Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فشل الترحيل مأزق بريطانيا في حل أزمة اللاجئين

تظاهرات "اليمين" في مدن الساحل تعيد الملف للشارع بعدما عجزت القوانين عن حسمه

لاجئون يتوجهون إلى بريطانيا على ظهر قارب مطاطي انطلق من الشواطئ الفرنسية (غيتي)

ملخص

 عاد ملف اللجوء لواجهة السياسة البريطانية عبر بوابتين في وقت واحد، أرقام نشرتها صحيفة "تايمز"، تكشف أن النظام يرفض الطلبات بوتيرة تفوق كثيراً قدرته على تنفيذ الترحيل، وتظاهرات لـ "اليمين المتشدد" اجتاحت مدن الساحل الجنوبي ليومين متتاليين، والمفارقة التي تحكم المشهد أن الحكومة تملك ما تدافع به عن نفسها في الأرقام، ولا تملك ما تريه للناس في الوقت المتاح لها.

وصل إلى المياه البريطانية قبل يومين قارب مطاطي يحمل 140 مهاجراً بعد رحلة استغرقت نحو 10 ساعات، انطلقت من خليج السين على بعد 273 كيلومتراً جنوب غربي كاليه في فرنسا، أي أبعد كثيراً من نقاط الانطلاق المعتادة، ورافقته زوارق الإنقاذ الفرنسية طوال الطريق، ثم استقبله خفر السواحل وقوارب النجاة قبالة جزيرة وايت، وأُنزل ركابه قرب بورتسموث بدلاً من دوفر على ساحل إنجلترا.

وبحلول المساء كان نحو 300 متظاهر قد تجمعوا في المدينة الساحلية، في فعالية دعت إليها مجموعة "باتريوتيك بلاتفورم" التي أسسها الناشط اليميني المتشدد، دانيال توماس، المعروف باسم "داني تومو"، وهو من المقربين من الشعبوي المعروف تومي روبنسون.

وقال توماس في بث مباشر من المكان، إن الطرق مغلقة كلها، وإن أحداً لن يتمكن من المغادرة، فيما أعلن المتظاهرون أن هدفهم منع نقل الواصلين إلى مركز للاجئين في مقاطعة كِنت، وأصدرت الشرطة أمر تفريق سرى حتى مساء اليوم الإثنين، محذرة من توقيف كل من يرفض الامتثال.

وقبل ذلك بيوم واحد، كان مشهد مشابه قد أوقف الحركة في أكبر ميناء بريطاني، عشرات المحتجين بملابس سوداء وأقنعة تغطي الوجوه، قطعوا الطرق المؤدية إلى ميناء دوفر وهم يهتفون "أوقفوا القوارب"، فتوقفت حركة الدخول والخروج كلها، وامتد الازدحام مسافة أربعة أميال، بحسب "وكالة الطرق الوطنية"، ووصفت شرطة كِنت التحرك بأنه عفوي، لكنها تواجه أسئلة عن سبب عدم علمها به مسبقاً، وكان زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج قد وصف طالبي اللجوء في خطاب ألقاه في الرابع من سبتمبر (أيلول) الجاري بأنهم "غزو".

وجاء رد الحكومة عبر المسؤولة في وزارة الخزانة، إيما رينولدز، التي دانت ما سمته السلوك "البلطجي والترهيبي" للمحتجين في بورتسموث، وقالت إن حجم التظاهرة ربما كان غير مسبوق، لكن الشرطة أعادت الأمور للسيطرة، أما النائب العمالي عن دائرة دوفر، مايك تاب، فقد كتب على "فيسبوك" منتقداً من وصفهم بالحمقى القادمين لإحداث الفوضى، مرجحاً أن أياً منهم لا يعرف أن عبور القوارب انخفض 40 في المئة.

في المقابل، اعتبرت مفوضة الشرطة والجريمة في هامبشير، المحافظة دونا هونز، أن ما جرى "جرس إنذار للحكومة، وأن الناس سئموا غياب السيطرة على الحدود"، فيما قالت وزارة الداخلية إن الجهود المشتركة مع فرنسا أفضت إلى منع أكثر من 48 ألف محاولة عبور، ومصادرة 1100 قارب ومحرك منذ الانتخابات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هنا تظهر الفجوة التي تحكم الملف كله، فالرقم الحكومي صحيح والانخفاض حقيقي، غير أن شبكات التهريب ردت على التضييق الفرنسي بحشر أعداد أكبر في كل قارب، حفاظاً على هوامش ربحها، حتى بلغ عدد ركاب أحدها في الـ 11 من أغسطس (آب) الماضي، 230 شخصاً، وهو ما يعادل حمولة طائرة "بوينغ-737"، والنتيجة أن المؤشر الإجمالي يتراجع، بينما المشهد المرئي يتضخم، وأن السياسة التي تنجح إحصائياً تفشل بصرياً.

لكن الأرقام التي نشرتها الـ "تايمز" هذا الأسبوع، تنقل المشكلة من البحر إلى الإدارة، ففي السنة المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي رفضت بريطانيا 73478 طلب لجوء، ولم تُخرج من أراضيها سوى 12568 شخصاً، منهم 3841 عبر ترحيل قسري، فيما وافق 8727 على المغادرة الطوعية في مقابل حوافز يمولها دافع الضرائب، تصل إلى 3 آلاف جنيه إسترليني للفرد، وبحسب الصحيفة فإن طالب اللجوء في المتوسط يملك عملياً فرصة تبلغ 95 في المئة لتفادي الترحيل، ولا يعود ذلك لتساهل وزارة الداخلية في منح اللجوء، إذ لا تتجاوز نسبة القبول فيها 38 في المئة، بل إلى مرحلة الطعن في قلب القرار عبر القضاء، والتي ينجح فيها 64 في المئة من المتقدمين.

نجحت حكومة "العمال" في تفكيك تراكم القرارات الابتدائية الذي بلغ ذروة قياسية عند 175457 ملفاً في يونيو 2023، فرفعت معدل المعالجة الشهرية من 8 آلاف إلى 11 ألف طلب، وخفضت التراكم إلى 32401 قضية تخص 40168 شخصاً، غير أن حلّ الاختناق الأول ولّد اختناقا ثانياً، إذ ارتفع عدد ملفات الطعن إلى 87400 قضية، تشمل قرابة 114 ألف شخص، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل عامين، ويبلغ متوسط انتظار البت فيها 67 أسبوعاً.

وحددت وزارة الداخلية في أغسطس الماضي سقفاً جديداً بـ24 أسبوعاً لحسم الطعون المستجدة، وهو هدف قد يزيد تأخير الملفات الأقدم، وينعكس هذا الاختناق مباشرة على الإيواء، فقد بلغ عدد المقيمين في مساكن ممولة من المال العام 89089 شخصاً بنهاية يونيو الماضي، بينهم 16021 في 160 فندقاً بكلفة وسطية تبلغ 145 جنيهاً إسترلينياً لليلة الواحدة للشخص، في مقابل 23.25 جنيه إسترليني في السكن المجتمعي، ومن هنا تأتي كلفة النظام البالغة 4.8 مليار جنيه سنوياً، أي خمسة أضعاف ما كانت عليه عام 2019.

 

المعطى الأكثر إرباكا للسردية السائدة فهو أن القوارب ليست المصدر الأول للطلبات، ففي السنة المنتهية في يونيو الماضي، جاء نحو 35 ألف طلب، أي 41 في المئة من المجموع، من أناس دخلوا الدولة بتأشيرات عمل أو دراسة أو بإذن إقامة آخر، في مقابل رقم مشابه تقريباً من القادمين عبر القوارب، وبين طلبات الباكستانيين البالغة 8305 طلبات، جاءت تسع من كل 10 من حاملي تأشيرات، وبلغت النسبة 98 في المئة بين البنغلاديشيين الذين قدموا 5769 طلباً، فيما ترجع هذه الطلبات بأكثريتها إلى ما يعرف بـ"موجة بوريس"، أي التوسع في تأشيرات العمل والدراسة، ضمن سياسة الهجرة التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون بعد "بريكست" عام 2021، والتي تحول جزء منها لاحقاً إلى طلبات لجوء لدى انتهاء صلاحية التأشيرات.

الجذر التاريخي يضيء المأزق أكثر مما يفسره الحاضر، ففي عام 2002 بلغت الطلبات ذروتها عند 84100 طلب تخص 103081 شخصاً، بفعل حروب العراق وأفغانستان والبلقان، وعدم الاستقرار في الصومال وزيمبابوي وسريلانكا، وكانت تمثل حينها زهاء 20 في المئة من إجمال الوافدين، في مقابل ما بين خمسة و10 في المئة اليوم، وردت حكومة "العمال" حينها بحزمة متكاملة، فأغلقت "مخيم سانغات" الساحلي عام 2002، ووقعت "معاهدة لوتوكيه" عام 2003 التي نقلت نقاط التفتيش البريطانية إلى الأرض الفرنسية، وأقرت "قانون الجنسية والهجرة واللجوء" الذي أدخله ديفيد بلانكيت في قائمة بلدان آمنة، تُعتبر طلبات أبنائها غير مؤسسة ظاهرياً، ومع لائحة "دبلن الثانية" الأوروبية، قال بلانكيت وقتها إن هذه الإجراءات خفضت منسوب الصخب السياسي، وسمحت له بالنوم أحياناً.

ومنذ ذلك الحين صدرت ستة قوانين هجرة أساس، أربعة منها منذ عام 2022، وبدا كل واحد أكثر تشدداً من سابقه، فيما استمر منحنى الطلبات في الصعود، والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه السلسلة ليس أن التشدد غير مجدّ، بل إن الترتيبات لا تسير دائماً في الاتجاه الصحيح، فاتفاق ريشي سوناك مع ألبانيا خفض عدد الواصلين الألبان في القوارب من 12658 عام 2022 إلى 924 عام 2023، أي بأكثر من 90 في المئة، أما "مشروع رواندا" الذي أقرته حكومة جونسون عام 2022، ألغي بعد معركة قضائية استمرت عامين، مع وصول حزب "العمال" إلى الحكم في يوليو (تموز) 2024، من دون تنفيذ ترحيل قسري واحد.

 

أنتج "قانون الهجرة غير الشرعية" الذي أدخلته وزيرة الداخلية السابقة سويلا برافرمان عام 2023 مأزقاً مضاعفاً، إذ منع عشرات الآلاف من تقديم الطلبات، من دون أن يوفر القدرة على ترحيلهم، فتضخم التراكم بدلاً من أن ينحسر، وفي هذا الإطار تتحرك وزيرة الداخلية الحالية شبانة محمود، والتي عيّنها كير ستارمر في سبتمبر 2025، وأبقاها آندي بيرنهام في منصبها عند تشكيل حكومته في يوليو الماضي، فقد أعلنت أوسع مراجعة لنظام اللجوء منذ الحرب العالمية الثانية، وتمررها في جانب كبير منها عبر تشريعات ثانوية تتفادى البرلمان، لتشمل الحزمة حماية موقتة لجميع اللاجئين تُراجع كل 30 شهراً بدلاً من الاستقرار الدائم، وإلغاء حق لمّ الشمل العائلي، ومساهمة طالبي اللجوء في كلفة سكنهم، على غرار قروض الطلاب، بسقف 10 آلاف جنيه إسترليني، وحوافز مالية للترحيل العائلي تصل إلى 10 آلاف جنيه إسترليني للفرد، و40 ألف جنيه إسترليني للأسرة الواحدة.

ووقّعت محمود أخيراً اتفاقاً مع الفرنسيين بقيمة 660 مليون جنيه على ثلاثة أعوام، يربط الدفع بالنتائج ويزيد عدد رجال الأمن على الشواطئ الفرنسية 40 في المئة، بينهم 125 عنصراً متخصصاً في مواجهة الشغب، ومخولين دخول الماء لاعتراض القوارب، ومنذ الاتفاق منع الفرنسيون قرابة 60 في المئة من القوارب، لكن نسبة الذين مُنعوا فعلاً من العبور لم تتجاوز 34 في المئة، مما يعني أن من تعذر عليهم الركوب ينتظرون فرصة أخرى.

أما تجربة "واحد في مقابل واحد" فأسفرت عن ترحيل 1087 مهاجراً إلى فرنسا منذ أغسطس الماضي، في مقابل نقل 1117 طالب لجوء إلى بريطانيا، وتنتهي مهلتها التجريبية في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، يحاول بيرنهام وشبانة محمود اليوم تمرير مشروع قانون للهجرة واللجوء، يستبدل نظام الطعون المزدوج بمسار واحد يشرف عليه محكّمون، تعينهم وزارة الداخلية بدلاً من القضاة، ويضيّق تفسير المحاكم لبنود الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان في شأن المعاملة المهينة، والحق في الحياة الأسرية، ومبرر الحكومة هو أن العقدة تنفيذية لا تشريعية، ولكنها قد تصطدم مع السلطة القضائية ومنظمات الحقوق، ونسبة نقض القرارات البالغة 64 في المئة، تسند حجة من يقول إن تسريع القرار الأول من دون تحسين جودته، هو ما يصنع تراكم الطعون أصلاً.

والحلم الأخر للحكومة هو توسيع الترتيبات الثنائية، بجعل تجربة "واحد في مقابل واحد" مع فرنسا دائمة بعد أكتوبر المقبل، واستنساخ النموذج الألباني مع دول منشأ أخرى، وهو أسلوب أثبت فاعلية قابلة للقياس، لكن نتائجه بطيئة ومحدودة عددياً وتتوقف على استعداد الشريك، وأرقام العام الأول لا تكاد ترى بالعين المجردة، أما الحلّ الأصعب يكمن في القطيعة مع الإطار الحقوقي الدولي، وهو ما يطالب به "ريفورم"، بحجة أن أي إصلاح داخل القيود القائمة يصطدم بالمحاكم، لكن الكلفة القانونية لهذا الإجراء باهظة، كما أن اعتماده يعني أن "العمال" قرروا مواجهة "الشعبويين" على أرضهم، وهي حرب غير مضمونة النتائج.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير