Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خطاب التعويضات... محاولة لتثبيت مبدأ جديد في حوض النيل

إثيوبيا تملك الجغرافيا العليا ومصر لديها الاعتماد الأعلى والسودان يحتل مركز المياه

إثيوبيا تنقل مركز النقاش من حق دول المصب في ضمان التدفق إلى حق دولة المنبع في الحصول على مقابل للقيمة التي ترى أنها تولدها داخل أراضيها (أ ف ب)

ملخص

تحويل المياه إلى سلعة تفاوضية يحمل خطراً معاكساً، إذ قد يدفع إلى تثبيت خطاب التعويض عن الضرر في مواجهة خطاب التعويض عن المورد، فتدخل الأزمة في سوق مطالبات متبادلة يصعب ضبطها قانونياً.

أعادت المطالبة الإثيوبية لمصر بدفع تعويضات عن استخدام مياه النيل تعريف مستوى الاشتباك في أزمة حوض النهر، فالتصريح الذي أطلقه وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو في أواخر أغسطس (آب) الماضي لم يطرح مجرد خلاف على حصص المياه، بل اقترح إدخال القيمة الاقتصادية للتدفقات النيلية نفسها في معادلة التفاوض، مستنداً إلى أن إثيوبيا تسهم بنحو 86 في المئة من تدفق النهر، وأن دول المصب تجني الجزء الأكبر من منافعه. وتكتسب الدعوة أهميتها من صدورها في لحظة تؤكد فيها أديس أبابا عزمها على مواصلة بناء السدود على النيل الأزرق، وتقدم ذلك على أنه حق في "الاستخدام المنصف والمعقول" لمواردها المائية.

وفي الرواية الإثيوبية لا تتوقف المسألة عند التعويض، إذ يربط جارسو بين الحق في استغلال مياه أباي والسدود الكهرومائية وتوسيع الري وتحقيق الأمن الغذائي، معلناً أن الطبيعة الجبلية لإثيوبيا حالت تاريخياً دون استثمار جانب كبير من مياهها، بينما استأثرت دول المصب بالقيمة الاقتصادية الأكبر للمورد.

وتتكشف دلالة أعمق، فالمطالبة بالمال ليست في جوهرها سوى محاولة لإعادة تسعير العلاقة السياسية حول النهر، أي نقل النقاش من سؤال، كم من المياه يحق لكل دولة أن تستخدم؟ إلى سؤال حول من يملك القيمة التي يولدها تدفق المياه، ومن يملك القدرة على التحكم في توقيته وممراته ومنشآت تخزينه. وبذلك يتحول النيل الأزرق من رافد طبيعي إلى ورقة قوة استراتيجية، وتتحول السدود من منشآت هندسية لإنتاج الكهرباء إلى أدوات لإعادة ترتيب ميزان النفوذ بين المنبع والمصب. ومن هذه الزاوية، تبدو التعويضات جزءاً من معركة أوسع على السيادة المائية وتقاسم المنافع وحدود القوة التي تمنحها الجغرافيا لمن يمسك بمصادر النهر قبل أن ينحدر ماؤه نحو السودان ومصر.

سلسلة سدود

لم يبدأ توظيف السدود في إثيوبيا مع سد النهضة، فالمشروع كان حصيلة مسار أطول من بناء الدولة عبر الماء. وبدأ هذا المسار بسد كوكا على نهر أواش الذي اكتمل عام 1960، ثم سد ليجادادي (1964- 1970) لتأمين مياه أديس أبابا، ومشروع تانا- بيليس الذي بدأ خلال عهد الدرج عام 1986، قبل أن تدخل البلاد مرحلة أكثر كثافة مع سلسلة جيجيل جيبي على نهري جيبي وأومو التي امتدت من أواخر التسعينيات إلى السنوات اللاحقة. وهذه المشاريع لم تكُن مجرد منشآت كهربائية، بل أدوات لتوسيع قدرة الدولة على السيطرة على المجال وتعبئة موارده.

وفي حوض النيل تحديداً جاء التطور تدريجاً، فمحطة تيس أباي الأولى على النيل الأزرق عام 1964، ثم تيس أباي الثانية وتانا- بيليس عام 2010 وأمرتي- نشي، بينما اكتسب سد تيكيزي الذي دخل الخدمة عام 2009 بطاقة 300 ميغاواط، أهمية مختلفة لأنه يقع على رافد ينتهي إلى نهر عطبرة في السودان ثم النيل. أما سد النهضة الذي بدأ بناؤه عام 2011، فمثّل القفزة النوعية، بالانتقال من استغلال مواقع متفرقة إلى إنشاء خزان ضخم على النيل الأزرق نفسه، قادر على إعادة تشكيل توقيتات التدفق والطاقة والعلاقة بين المنبع والمصب. وتؤكد البيانات الإثيوبية الرسمية أن منظومة التوليد تضم تيس أباي وتيكيزي وتانا- بيليس وأمرتي- نشي ضمن منشآت مرتبطة بمنظومة النيل.

ولا تتوقف الخريطة عند المنجز، فالدراسات الهيدرولوجية تشير إلى مشاريع مقترحة في حوض تيكيزي- عطبرة، منها همرا ومتما، مما يعني أن الجغرافيا المائية الإثيوبية مرشحة لمزيد من التنظيم. وهكذا يصبح النهر، بما يحمله من مياه وممرات وتضاريس، جزءاً من بنية القوة نفسها، من يملك منشآت التخزين لا يملك الماء مطلقاً، لكنه يكتسب قدرة أكبر على التأثير في زمنها وقيمتها وطاقتها السياسية.

نقطة مشتركة

يتحرك الموقفان السوداني والمصري من نقطة مشتركة، وإن اختلفت درجة القلق وحسابات المصلحة، برفض أن يتحول التحكم في منشآت المنبع إلى تحكم منفرد في نظام نهر عابر للحدود. ففي البيان المشترك الصادر عن الخرطوم والقاهرة في فبراير (شباط) 2025، أكد البلدان التمسك بحقوقهما المائية، والاحتكام إلى الاتفاقات القائمة وقواعد القانون الدولي، وتنسيق مواقفهما في المحافل الإقليمية والدولية. وفي سبتمبر (أيلول) من العام ذاته جددا، عبر آلية "2+2"، تنسيق مواقفهما في شأن ملف المياه.

وتتعامل القاهرة مع المسألة بوصفها قضية أمن قومي تتجاوز الحساب الهيدرولوجي المجرد، فوزارة الموارد المائية والري تقول إن مصر تعتمد على النيل في نحو 97–98 في المئة من مواردها المائية المتجددة، وإن أية إدارة أحادية للسد خلال فترات الجفاف قد تنقل أثر القرار الإثيوبي مباشرة إلى الزراعة والاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي. ومن ثم تصر مصر على اتفاق قانوني ملزم لقواعد الملء والتشغيل، ولا سيما أثناء الجفاف الممتد.

أما السودان، بحكم موقعه بين الخزان الإثيوبي ومصر، فيملك حساباً مختلفاً، فهو ليس مجرد دولة مصب، بل الدولة التي تمر عبرها الكتلة الأكبر من مياه النيل الأزرق قبل وصولها إلى مصر. ولذلك تتقاطع مصالحه بين الاستفادة من تنظيم التدفقات وتقليل الفيضانات وزيادة فرص الري، وبين خشية أن تتحول السيطرة على التخزين الأعلى إلى تبعية استراتيجية. ومن هنا جاءت تحذيرات خبراء سودانيين، ومن بينهم الخبير السوداني في القانون الدولي وعضو وفد مفاوضات سد النهضة المستقيل أحمد المفتي من قبول أية ترتيبات لا تضع قواعد تشغيل ملزمة وآلية رقابة مشتركة.

وفي المقابل، يطرح خبراء إثيوبيون قراءة معاكسة، لأن جغرافيا المنبع تمنح أديس أبابا حقاً في التنمية والاستخدام المنصف، وأن حصر القيمة السياسية والاقتصادية للنهر في دول المصب يتجاهل حقيقة الحوض نفسه.

وهكذا لا تكمن الأزمة في "كمية الماء" وحدها، بل في من يملك قرار توقيت الماء، فالخزان المرتفع يستطيع أن يحول الجغرافيا الطبيعية إلى قدرة تفاوضية، ومن يسيطر على مفاتيح التخزين والتصريف يمتلك، ولو موقتاً، نفوذاً على إيقاع النهر وعلى الأمن الزراعي والطاقة والاستقرار في الدول الواقعة أسفل المجرى.

تصعيد تفاوضي

يصعب فصل المطالبة الإثيوبية بتعويضات عن مياه النيل عن التحول الذي طرأ على طبيعة الصراع نفسه. فحين طرح وزير المياه السابق شيفيراو جارسو أن تدفع مصر تعويضاً عن استخدام مياه النيل، لم يكُن يفتح ملفاً مالياً منفصلاً بقدر ما كان يدفع النزاع إلى مستوى جديد، أي إعادة تعريف القيمة السياسية والاقتصادية للمياه ذاتها. وجاء الطرح بعد أيام من إعلان وزير المياه والطاقة حبتامو إتيفا أن إثيوبيا لا تحتاج إلى إذن أحد لتطوير مواردها، ورفضه الإدارة المشتركة لسد النهضة، وبعد خطاب إثيوبي متصاعد يؤكد حق أديس أبابا في بناء سدود جديدة على النيل الأزرق.

وتبدو "التعويضات" هنا أداة تصعيد تفاوضي أكثر منها مطالبة مالية ناضجة المعالم. فإثيوبيا تنقل مركز النقاش من حق دول المصب في ضمان التدفق إلى حق دولة المنبع في الحصول على مقابل للقيمة التي ترى أنها تولدها داخل أراضيها. وهذه نقلة تفاوضية ذكية، فإذا كانت القاهرة تتحدث عن خسائر محتملة أو فعلية ناجمة عن تشغيل السد، فتستطيع أديس أبابا أن ترد بمنطق معاكس، وهو لماذا تكون كلفة المياه محسوبة على المنبع وحده، بينما تتراكم المنافع الاقتصادية في المصب؟

والتوقيت أيضاً ليس عابراً، إذ أعلنت مصر نفسها، في يناير (كانون الثاني) الماضي، مطالبتها إثيوبيا والسودان بتعويضات عن الأضرار التي قالت إنها لحقت بها جراء سد النهضة، أي إن لغة التعويض دخلت أصلاً إلى الخطاب المصري قبل أن تنقلب عليها أديس أبابا. ومن ثم تستطيع إثيوبيا استخدام المطالبة المضادة لإعادة تشكيل إطار التفاوض، بدلاً من أن تكون وحدها في موقع الدولة التي يطلب منها التعويض أو تقديم الضمانات، تصبح هي الأخرى صاحبة مطالبة.

وهنا تكمن الوظيفة الاستراتيجية للتصعيد، رفع سقف الموقف قبل التفاوض، وتوسيع مساحة ما يمكن مقايضته لاحقاً. فالمطالبة المالية القصوى قد لا تكون الهدف النهائي، وإنما تستخدم ربما لانتزاع اعتراف سياسي بمبدأ "تقاسم المنافع"، وربط أية قيود مستقبلية على السدود أو التشغيل بحوافز اقتصادية أو ترتيبات تنموية.

وبهذا المعنى، تتحول مياه النيل من مورد طبيعي إلى عملة تفاوضية، فإثيوبيا تملك الجغرافيا العليا، ومصر لديها الاعتماد الأعلى، والسودان يحتل مركز المياه. وكل طرف يحاول تحويل موقعه الجغرافي إلى ورقة تفاوض. ولذلك فإن أخطر ما في خطاب التعويضات ليس المبلغ الذي قد يطلب، وإنما محاولة تثبيت مبدأ جديد، أن للمياه التي تغادر الهضبة الإثيوبية قيمة اقتصادية وسيادية يمكن التفاوض عليها، وأن التحكم في مسارها وتوقيتها يمكن أن يصبح أساساً لإعادة توزيع القوة داخل حوض النيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيناريوهات محتملة

إذا تحولت مطالبة إثيوبيا بتعويضات عن مياه النيل من تصريح سياسي إلى مطلب تفاوضي منظم، فإنها ستفتح فصلاً جديداً في النزاع، لا يدور حول اقتسام المياه وحده، بل حول تسعير القوة التي تمنحها الجغرافيا المائية. فإثيوبيا تنظر إلى المرتفعات التي تغذي النهر على أنها موقع استراتيجي يمنحها قدرة على التأثير في كمية التدفق وتوقيته وتخزينه. وظهرت بالفعل خطط لمشاريع جديدة على النيل الأزرق، مما يجعل السؤال المستقبلي يدور حول إلى أي حد تستطيع تحويل منظومة السدود إلى شبكة نفوذ مائي متدرجة.

ومن الممكن أن تؤدي "التعويضات" وظيفة ورقة افتتاحية تفاوضية، برفع سقف المطالب، وإجبار مصر والسودان على التعامل مع فكرة أن إثيوبيا لا ترى نفسها مدينة وحدها بتقديم ضمانات، بل صاحبة منفعة وقيمة يمكن المطالبة بمقابل لهما. وليس مستبعداً أن تتطور المطالبة لاحقاً إلى صيغ أكثر تركيباً مثل عوائد كهرباء واستثمارات زراعية وترتيبات لتقاسم المنافع وتمويل مشاريع، أو مقابل سياسي واقتصادي لأية قيود تفرض على تشغيل السدود مستقبلاً.

لكن تحويل المياه إلى سلعة تفاوضية يحمل خطراً معاكساً، إذ قد يدفع إلى تثبيت خطاب التعويض عن الضرر في مواجهة خطاب التعويض عن المورد، فتدخل الأزمة في سوق مطالبات متبادلة يصعب ضبطها قانونياً. والقانون الدولي للمجاري المائية لا يقدم في صورته الحالية أساساً بسيطاً يجعل دولة المصب مدينة لدولة المنبع لمجرد استفادتها من تدفق طبيعي عابر للحدود، إذ تتداخل مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون والإخطار والتشاور.

السيناريو الأسوأ خلال الأعوام الخمسة المقبلة هو أن تتحول لغة التعويض إلى مطالبات متبادلة، إثيوبيا تطالب بمقابل عن "المورد"، ومصر والسودان يطالبان بتعويض عن "الضرر". عندها ينتقل النزاع من خلاف حول إدارة النهر إلى صراع على تسعير السيادة نفسها.

أما السيناريو المرجح، فهو ليس اتفاقاً سريعاً على "ثمن المياه"، بل ترسيخ مبدأ التفاوض على الماء كونه أصلاً استراتيجياً. عندها يصبح النيل أقل شبهاً بنهر تدار مياهه، وأكثر شبهاً بممر جيوسياسي تتحرك عبره القوة والنفوذ وكلفة الانقطاع، وبين الاثنين قد يصبح التعويض لغة جديدة لإعادة توزيع القوة في حوض النيل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير