Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطيران الإيراني بعد حربين... أسطول متهالك وأعطال متكررة

بعض الطائرات المتوقفة تستخدم لتوفير قطع غيار لطائرات أخرى

صورة ملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مدمرة في مطار بوشهر الدولي بتاريخ 7 مارس 2026 (أ ف ب)

ملخص

فاقمت حربا الـ12 والـ39 يوما أزمة قطاع الطيران الإيراني، بعدما دمرتا وألحقتا أضراراً بعشرات الطائرات المدنية والمنشآت والمطارات، في وقت كان فيه الأسطول يعاني أصلاً التقادم ونقص قطع الغيار وخروج أعداد كبيرة من الطائرات من الخدمة.

أعاد انتشار مقطع فيديو يوثق اللحظات المتوترة على متن رحلة تابعة لشركة "سبهران" للطيران في الـ15 من سبتمبر (أيلول) الجاري تسليط الضوء مجدداً على الوضع المتأزم لأسطول الطيران الإيراني.
ووفق تقارير نشرتها وسائل إعلام إيرانية، واجهت الطائرة، التي أقلعت من مطار مشهد، عطلاً في المحرك بعد دقائق من الإقلاع، مما دفع طاقمها إلى إعلان حال الطوارئ والعودة للمطار، وسط حال من الخوف الشديد وصراخ الركاب.

وهذه الحادثة الثانية لطائرات شركة "سبهران" في مطار مشهد خلال أقل من شهر. ففي الـ25 من أغسطس (آب) الماضي خرجت إحدى طائرات الشركة عن المدرج أثناء الهبوط. وسبق ذلك وقوع حوادث مماثلة عدة لطائرات إيرانية أخرى.

وكان أسطول الطيران الإيراني، حتى قبل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يعاني تقادم طائراته على نطاق واسع، ونقص الطائرات القادرة على التشغيل، ناهيك بالصعوبات في أعمال الصيانة وتأمين قطع الغيار. إلا أن هذه المشكلات تفاقمت بصورة متزايدة عقب حربي الـ12 والـ39 يوماً، إلى درجة أن بعضهم بات يقول إنه لا يعتبر السفر جواً في إيران آمناً على الإطلاق.

وضع أسطول الطيران الإيراني قبل حرب الـ12 يوماً وبعدها

دأب المسؤولون الحكوميون والقائمون على شركات الطيران على تقديم أرقام متفاوتة ومتضاربة في شأن أعداد الطائرات العاملة والمتوقفة عن الخدمة. فعلى سبيل المثال، أعلن أمين رابطة شركات الطيران مقصود أسعدي ساماني في الـ25 من أبريل (نيسان) 2025 أن عدد الطائرات العاملة في إيران يبلغ نحو 140 طائرة.

ولفهم دلالات هذا الرقم، الذي يكشف عن نقص حاد في أسطول الطيران الإيراني، تكفي المقارنة مع الوضع في تركيا، التي بلغ حجم أسطولها الجوي عام 2026 نحو 846 طائرة، فيما يبلغ عدد طائرات الخطوط الجوية التركية وحدها 566 طائرة، أي أكثر من أربعة أضعاف إجمال عدد الطائرات العاملة في إيران.

وتتفاوت حدة الأزمة في إيران، بل تزداد أحياناً. ففي شتاء 2024-2025، أعلن أن إجمال أسطول طائرات الركاب الإيرانية بلغ 333 طائرة، منها 217 طائرة متوقفة عن الخدمة. وبعبارة أخرى، كان نحو 65 في المئة من أسطول الطيران الإيراني خارج الخدمة آنذاك.

ودخل الأسطول الجوي الإيراني المتهالك حرب الأيام الـ12 على هذه الحال. ومع إغلاق المجال الجوي الإيراني والتوقف الواسع للرحلات واستهداف عدد من المطارات والقواعد الجوية، سارعت شركات الطيران إلى نقل العدد القليل من طائراتها العاملة من المطارات المعرضة للخطر.

وكان مطار مهرآباد، أهم مركز للرحلات الداخلية في إيران، حيث تتمركز أيضاً أجزاء من القوات الجوية والأسطول العسكري، من أولى المناطق التي أفيد بتعرض محيطها للهجمات.

وأعلن الرئيس التنفيذي لشركة "قشم إير" لاحقاً أن الشركة أخرجت في بداية الهجمات وخلال أقل من ساعة، سبع طائرات من طهران، ثلاث منها من مطار مهرآباد وأربع من مطار الإمام الخميني.
وشارك نحو 70 شخصاً في عملية نقل الطائرات، وبعد وقف إطلاق النار، نقلت الشركة قاعدتها التشغيلية من طهران إلى مشهد.

ولم تقتصر الهجمات على طهران، إذ استهدف مطار تبريز أيضاً. وأظهرت صور أقمار اصطناعية لاحقة أضراراً لحقت بمنشآت ومواقع عدة في محيط المدرجين الرئيس والفرعي للمطار.
وتعرض مطار أصفهان لأضرار، فيما استهدفت في مشهد طائرة عسكرية كانت متمركزة في المطار الدولي للمدينة. وأظهرت صور أقمار اصطناعية التقطت خلال أيام الحرب، تدمير طائرة عسكرية من طراز "بوينغ 707" مخصصة للتزود بالوقود بالكامل في ساحة مطار مشهد، وأعلنت إسرائيل لاحقاً مسؤوليتها عن استهدافها.

وبحسب ما أعلن الجيش الإسرائيلي، استهدفت عملياته خلال حرب الأيام الـ12 ستة مطارات في غرب إيران وشرقها ووسطها، ودمرت 15 مقاتلة، من بينها طائرات من طرازي "أف-14" و"أف-5"، إضافة إلى مروحياًت عسكرية.

ومع انتهاء حرب الأيام الـ12 وإعادة فتح المجال الجوي الإيراني تدريجاً، لم تعد صناعة الطيران إلى أوضاعها الطبيعية، إذ ظل جزء كبير من الطائرات الموجودة متوقفاً عن الخدمة، وبقي حجم الأسطول التشغيلي الإيراني بعيداً من العدد المطلوب لتلبية حاجات شبكة الرحلات الجوية.

ووفقاً لتقرير نشرته "طياره"، وهي وسيلة إعلام إيرانية متخصصة في شؤون الطيران، أظهر رصد وضع الطائرات في أغسطس 2025، أي بعد نحو شهر من انتهاء الحرب، أن مشكلة توقف الطائرات عن الخدمة ظلت واسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، من أصل 51 طائرة من طراز "أم دي" لدى الشركات الإيرانية، نفذت 37 طائرة رحلة واحدة في الأقل خلال ذلك الشهر، فيما بقيت 14 طائرة متوقفة عن الخدمة.

وكان الوضع أكثر سوءاً بالنسبة إلى الأسطول القديم من الطائرات عريضة البدن. فمن أصل ثماني طائرات "بوينغ 747"، لم تحلق خلال أغسطس الماضي سوى طائرتين، فيما بقيت أربع طائرات متوقفة عن الخدمة، ولم يكن وضع الطائرتين المتبقيتين واضحاً، وكانت طائرة بوينغ 757 الوحيدة الموجودة خارج الخدمة. وظلت طائرات "بوينغ 777" الخمس التابعة لشركة "ماهان" في وضع التوقف، ولم تنفذ أي منها رحلات لنقل الركاب أو الشحن.

في المقابل كانت طائرات "إيرباص A330" الأربع التابعة لشركة "إيران إير" عاملة خلال أغسطس الماضي، إلا أن جزءاً كبيراً من أسطول "إيرباص A340" ظل خارج الخدمة. ويظهر هذا التفاوت أن الأزمة لم تؤثر في جميع أنواع الطائرات بالدرجة نفسها، وأن الطائرات الأقدم والطرز التي يصعب تأمين محركاتها وقطع غيارها شكلت القسم الأكبر من الأسطول المتوقف عن الخدمة.

في خضم ذلك، أقرت بعض شركات الطيران بأزمة الطائرات المتوقفة. فعلى سبيل المثال، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة "قشم إير" أن لدى الشركة 9 طائرات عاملة و6 طائرات متوقفة عن الخدمة، وأكد أن بعض الطائرات المتوقفة تستخدم لتوفير قطع غيار لطائرات أخرى.

وتلجأ الشركات الإيرانية، ولا سيما بعد تشديد العقوبات، إلى هذه الطريقة بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى قطع الغيار والمحركات، وإن كانت لا تحقق النتائج المرجوة دائماً. فعلى سبيل المثال، عادت طائرة "إيرباص A300" تابعة لـ"قشم إير" إلى الأسطول في أبريل (نيسان) 2025، بعد سنوات من توقفها عن الخدمة وإثر خضوع محركها لعمرة شاملة. إلا أنها تعرضت في الـ28 من أغسطس 2025، خلال رحلة من طهران إلى إسطنبول، لعطل فني اضطرها إلى العودة لطهران، لتخرج من الخدمة مجدداً لمدة 10 أيام.

أسطول الطيران الإيراني بعد حرب الأيام الـ39

أصبح وضع أسطول الطيران الإيراني أكثر هشاشة مع اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في الـ28 من فبراير (شباط) 2026، إذ لم تقتصر التداعيات هذه المرة على إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمطارات، بل تعرضت الطائرات المدنية نفسها لأضرار مباشرة.

واتضحت أبعاد هذه الخسائر بعد أشهر، في تصريحات وزيرة الطرق والتنمية الحضرية الإيرانية، فرزانة صادق، التي أعلنت في الـ17 من أغسطس الماضي، أن نحو 100 طائرة مدنية تضررت أو دمرت بالكامل خلال الهجمات الأميركية والإسرائيلية. وكان جزء كبير من هذه الطائرات خارج الخدمة قبل الحرب، فيما تحول بعضها عملياً إلى مخازن لتوفير قطع الغيار للطائرات العاملة. ومع ذلك، قالت الوزيرة إن 8 طائرات عاملة دمرت بالكامل خلال الهجمات.

ووقعت إحدى أولى الخسائر المسجلة في الأسطول التشغيلي في بوشهر، إذ استهدفت طائرة "إيرباص A319" تابعة لشركة "إيران إير" في مطار بوشهر في الثالث من مارس (آذار) الماضي، ودمرت بالكامل.

وفي الأحواز، دمرت طائرة "فوكر 100" تابعة لشركة "كارون" للطيران، ودمرت أو تعرضت لأضرار جسيمة مجموعة من طائرات "فوكر 50" التابعة للشركة، والتي كانت متوقفة عن الخدمة أو خرجت منها نهائياً. وتضررت طائرة أخرى للشركة، في الأقل، جراء إصابتها بشظايا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما أكبر الخسائر التي لحقت بأسطول الطيران الإيراني، فسجلت في مطار مهرآباد. ففي هجوم فجر السابع من مارس 2026، تضررت، إلى جانب طائرات النقل والدعم، أكثر من 10 طائرات ركاب بدرجات متفاوتة.

وفي هجوم آخر في الـ16 من مارس الماضي، دمرت طائرتان حكوميتان من طراز "إيرباص" مخصصتان للرحلات الرسمية، فيما أدت شظايا ناجمة عن الهجوم إلى تدمير طائرة من طراز "إم دي" تابعة لشركة "آتا" للطيران، وتضررت طائرات أخرى كانت متوقفة قربها.

وتواصلت الهجمات خلال الأيام التالية. ففي الـ28 من مارس 2026، استهدفت ودمرت إحدى طائرات "بوينغ 777" التابعة لشركة "ماهان"، بعد وقت قصير من هبوطها في مطار مشهد عقب رحلة دولية، وأصيبت طائرة "إيرباص A340" تابعة للشركة نفسها في المطار، وتعرض جزء من هيكلها لأضرار جسيمة.
وبعد يومين، تعرض مطار تبريز للقصف، ودمر برج المراقبة وتضرر جزء من مدرج المطار، وأصيبت بالشظايا مجموعة من طائرات شركة "آتا" التي كانت متوقفة قرب برج المراقبة.

وفي شيراز، دمرت طائرة من طراز  CRJتابعة لشركة "بارس إير"، فيما تضررت أو دمرت مجموعة من الطائرات المتوقفة التابعة لشركة "آسمان"، ودمرت طائرة "إيرباص A320" تابعة لشركة "زاغروس"، وطائرة RJ85 خارجة من الخدمة، تابعة لشركة "قشم إير"، خلال الهجمات على مطار مهرآباد.

ولم تقتصر أضرار الحرب على الطائرات. فبحسب وزيرة الطرق والتنمية الحضرية، أدت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للرادارات إلى انخفاض القدرة على الملاحة الجوية، مما اضطر منظمة الطيران المدني، حفاظاً على السلامة، إلى تقليص عدد عمليات الإقلاع والهبوط خلال الفترات الزمنية المحددة.

من جهة أخرى أعلن أمين رابطة شركات الطيران، بعد وقت قصير من انتهاء الحرب، أن 7 مطارات إيرانية تعرضت لهجمات، وأن قيمة الإيرادات الضائعة على شركات الطيران نتيجة توقف عملياتها بلغت نحو 30 تريليون تومان (نحو 137 مليون دولار).

وقد يبدو أن تدمير الطائرات المتوقفة عن الخدمة لا يؤثر في وضع أسطول الطيران، إلا أن استخدام محركات هذه الطائرات وقطع غيارها، في ظل العقوبات، للحفاظ على الطائرات الأخرى قيد التشغيل يكشف عكس ذلك. فتدمير هذه الطائرات أدى، في الواقع، إلى فقدان جزء من مخزون قطع الغيار الذي تعتمد عليه صناعة الطيران الإيرانية، مما تسبب في توقف طائرات عاملة أخرى عن الخدمة بعدما تقلصت بشدة إمكانات إصلاحها واستبدال قطعها.

ومع ذلك، لا يزال العدد الدقيق للطائرات العاملة في إيران غير معروف. فقد أكد رئيس منظمة الطيران المدني في يوليو (تموز) الماضي أن نحو نصف الأسطول المحتسب يعمل بصورة تشغيلية، فيما يوجد النصف الآخر في مراكز الصيانة.

وتحاول شركات الطيران الإيرانية حالياً تعويض جزء من القدرة التي فقدتها من خلال إصلاح الطائرات المتوقفة عن الخدمة أو استيراد طائرات مستعملة، إلا أن جزءاً من هذه القدرة الجديدة يعتمد بدوره على طائرات قديمة. وخلال الأسابيع الأخيرة، جرى تجهيز طائرة بوينغ 737-500، وطائرة CRJ200 يبلغ عمرها 22 عاماً، أمضت نحو 10 أعوام منها متوقفة، وطائرة أخرى من طراز بوينغ 737-500 يبلغ عمرها 34 سنة، لإدخالها في دورة التشغيل.

في المحصلة، يمكن توصيف الوضع الحالي لأسطول الطيران الإيراني على النحو الآتي: دمر عدد من الطائرات العاملة خلال الحرب، وتضررت عشرات الطائرات المتوقفة عن الخدمة التي كان بعضها يستخدم عملياً كمخزون لقطع غيار الأسطول العامل، فيما لا يزال جزء كبير من الطائرات المتبقية يتطلب أعمال الصيانة ويعاني نقص قطع الغيار والتقادم.

وفي ظل هذه الظروف، أصبحت شركات الطيران تعتمد بصورة متزايدة، لتعويض نقص القدرة التشغيلية، على إعادة الطائرات القديمة إلى الخدمة واستيراد طائرات مستعملة متقدمة في العمر، وهو ما تتمثل أقل تداعياته في تكرار الأعطال الفنية وتأخر الرحلات ووقوع حوادث، مثل الحادثتين الأخيرتين لطائرات شركة "سبهران".

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير