ملخص
أصدرت وزارة التربية والتعليم في مصر قرارات جديدة، تشير إلى عدم قانونية التعليم المنزلي بمصر، مع تعريض المدراس التي تقبل به للمساءلة القانونية، كما اعتبرت الكيانات الموازية التي تسهل تلك العملية غير مرخصة ومخالفة، وعلى رغم أن هذه الأمور معروفة سلفاً ولكن التشديد عليها أخيراً أقلق كثيراً من الأهالي الذين يعتمدون هذا النظام على رغم عدم قانونيته، إذ يتم خلاله التحايل على اللوائح بطرق ملتوية، يمكننا مناقشة هذه القضية ولماذا تصر بعض الأسر على تعليم أبناءها منزلياً على رغم مقدرتهم المادية على إدخالهم مدارس بها كثير من بنود الرفاهية، فلماذا لا يتم تقنين هذا النمط الدراسي ما دام أنه مطلوب إلى هذا الحد؟
احتد النقاش داخل إحدى المجموعات الخاصة بموقع "فيسبوك"، بين الأمهات الباحثات عن أكاديمية تقبل أبناءهن بنظام التعليم المنزلي في مصر، وذلك بعد أن تم إبلاغهن برفع الرسوم فجأة بمقدار 15 ألف جنيه (300 دولار أميركي)، إذ اعتبرتها الأمهات طريقة لـ"لي الذراع" بسبب القرارات الأخيرة من وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني التي صنفت هذا النوع من التعليم بأنه غير قانوني ولا يخضع للمراقبة، وقالت إن المؤسسات التي تروج له غير مرخصة.
وقد قيدت بعض الأكاديميات منشوراتها بالفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأقر بعض الأهالي أن اثنين منها في الأقل تم إغلاقهما موقتاً خوفاً من الملاحقة، فيما لا يزال عدد من الصفحات يروج بصورة غير مباشرة لهذا النظام التعليمي الذي يتم بالتحايل على اللوائح، باتباع أسلوب "التفاصيل على الخاص"، أي عدم نشر الخطوات التفصيلية والعروض في تدوينات عامة وإنما برسائل خاصة للباحثين عن الخدمة.
فالأهالي هم من يبحثون عن هذه الخدمات ويطالبون بتشريع واضح المعالم لنظام التعليم المنزلي أسوة بدول أخرى، بخاصة وأن كثيراً من الأسر تفضل لظروف اجتماعية أو نفسية، ولأسباب فردية أيضاً، أن يحصل أبناؤها على تعليمهم الرسمي ولكن من دون الاضطرار إلى الذهاب للمدرسة.
ولهذا، فإن كثيراً من الأمهات تحدثن لـ"اندبندنت عربية"، مشيرات إلى أنهن يطالبن بتقنين تلك المسألة لتكون تحت مرأى ومسمع من وزارة التربية والتعليم بدلاً من الذهاب لها من الأبواب الخلفية، معتبرات أنه ما دام كانت هناك حاجة لها فإنها لن تتوقف بل سيزيد الاستغلال المادي للأسر، إضافة إلى أن بعضهم يتخوف كون يبيئة التعليم غير المراقبة يمكن أن تفتح باباً أمام أفكار خاطئة يمكن أن تبث في نفوس الصغار من معلميهم الذين لا يخضعون للمعايير ولا اللوائح!
الآباء حائرون
وعلى رغم هذا الوعي الكبير في آراء هؤلاء الآباء، فإنهم يؤكدون أنهم مضطرون إلى التعامل مع تلك الكيانات غير القانونية، على رغم تحذيرات الوزارة، وكل ما يفعلونه هو تحري الدقة قدر الإمكان، والمتابعة الحثيثة لتوفير مناخ آمن وسوي للأبناء، إضافة إلى الخدمة التعليمية الجيدة وفقاً لرؤيتهم.
يقول أحد الآباء إنه منذ أن كان طفلاه التوأم في عمر الثانية، بحث كثيراً عن نظام تعليم دولي يتيح الدراسة من المنزل في مصر، ولكنه لم يجد أبداً، ولهذا اضطر للتعامل مع الأكاديميات التي تساعده في أن يحصل ابناه على شهادة نجاح معتمدة وتضمن لهما وجوداً رسمياً في مسار التعليم النظامي من دون أن يكونا مطالبين بالحضور، ويتابع "قد أكون مبالغاً، ولكنني أرغب في أن يتجنب أبنائي أية مشكلات من تلك التي تحدث في المدارس، إذ باتت الأزمات بين الطلبة مخيفة بالنسبة إلي، سواء كانت مدارس دولية على أعلى مستوى أم حكومية بمبالغ رمزية، إضافة إلى أن أحدهما لديه ’وحمة‘ بوجهه قد تعرضه للتنمر، ولهذا أحرص على أن يجتاز مرحلة الطفولة وهو تحت نظري، وفي بيئة أنا قادر على التحكم بها. وهما الآن في الصف الثاني الابتدائي، حيث يتلقيان دروسهما عن بعد، من مدرسة تعتمد النظام الأميركي".
وفقاً لموظف متابعة وتنسيق بإحدى تلك الأكاديميات، فإن هذه الكيانات تقوم بما يشبه "نظام السمسرة من الباطن"، أي تمثل الوسيط بين أولياء الأمور والمدارس الخاصة والدولية، إذ تتفق مع إدارة بعض المدارس على تسجيل مجموعة من الطلبة لديها بصورة رسمية، ولكنهم يتلقون تعليمهم في تلك الأكاديميات إما عن بعد "أونلاين" أو بمقر الأكاديمية، بحسب للمنهج الذي يسجل به الطالب. ويتابع الموظف، الذي رفض ذكر اسمه، "الرسوم مشتملة تكاليف الدراسة كاملة، وأي أنشطة أخرى كالرحلات وهي تكون أقل بمقدار الثلث أو النصف مقارنة بالمصروفات في التعليم المماثل بالأسلوب التقليدي، كما أنها تتيح للطالب توفيراً أكبر للوقت والمجهود ومصروفات حافلة المدرسة، حيث إن الدروس لا تكون عادة يومية، وفي كثير من الأوقات تكون عبر الإنترنت. وخلال الامتحانات، يمكن للتلميذ أن يؤديها بصورة طبيعية مع زملاء المدرسة المسجل بها ويحصل على نتيجته مثل بقية زملائه، كما أننا نقدم الخدمة ذاتها للطلبة المصريين بالخارج".
خدمة "أبناؤنا بالخارج" أقرتها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، وتتيح للأبناء المهاجرين مع ذويهم أن يلتحقوا بنظام التعليم المصري، ويؤدون امتحاناتهم إما أونلاين أو في السفارات، ولكن الحقيقة أن عدداً من العائلات تقوم في أوقات كثيرة بعمل إقامات صورية للأطفال، مستفيدين من وجود الأب خارج البلاد، ويلتحقون بتلك الأكاديميات التي تتيح لهم التعليم من المنزل وأداء الاختبارات أونلاين على رغم وجودهم داخل البلاد بصورة طبيعية.
كيانات وهمية وتعليم من الأبواب الخلفية
وبحسب نص القرار الأخير، فإن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تهيب بأولياء الأمور عدم الانسياق خلف أي كيانات وهمية أو ممارسات مخالفة للأنظمة التعليمية المعتمدة بالمدارس الدولية، وناشدتهم ضرورة التأكد من التزام المدارس بالأنظمة التعليمية المعتمدة، وعدم الانسياق خلف أي كيانات وممارسات تخالف القانون واللوائح المنظمة. وحذر البيان المدارس المتورطة من التعرض للعواقب، فـ"أية مدرسة دولية يثبت تورطها في تطبيق نظام (Home schooling) يعرضها للمساءلة القانونية".
ولكن ما هي آليات مواجهة نظام الـ"Home schooling"؟ وكيف سيتم التضييق عليه في المرحلة المقبلة؟ ولماذا لا تقوم الوزارة بتقنين نظام التعليم المنزلي ليكون تحت رعايتها؟
تتحدث الخبيرة التربوية والمدير السابق لإدارة الجودة في "الجمعية العامة للمعاهد القومية" بثينة عبدالرؤوف التي قدمت رسالة الدكتوراه قبل سنوات حول نظام التعليم الأجنبي في مصر عن سبل المراقبة، لافتة إلى أنه لن يتم اعتماد شهادات نجاح الطلاب إلا في ظل وجود وثيقة قانونية من المدرسة تفيد بأنهم ملتزمون بالحضور. كما تحدثت عن أسلوب المراقبة والتفتيش الذي سيتم تكثيفه بخاصة على المدارس الدولية، وتابعت "بالطبع سبل التحايل كثيرة، من واقع خبرتي المهنية والعملية وأيضاً من واقع أبحاثي الأكاديمية، إذ إن بعض المدارس تقوم باستحداث أقسام دولية ولا سيما الأميركية، حتى لو كان لديها فصل واحد فقط، ومن ثم يحدث تحايل وخروقات من أجل الاستفادة المادية، ولكن مواجهة مؤسسات التعليم المنزلي لن تكون صعبة على مسؤولي الوزارة في ظل الإصرار الكبير على وضع حد لتلك الظاهرة".
وتشير الدكتورة بثينة عبدالرؤوف إلى أنه من غير المتوقع أبداً أن يتم تقنين نظام التعليم المنزلي في مصر أبداً، مشيرة إلى أن تشديدات الوزارة الأخيرة جاءت في محلها، وتشرح سبب رفض هذا النظام "هو غير مناسب لمصر من الأساس، فقد يكون نظاماً ناجحاً في الولايات المتحدة بسبب طبيعتها كبلد مليء بالعرقيات، إذ إن لكل فئة تقريباً مدارسها، يقدمون فيها مناهجهم رافضين منهج الدولة الرئيس، ولهذا فإن هذا النظام يحمل أخطاراً ثقافية ومجتمعية، ويحد من مبدأ تكافؤ الفرص، ويهدد الهوية ووحدة المجتمع".
الهرب من الضغوط
ومن أسباب رفض نظام التعليم المنزلي أيضاً بالنسبة إلى عدد من المتخصصين في العملية التعليمية بمصر، وفقاً لما تقوله الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرؤوف، أنه تدريجاً يكرس لمبدأ الفئوية في التعليم، ويفتح الباب أمام انتشار أفكار قد تكون هدامة، فكل مركز أو أكاديمية يمكنه أن يغلف رسالته التعليمية بميول سياسية أو دينية تشوش على عقليات التلاميذ في تلك المرحلة الحساسة.
كذلك يعتقد كثيرون أن من أبرز سلبيات نظام التعليم المنزلي هو التأثير سلباً في شخصية الأبناء، وضعف قدرات تواصلهم المجتمعي ومواهب التفاعل لديهم، إضافة إلى أنه يتطلب متابعة حثيثة من الأبوين وقدراً كبيراً من المستوى التعليمي، بخاصة للأبناء في المراحل الابتدائية، وأيضاً يقلل من فرص تعلم الأبناء مهارات الالتزام بالقواعد.
ولكنه من ناحية أخرى، بالنسبة إلى المهندس المعماري رمزي عيد، فإنه يخلص العائلة من أعباء كبيرة، وأبرزها في رأيه الهرب مما يسميه "جحيم الثانوية العامة"، إذ يشرح تجربته "هذه الأيام أشاهد الآباء المصدومين من نتيجة أبنائهم في الثانوية العامة، حيث إنه عاماً بعد آخر تتدهور النتائج وتضيق الاختيارات أمامهم بسبب ضعف المجاميع، ولكن التجربة الأسوأ هي أنهم تعرضوا على مدار سنة كاملة لضغوط شديدة سواء بالمذاكرة أم الدروس الخصوصية وتوتر الامتحانات وصعوبتها، فهناك فرصة واحدة فقط متاحة لكل طالب، ولهذا اخترت أن أبتعد بأبنائي من هذه الأجواء السلبية، وفضلت نظام التعليم المنزلي، إذ يتيح النظام الأميركي أكثر من فرصة لدخول الاختبارات تصل إلى ست محاولات، وعلى رغم أنني أدفع رسوماً مالية في كل مرة، ولكنني بالمقابل قد وفرت سنوات من الضغوط، كما أن التعليم المنزلي يمنحنا الخلاصة وكأنه درس خصوصي، فلا نضطر إلى تحمل أعباء دروس إضافية".
مزايا ولكن
ووفقًا لدراسة حول تطبيق التعليم المنزلي في مصر للدكتور ياسر ميمون عباس أستاذ أصول التربية بجامعة السادات المصرية، فإن المشاركين في البحث المؤيدين لهذا النظام ذكروا بعض المزايا، وبينها أنه يقلل كثافة الفصول، ويزيد من فرص الرقابة المنزلية، ويجنب بعضهم مشكلات التنمر والاحتكاك السلبي وكذلك تأثير رفاق السوء، إضافة إلى تقليل الجهد البدني بالذهاب اليومي للمدارس، وأيضاً توفير مصروفات الانتقال ومستلزمات المدرسة بصورة عامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعيداً من مصطلح "الهوم سكولينج" الذي يحدث بالتحايل لسنوات الدراسة ما قبل المدرسة، فإن هناك طريقة أخرى أيضاً تحدث في بعض الأوقات ولكنها لا تستمر طويلاً، إذ يلجأ لها بعض الآباء خلال فترة الروضة أو الصف الأول الابتدائي لأطفالهم على الأكثر فيقومون بتسجيل أبنائهم في إحدى المدارس، ولكنهم يتلقون دروساً منزلية فقط ولا يذهبون أبداً لفصولهم، وهي وسيلة يتم اللجوء لها عادة في المرحلة التعليمية المبكرة لأسباب متعددة، وبعدها يتم التحويل لمدرسة أخرى والالتزام فيها بالحضور بصورة نظامية. وتلجأ الأسر لتلك الطريقة في الغالب بهدف التحايل على نظام المدرسة المحول لها التي يكون لديها اشتراطات في نظام القبول متعلق بالسن، إذ يكون أكبر من المعتاد، فيلجأ الآباء لتلك الوسيلة فيجتاز الأطفال السنة الأولى وهم في سن أصغر، وبالتالي تقبل المدرسة المستهدفة نقل الطالب لها بعد نجاحه في مرحلة الروضة أو الصف الأول الابتدائي من دون مشكلات.
تعليم منزلي قانوني بشروط
مصطلح "طلبة التعليم المنزلي" شائع في مصر ولكن ليس بالصورة المعروفة، إذ يطلق على بعض طلبة الثانوية العامة غير المطالبين بحضور دروسهم في المدارس النظامية. وتوضح الدكتورة بثينة عبدالرؤوف الخبيرة التربوية أن طالب "المنازل" هنا يكون وضعه قانونياً تماماً، إذ يطبق على فئة قليلة لديها ظروف قهرية، وعادة ما يكونوا في المرحلة الثانوية، فقد يكون الطالب كبيراً في السن وتخرج من فصول محو الأمية، أو طالباً تأخر بعد الإعدادية عاماً أو عامين في التقديم للمرحلة الثانوية، وهنا يكون من حقه تسجيل نفسه بمدرسة ثانوية حكومية من دون الالتزام بالحضور، وتتابع "في بعض الأحيان كذلك، وتحديداً بالمناطق النائية، يكون الطالب ليس لديه مدرسة ثانوية بمحيطه فيكون من الصعب عليه السفر يومياً، وهي كلها حالات توثق ويتم الموافقة عليها لتيسير على الأسر والتلاميذ".
وتوضح "الوضع هنا خاص ومختلف تماماً، بعكس النظام الذي تقدمه الأكاديميات التي ترتدي ثوب المدرسة، إذ تمنح الطلاب بالتحايل نسبة 40 في المئة من دون أي مجهود في نظام التعليم الأميركي الشائع به تلك الممارسات، وهي النسبة المقررة على الحضور والأنشطة وعروض الأبحاث والشفوي وغيرها، ثم الـ60 في المئة تمنح لهم في الاختبارات التحريرية النهائية، فلا توجد أية عدالة أو حتى تعليم حقيقي، ولكن الأهالي يلجأون له كنظام تعليمي يحقق لهم ما يطمحون له ظاهرياً بمصروفات أقل بكثير".