Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسم جمع "السبلايز" في مدارس مصر

شهدت أسعارها ارتفاعاً غير مسبوق والمكتبات الكبرى توفر خيارات التقسيط للعملاء وأولياء أمور: مبالغة في قائمة الطلبات بأدوات ومنظفات ومعطرات

ارتفعت كُلفة شراء مستلزمات "السبلايز" هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة (رويترز)

ملخص

خلال جولة ميدانية أجرتها "اندبندنت عربية" على عدد من مكتبات بيع المستلزمات المدرسية، رصدت أن متوسط كُلفة قوائم "السبلايز" المدرسية يتفاوت من مدرسة إلى أخرى، حسب الماركات التجارية والخامات المطلوبة ورغبات أولياء الأمور أنفسهم، وبعض المكتبات الكبرى توفر خيارات التقسيط للعملاء عبر التعاون مع البنوك وشركات التمويل الاستهلاكي.

داخل إحدى مكتبات بيع المستلزمات المدرسية بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة المصرية، وقفت سعاد فايق (اسم مستعار) تتفحص بعينيها، بمزيج من علامات الدهشة والاستغراب، فاتورة مشتريات قائمة "السبلايز"، التي أرسلتها الإدارة المدرسية لها عبر الإيميل، إذ بلغت الكُلفة الإجمالية لأبنائها الثلاثة، الذين يدرسون بمراحل التعليم (الابتدائي، والإعدادي، والثانوي)، ما يُقارب 7 آلاف جنيه (139.30 دولار)، بزيادة تتخطى ألفي جنيه (39.80 دولار) مقارنة بالعام الماضي.

وقع المبلغ المدفوع كان بمثابة "الصاعقة" على سعاد، موظفة إدارية بمستشفى خاص، كونه يُعد بنداً واحداً من بين قائمة بنود من المتطلبات المدرسية ينبغي إتمامه، كـ"أسعار الباصات المدرسية والمصروفات الدراسية والكتب الخارجية والزي المدرسي"، مما شكّل عبئاً متزايداً على موازنة مصروفات منزلها الشهرية.

كان الأمر اللافت ومثار علامة استفهام لها، هو ما تضمنته القائمة من أدوات ومستلزمات مُبالغ فيها و"غير واقعية" ولا تتناسب، وفق رؤيتها، مع حاجات واستهلاك طلابها فعلياً في عامهم الدراسي، إذ تضمنت القائمة شراء أعداد كبيرة من علب الألوان من ماركات بعينها، ودستة مناديل ورقية ومُبللة وفوط، إضافة إلى صابون وديتول ومنظفات، وكرات تنس ومقصات بحوافر مستديرة، وصلصال بأشكال وأحجام مختلفة، بخلاف الكشاكيل والكراسات والجلاد المُتعارف عليه سنوياً.

 

حاولت ولية الأمر المصرية نقل شكواها لإدارة المدرسة، لكن من دون استجابة، إذ تذرّعت الإدارة بأن تلك اللوازم "ضرورية للطالب لممارسة أنشطته، والأمر يسري على جميع الطلاب دون استثناء".

وحددت وزارة التعليم بمصر موعد بدء الدراسة بالمدارس الحكومية والخاصة والتجريبية في الـ12 من سبتمبر (أيلول) الجاري، بينما تنطلق الدراسة في المدارس الدولية في السادس من سبتمبر الجاري.

صابون وديتول ومناديل... لماذا المنظفات؟

المعاناة ذاتها عاشتها رشا سيد، ولية أمر لأربعة طلاب بينهم ثلاثة بالمرحلة الابتدائية والإعدادية بإحدى المدارس الخاصة (ناشونال)، إذ اعتادت مع قرب العام المدرسي كل عام، تدبير جمعية خاصة لنفقات المستلزمات المدرسية، منفصلة عن مصروفات المنزل الشهرية اللازمة لشراء (المأكولات والمشروبات ولوازم الانتقالات ومصروفات الأندية، وغيرها)، غير أنها صُدمت حين طالعت عبر الإيميل ما تضمنته قائمة مستلزمات "السبلايز" المطلوبة لهذا العام، لتفاجأ بزيادة ملحوظة في كُلفتها مقارنة بالعام الماضي، إضافة إلى اشتراط المدرسة شراء بعض الخامات لماركات بعينها.

تجوّلت رشا، التي تعمل طبيبة بأحد المستشفيات الخاصة، بين كثير من مكتبات حي المعادي (جنوب العاصمة المصرية القاهرة) بحثاً عن تلك المستلزمات، لتجد أن كُلفة شراء مستلزمات "السبلايز" لأبنائها الثلاثة هذا العام بلغت 5500 جنيه (107.82 دولار)، المفارقة أنها تساوي الكُلفة ذاتها التي أنفقتها على أبنائها الأربعة العام الماضي، قبل أن يلتحق أحدهم بالتعليم الجامعي هذا العام.

 

واستشهدت خلال حديثها، "المدرسة تطلب أعداداً كبيرة من الكراسات حجم A4، إذ يصل سعر الواحدة في بعض المكتبات إلى ما يزيد على 115 جنيهاً (2.25 دولار)، وعلبة الألوان الخشبية الجيدة الخامة وصلت في بعض المكتبات لـ400 جنيه (7.96 دولار) والأقل جودة لـ120 جنيهاً (2.39 دولار)، بخلاف الصلصال وأوراق الكروشيه والأدوات الهندسية، علاوة على الصابون والديتول والمنظفات، متسائلة عن مدى ارتباط جميع هذه المستلزمات بالاحتياج التعليمي الفعلي للطالب، مُعتبرة أن تلك القوائم باتت من البنود المرهقة مادياً.

كان أكثر ما يغضبها حين كانت تشكو إلى المدرسة في الأعوام الماضية نقص أدوات التنظيف في بعض الفترات، لتجد المدرسة تتذرع بأن السبب يرجع إلى عدم التزام بعض أولياء الأمور بشراء الكميات والأعداد المطلوبة كل عام مما يتسبب في حدوث عجز أحياناً، متسائلة "لماذا أضطر إلى شراء صابون وديتول ومناديل وفوط للمدرسة حفاظاً على صحة أبنائي ووقايتهم؟ هل هذا دوري أم دور المدرسة؟".

ووفق تقديرات للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهة حكومية) في يناير (كانون الثاني) الماضي، بلغ تعداد طلاب مصر 32.9 مليون طالب بمراحل التعليم المختلفة في مصر عام (2024/ 2025)، فيما وصل عدد التلاميذ بالتعليم قبل الجامعي إلى 28.9 مليون.

أسعار الشحن والاستيراد ترفع الكُلفة 10%

تتطابق الشهادات السابقة مع ما أكده وكيل شعبة الأدوات المكتبية بغرفة القاهرة التجارية محمد الصفتي، إذ أكد حدوث زيادة في أسعار المستلزمات المدرسية هذا العام تُقدر بنسبة 10 في المئة مقارنة بالعام الماضي. وبرر الصفتي، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، ذلك بسبب تضاعف كلف الشحن من الصين بـمعدل ثلاثة أضعاف واستيراد بعض الخامات من الخارج، وارتفاع كلف مستلزمات التشغيل بما تشمله من أجور الموظفين والإيجارات، علاوة على زيادة أسعار مشتقات البترول وخامات المواد البلاستيكية التي تدخل في مشتريات المستلزمات المدرسية.

يؤكد الصفتي أنه لا يوجد طلب متزايد على الماركات التجارية للمستلزمات المدرسية حتى اللحظة الراهنة، وهناك حركة في عمليات البيع والشراء بدأت منذ منتصف أغسطس (آب) الماضي ومستمرة حتى اللحظة الراهنة.

 

وخلال جولة ميدانية أجرتها "اندبندنت عربية" على عدد من مكتبات بيع المستلزمات المدرسية، رصدت أن متوسط كُلفة قوائم "السبلايز" المدرسية يتفاوت من مدرسة إلى أخرى، حسب الماركات التجارية والخامات المطلوبة ورغبات أولياء الأمور أنفسهم، وبعض المكتبات الكبرى توفر خيارات التقسيط للعملاء عبر التعاون مع البنوك وشركات التمويل الاستهلاكي، لمساعدة الأسر على تدبير كلفة مستلزمات المدارس في ظل ارتفاع الأسعار، إذ تراوح أسعار "السبلايز" في المدارس الحكومية ما بين 500 (9.80 دولار) و750 جنيهاً (14.70 دولار) من دون الشنطة المدرسية، وفي اللغات والدولية من 1500 (29.41 دولار) إلى 7000 جنيه (137.23 دولار)، وقد تزيد حسب رغبات المدارس ورفاهية أولياء الأمور.

وفي محاولة لتخفيف الأعباء المالية عن كاهل أولياء الأمور بمصر، دشنت الأجهزة التنفيذية بمصر معارض "أهلاً مدارس" في كثير من المحافظات، لتوفير المستلزمات المدرسية بأنواعها أمام المواطنين مع قرب انطلاق العام المدرسي.

أدوات تعليمية ضرورية أم مبالغات استهلاكية؟

وفي تقدير المتخصصة التربوية ومؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر داليا الحزاوي، فإن قوائم "السبلايز" أصبحت أشبه بـ"كابوس وصداع" سنوي مُتكرر في رؤوس أولياء الأمور، مشيرة إلى أن بعض المدارس تُبالغ في طلباتها بصورة تثقل الأعباء على أولياء الأمور.

وترى مؤسسة ائتلاف أولياء مصر أن "السبلايز" تحول إلى "بيزنس خفي" بسبب إصرار بعض المدارس على شراء أدوات من مكتبات ولماركات بعينها، متسائلة "هل يُعقل أن يُسدد ولي الأمر بند الأنشطة في مصروفات العام الدراسي السنوية، التي قد تصل إلى مبالغ مالية كبيرة ويدفعها مُجدداً في أثناء شراء مستلزمات ’السبلايز‘ أيضاً؟"، منوهة إلى أن بعض الأسر تلجأ إلى مبادرات ذاتية للتكافل، مثل تبادل الأدوات المتبقية من العام السابق، أو شراء المستلزمات بالجملة لتخفيف العبء المالي.

 

تضيف الحزاوي، خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية"، أن السبلايز تحوّل حالياً إلى وسيلة للتندر والسخرية بين أولياء الأمور داخل المدارس ويشبهونه بـ"جهاز العروسة" المدرسي، بسبب وجود أدوات منظفات ومعطرات، قد تزيد عن احتياج واستهلاك الطالب الفعلي في عامه الدراسي، متسائلة "كُلفة ’السبلايز‘ للطالب الواحد تخطت آلاف الجنيهات، فكيف تفعل أسرة لديها أكثر من طفل في مراحل عمرية مختلفة بالمدرسة ذاتها؟"، منوهة إلى أن أسعار "السبلايز" في بعض المدارس قد تصل إلى 7 و10 آلاف جنيه.

أين تذهب فوائض "السبلايز"؟

وتساءلت مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، أين تذهب فوائض تلك المستلزمات المدرسية؟ موضحة أن المدارس تؤكد دائماً إعادتها إلى الطلاب عقب نهاية العام الدراسي، لكن كثيراً من أولياء الأمور يشكون أن هذا الأمر لا يحدث في غالب الأحيان، مطالبة بضرورة مراقبة هذا الأمر للتأكد من التزام المدارس بعودة تلك الفوائض التي تتكبد الأسر نفقاتها، مقترحة قيام وزارة التعليم بوضع قائمة مستلزمات "سبلايز" موحدة تتناسب مع إمكانات أولياء الأمور ولا تكون مبالغ فيها وتكون مُلزمة لكل المدارس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تؤيد شيماء علي ماهر، مؤسسة مبادرة "نبني بلدنا بالتعليم" وولية أمر طالب في الصف الثاني بإحدى المدارس الدولية، ما ذهبت إليه الحزاوي، مشيرة إلى أن هناك مخازن لدى بعض المدارس تضم كميات من الأدوات والخامات غير المستخدمة، مشددة على ضرورة اقتصار الطلبات على الأدوات الأساسية التي يحتاج إليها الطالب بالفعل، مثل كشاكيل المواد والأدوات الضرورية للدراسة، دون تحميل الأسرة أعباء إضافية تحت مسميات عدة.

وتطرح شيماء تساؤلات عدة في هذا السياق، "بعض الأسر تدفع مصروفات دراسية مرتفعة سنوياً، فلماذا تتحمل أيضاً كلفة تلك المستلزمات، ولماذا يجري إلزامها بماركات بعينها دون أن يترك لها حرية الاختيار؟ وأين الحد الفاصل بين حاجات الطالب الطبيعية وتحميل ولي الأمر قائمة مشتريات ضخمة ومحددة بماركات بعينها، على رغم ارتفاع المصروفات الدراسية إلى هذه المستويات؟ وهل المدارس التي تحصل على هذه المصروفات المرتفعة لا تستطيع توفير جزء من هذه المستلزمات ضمن العملية التعليمية، أم أن وليّ الأمر أصبح مطالباً بدفع المصروفات وشراء كل شيء من جديد؟

وتضيف شيماء، خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية"، أن قوائم "السبلايز" أصبحت "إلزامية"، والطالب الذي لا يحضرها قد يُحرم من أنشطة المشاركة المدرسية أو يشعر بأذى نفسي مع بقية زملائه الطلاب، لافتة إلى أن كثيراً من أولياء الأمور أصبحوا يمتنعون عن شراء المستلزمات غير الضرورية والمبالغ فيها، وبعضهم أصبح لا يلتزم بالأعداد والكميات التي تطلبها إدارات المدارس.

 

على النقيض من الآراء السابقة، يرى رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة المستشار بدوي علام أن قوائم مستلزمات "السبلايز" لمصلحة الطلاب وليست وسيلة للتربح أو البيزنس، موضحاً أن المدارس لا تطلب مستلزمات دراسية مبالغ فيها مثلما يُروّج بعض أولياء الأمور عبر أثير منصات غروبات التواصل الاجتماعي، مردفاً "بعض أولياء الأمور يشعرون أن كُلفة ’السبلايز‘ زادت، لكن هذا الأمر ليس بسبب طلبات الإدارات المدرسية، لكن نتيجة لغلاء أسعار المواد الخام وأدوات المستلزمات المدرسية، فقوائم ’السبلايز‘ المدرسية كما هي لم تتغير".

وفي رأي علام، فإن هذه القوائم المدرسية ضرورية لضمان سير العملية التعليمية بانتظام وتوفير بيئة موائمة للطلاب، موضحاً أن "السبلايز"، "سلاح الطالب" بحسب وصفه، لذلك يجب أن يأتي ومعه كامل أدواته التي تساعده في العملية التعليمية وتنفيذ الأنشطة المدرسية.

ويوضح أن "السبلايز" تختلف من مدرسة إلى أخرى حسب طبيعة تدريسها وحاجاتها للأنشطة، لافتاً إلى أن المعلم لا يستطيع البدء في الأنشطة دون توفير أدوات متكاملة لكل طالب، لا سيما في المناهج الحديثة التي تعتمد بصورة كبيرة على التعلم التفاعلي والأنشطة اليدوية.

وفي تقدير رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، فإن طلبات المدارس "واقعية"، وتصبّ في النهاية في مصلحة المنظومة التعليمية، جازماً بأن المدارس لا تشترط على أولياء الأمور مكتبات بعينها وتقوم دائماً بإرجاع فائض "السبلايز" للطلاب في نهاية العام الدراسي ولا تستخدمها لأغراض خاصة أو بيعها مثلما يزعم البعض عن غير حقيقة، وهو أمر متعارف عليه دائماً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات