Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما رسم الغيطاني "ملامح القاهرة في ألف سنة"

كتاب في عشق مدينة لا تنام كل ما فيها قابل للانتقاد ومع ذلك عرفت كيف تصبح عاصمة العالم الإسلامي

القاهرة الفاطمية كما تبدو من شارع المعز (ويكيميديا)

ملخص

مكن القول إن تاريخ القاهرة، تلك المدينة التي بنيت في الإسلام، أكثر مما بنيت فيه أية مدينة أخرى، كان تاريخ تطور متواصل. ولعل من أهم خصائص هذا التطور هو أن الديني تواكب فيه مع الثقافي، والعمراني مع الحضاري واللغوي

كان السؤال حين أصدر جمال الغيطاني هذا الكتاب، لماذا تأخر كاتب القاهرة وعاشقها الكبير هذا في وضع تاريخه الخاص للمدينة، هو الذي لم يكتب في غالب أعماله، روائية كانت أو وجدانية أو توثيقية، سوى عنها، وكأنها معشوقة نادرة لا بد لحبيبها من أن يعاملها بكل رقة ودلال غير آبه بأن يكشف عن سر غرامه للآخرين.

المهم، على أي حال، هو أن الغيطاني أصدر كتابه "ملامح القاهرة في ألف سنة" في نهاية الأمر ليقدم فيه، أو ليلخص فيه بالأحرى، ما كان سبق أن حكاه عن القاهرة هو الذي، كتابة أو مشافهة خلال تجولاتنا معه في أزقة القاهرة وزواياها، لم يكف عن توريطنا في حب هذه المدينة، ولا سيما حين كان يأخذنا في تلك الجولة التي أسميناها معاً، جولة نجيب محفوظ حيث كان يتنقل بنا من حارة إلى حارة ومن درب إلى درب رابطاً كل مكان نزوره بفصل من رواية محفوظية.

هذه "القاهرة" هي التي كان يحلو لجمال لغيطاني أن يغوص فيها، غير آبه بـ"المهندسين" ولا بـ"الجزيرة" ولا حتى بـ"العجوزة" أو "المعادي". كان عالمه مصر القديمة تلك التي يعرف مقاهيها وحوانيتها وحواريها وأزقتها واحداً واحداً "بقبتها الزرقاء الصافية وأشعة شمسها الذهبية المرسلة تتعانق فيها المآذن والمساجد، تلك التي لم يرها أحد إلا ووقع في هواها". هذه "القاهرة" إذاً، هي التي يحكيها لنا الغيطاني في هذا الكتاب الذي يكاد يكون وصية وحكاية عشق وتاريخاً، فكيف يمكننا التعاطي مع كتاب من هذا النوع؟ كيف يمكننا سبر مدينة من هذا الطراز؟ سؤالان ليس من السهل الإجابة عنهما حتى ولو بحرنا كما فعل الغيطاني دائماً، في تراث ابن إياس والجبرتي وغيرهما من مئات المؤرخين/ العاشقين الذين كتبوا القاهرة وتاريخها. ومع هذا لا بد من المحاولة هنا، ودائماً ضمن روحية ما يكتبه الغيطاني.

اكتشاف المدينة

نعرف طبعاً أن الفاتحين المسلمين حين دخلوا البلدان الكثيرة، بعد انطلاقتهم من الجزيرة العربية، بنوا كثيراً من الدساكر والمدن. ولعل الكوفة جنوب العراق واحد من أهم الأمثلة على ذلك الحس المديني الذي راح يخيم على فاتحين أتوا من عمق الصحراء، لدى احتكاكهم بالحضارات المدينية المجاورة. غير أن الواقع التاريخي يقول لنا أن معظم تلك المدن والمواضع إنما بني كامتداد للحملة العسكرية، ولم يُبنَ أصلاً كموقع مديني. لاحقاً تحول الموقع العسكري إلى مدينة.

وحدها القاهرة تنفرد بين المدن كافة التي بناها المسلمون بكونها بُنيت أصلاً كمدينة، غايتها أن تكون عاصمة ملك ومركزاً حضارياً عمرانياً، تشاركها في هذا بغداد التي أقامها العباسيون عاصمة لملكهم وللإمبراطورية الإسلامية الجديدة. والحال أن المقارنة بين بناء العباسيين بغداد وبناء الفاطميين القاهرة تبدو صارخة ومتعددة الوجه، لكن ما يهمنا هنا هو التوقف عند بناء القاهرة، الذي "أنجز" بشكله الأولي قبل ألف عام ونيف، ذلك البناء الذي أوجد تدريجاً للإسلام، حاضرته الكبرى، وسيتبدى ذا طابع ثقافي حضاري أكثر منه ذا طابع عسكري وسياسي.

مسافة ثابتة

صحيح أن القاهرة لم تُبنَ على فراغ. كانت هناك على الدوام مواقع عمرانية عند تلك المنطقة الواقعة عند رأس الدلتا، ومنذ أيام الفراعنة، غير أن الغريب هو تلك المسافة التي كان يحافظ عليها دائماً بين مجرى نهر النيل ومناطق العمران: مسافة تبقي على المنطقة الخصبة صالحة للزراعة وكأن الإيمان بأن دوراً للمدينة يمكنه أن يتجاوز الزراعة إلى البعد التجاري والثقافي كان معدوماً في ذلك الحين.

ومهما يكن من الأمر، فإن القاهرة بنيت إلى جوار الفسطاط، قبل أن تبتلعها. ودائماً كانت الفسطاط التي أقامها ونماها رجال عمرو بن العاص، مقدمة على القاهرة التي سيبنيها الفاطميون وعلى رأسهم المعز لدين الله.

ومن هنا، تكشف لنا مراجعة الموسوعات الجغرافية العربية القديمة، من "معجم البلدان" إلى "الروض المعطار"، وغيرها من المراجع والوثائق العديدة التي نعرف أن الغيطاني كان يعرفها عن ظهر قلب وكان يوثقها إنما دائماً بنظرة نقدية، تكشف كيف أن تلك المراجع تفرد صفحات للفسطاط، قبل أن تمر بالقاهرة مرور الكرام.

وحسبنا هنا أن ننقل الأسطر القليلة التي جاءت في "الروض المعطار" عن القاهرة: "هي قاعدة الملوك المصريين ودار ملكهم في البلاد المصرية، وهي مدينة محدثة من بناء العبيديين الشيعة الذين كانوا بها، وبينها وبين مصر ثلاثة أيام، وهي مدينة كبيرة فيها من القصور والمباني ما يعجز الوصف عنه. وكان الحاكم بأمر الله منهم بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجداً عظيماً على ثلاثة مشاهد كانت هناك، وجعل فيها سدنته وخدمه يوقدون فيه السراج الليل كله...".

غير أن مصير القاهرة على مر الزمن، وكما يؤكد الغيطاني بثقة، كان أفضل مما كان عليه حظها في تلك المراجع. فالمدينة سرعان ما التصقت بالفسطاط ثم تحددت حتى النيل، لتصبح على مدى العصور أكبر المدن الأفريقية، ثم أكبر مدن عالم الإسلام. وهو أمر ساعد عليه موقعها، على رغم أن أحد أهم مؤرخيها وعلمائها، أبو الحسن علي بن رضوان، لم يفته في بدايات تكونها أن يشنع على موقعها حين قال إن بعدها من خط الاستواء 30 درجة، والجبل المعظم في شرقيها، وبينها وبينه المقابر، وقد قال الأطباء إن أردأ المواضع ما كان الجبل في شرقيه يعوق ريح الصبا عنه. وأعظم أجزاء الفسطاط، يتابع ابن رضوان، في غور وقد بين بقراط أن المواضع المتسفلة أسخن من المواضع المرتفعة وأردأ هواء لاحتقان البخار فيها، لأن ما حولها من المواضع العالية يعوق تحليل الرياح لها...".

موقع سيئ؟

والحقيقة أن العلماء والباحثين، منذ ابن رضوان حتى حسن فتحي لم يتوقفوا عن انتقاد موقع القاهرة لسوئه، بل إن حسن فتحي يأخذ عليها انتشارها بالنسبة إلى محاذاتها للنيل حيث يرى أنها المدينة الوحيدة التي تبدو كرجل ملتوي العنق.

إذاً، على رغم هذا الواقع، عرفت القاهرة كيف تتطور وتنمو، وتجتذب السكان، بحيث أضحت اليوم حاضرة العالم الإسلامي الحقيقية. والحال، إنه لمن الصعب إيجاد تفسير كامل لتلك العناصر التي جعلت القاهرة على الأهمية التي لها اليوم، والغيطاني لا يفعل هذا على أي حال، على رغم لا منطقية عمرانها، ولكن من الواضح أن العالم الإسلامي والعربي والأفريقي، كان في حاجة إلى حاضرة، تكون من التوسط بحيث تؤمها أجناس الشعوب لتختلط فيها: الأفريقية والعربية، وأهل مصر الأصليون.

والحقيقة أن التجاور بين هذه العناصر الثلاثة تم في القاهرة بشكل خلاق، لأنه لم ينتج تناحراً، كما كانت الحال لدى اختلاط شعوب متنوعة في موقع واحد، بل أنتج تلاقحاً ربما يدين واقع القاهرة له بما هو عليه. إذ منذ اللحظة التي دخل فيها جوهر الصقلي الفسطاط وشرع يبني أول مباني القاهرة، وحتى زمننا الراهن، مروراً بزمن الفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين ثم أبناء محمد علي والعصور الحديثة، لم تكف القاهرة عن الازدهار والتوسع، متحولة مع الزمن إلى حاضرة دينية كمدينة الألف مسجد والأزهر وثقافية حافظت على إرث الحضارة الإسلامية بعد سقوط الأندلس ودمشق، وحضارية، وفي الأقل منذ وصول العثمانيين، ثم مع حملة نابليون، وإصلاحات محمد علي.

وإذ نقول هذا لا ينبغي أن ننسى التأثيرات المتوسطية التي أتت عبر الإسكندرية، تلك المدينة التي كان من قدرها أن تحل القاهرة محلها عاصمة لمصر ومن ثم للإسلام ككل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تاريخ متواصل

في اختصار، يمكن القول إن تاريخ القاهرة، تلك المدينة التي بنيت في الإسلام، أكثر مما بنيت فيه أية مدينة أخرى، كان تاريخ تطور متواصل. ولعل من أهم خصائص هذا التطور هو أن الديني تواكب فيه مع الثقافي، والعمراني مع الحضاري واللغوي. ومن هنا لم يكن من الغريب والمفاجئ أن تصبح القاهرة، منذ أواسط القرن الماضي، العاصمة الثقافية في الشرق الأوسط وأفريقيا، خصوصاً أن التجانس المتنوع تمكن في نهاية الأمر من أن يخلق وحدة انصهارية خلاقة، حيث يمكن الحديث، عند ذكر القاهرة، عن مجتمع مديني عربي متكامل وصاهر.

وفي ظل هذا الواقع، لم يكن غريباً أن تنمو في القاهرة وعنها، آداب وأقلام وأشعار، وأن تكون القاهرة نقطة انطلاق أية نهضة عربية في أي مجال كان. صحيح أن جوهر الصقلي لم يخطر هذا كله في باله حين بنى هذه المدينة، لكنه أسسه، وأسسه في شكل خلاق... يخرج عن أي منطق، ليبني منطقه الخاص.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة