوقت ذاته على أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي للتعامل مع الأزمة.