ملخص
في مساء الرابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، صعد نايجل فاراج إلى منصة مؤتمر حزبه في برمنغهام متأخراً، بعدما مشّطت شرطة مكافحة الإرهاب الخشبة، ليلقي خطاباً أُعد ليكون إعلان استعداد للحكم، فتحول إلى دفاع عن النفس، إذ قبل ذلك بيوم كانت "القناة الرابعة" قد بثت تسجيلات مصورة لمسؤولين في "ريفورم" يناقشان مع صحافيين متخفين طرقاً لتلقي مال أجنبي محظور، فاستقال الرجلان وأحيل الحزب إلى الشرطة ولجنة الانتخابات، فيما تتوالى فضائح الحزب الشعبوي وزعيمه، والسؤال الذي انتقل من الإعلام إلى داخل الحزب هو ما إذا كانت الأزمة عابرة أم أنها تصيب طريقة عمل فاراج نفسها؟
في الثالث من سبتمبر (أيلول) الجاري، بثت نشرة أخبار القناة الرابعة تحقيقاً أنجزته مجموعة "فيرباتم" الاستقصائية، يظهر المعاون الأقدم لزعيم حزب ريفورم نايجل فاراج، دان جوكس، وهو يبحث تمرير تبرع قيمته 500 ألف جنيه إسترليني من ممول أميركي عبر ابنه المقيم في بريطانيا، فيما يظهر مسؤول السياسات، جيمس أور، وهو يعرض بديلاً يقوم على أن يموّل المتبرع الأجنبي استطلاعات رأي للحزب بدلاً من التبرّع المباشر، قائلا إن "ريفورم" لا يملك متبرعين مقيمين في بريطانيا يدعمونه، وقد ذكر التحقيق أن شركة أميركية دفعت فعلياً 30 ألف جنيه إسترليني ثمن ثلاث استطلاعات نُشرت نتائجها بوصفها مستقلة، قبيل الانتخابات المحلية في مايو (أيار) الماضي.
وكان الرد الرسمي سريعاً ومتناقضاً، فقد وصف الحزب ما بُثّ بأنه خدعة، ثم أعلن في اليوم التالي تنحي جوكس وأور موقتاً وفتح تحقيق داخلي، وقال فاراج في مؤتمر صحافي إن الحزب "لم يخرق أي قانون ولم يتلق مالا مشبوها"، ووصف العملية بأنها "إيقاع في الفخ"، مقلّلاً من شأن ما قاله معاوناه، ورأى أنه "ثرثرة حانة صدرت عن متعاقدين لا عن قيادة".
وفي المقابل أبلغ حزبا "العمال" و"الليبراليون الديمقراطيون" الشرطة ولجنة الانتخابات، وقالت شرطة العاصمة إنها تقيّم المعلومات من دون أن تفتح تحقيقاً رسمياً، في حين تدرس اللجنة المزاعم وتبقى على اتصال بالشرطة، وهنا تحديداً تكمن مشكلة الدفاع الذي اختاره فاراج، فحجة الإيقاع في الفخ تصلح لتفسير كلام قيل لا لتفسير مال دُفع فعلاً، واستطلاعات نُشرت من دون كشف مصدر تمويلها، وتوصيف الرجلين بأنهما متعاقدان يصطدم بأن جوكس يوصف في التغطيات البريطانية بأنه أقرب معاوني الزعيم، حتى إن الصحافي تيم شيبمان كتب في "ذي سبيكتيتور" أن "وصفه بالمتعاقد محض تبرير، لأنه بمنزلة الابن لفاراج".
والرهان على أن الاستقالة تغلق الملف قد سقط بالتجربة، فاستقالة فاراج من البرلمان وعودته لم توقف تحقيق مفوض معايير "مجلس العموم" في الهِبة البالغة 5 ملايين جنيه إسترليني من الملياردير كريستوفر هاربورن، والمقصلة التي عُلقت فوق رأسه لم ترفع، وعقوبة إيقاف تتجاوز 10 أيام جلسات تفتح الباب أمام عريضة "سحب ثقة"، مع انتخاب فرعيّ ثان، أعلن حزب "المحافظين" هذه المرة استعداده لخوضه.
وما يجعل هذه الحلقة أخطر من سابقاتها أنها لم تعد تخص الزعيم وحده، فالملفات السابقة كانت تدور حول ما تلقاه فاراج قبل نيابته، أو حول علاقته برجل الأعمال المدان جورج كوتريل، أو حول تبرعات فيونا كوتريل التي تحقق فيها شرطة العاصمة منذ يوليو الماضي، أما تسجيلات القناة الرابعة فتطاول جهاز الحزب وطريقة جمعه للمال وعرضه على الرأي العام، أي ما يفترض أن يكون قد تغير منذ وعود "التحول إلى تنظيم محترف"، وهذه ليست سابقة معزولة في مسيرة فاراج، ففي عام 2019 كشفت القناة نفسها منافع سفر وإقامة قدمها له آرون بانكس ولم يعلنها، ومن ذلك يتضح أن المشكلة بنيوية أكثر منها ظرفية، إذ إن حزباً انتقل خلال عامين من خمسة نواب إلى ثمانية، ومن 100 ألف عضو إلى 268 ألفاً، ومن لا شيء إلى 34 مقعداً في البرلمان الويلزي، و17 في نظيره الاسكتلندي، وقيادة 26 مجلساً محلياً، لا يزال يدار بعقلية حملة انتخابية صغيرة يحيط بها عدد محدود من المقربين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التحول الأهم أن الجدار الإعلامي الذي حمى فاراج طويلاً بدأ يتشقق من جهة اليمين، فصحيفة الـ "تايمز" اتهمته بمحاولة صرف الأنظار عن أسئلة مشروعة في شأن أمواله، فيما وصفت "تلغراف" مغامرة كلاكتون بأنها تحولت إلى مهزلة بعد مقاطعة الأحزاب، وكتب فيها توم هاريس أن الأمر "مؤشر مقلق على أن الرجل الذي يعتبره كُثر رئيس الوزراء المقبل، يفتقر إلى حسن التقدير"، أما "ديلي ميل" فنشرت تعليقاً بعنوان مفاده أن الناخب حين يصرخ في وجهك فذلك سيئ، وحين يضحك عليك فقد انتهى الأمر.
وليس الإجماع تاماً بطبيعة الحال، فقد رأى جواد إقبال في "ذي سبيكتيتور" أن تفجير الانتخاب الفرعي كان "خطوة ذكية، وربما الوحيدة المتاحة" لاستعادة السيطرة على السردية، ولا تزال "جي بي نيوز" منصة صديقة، لكن الفارق أن النقد لم يعد يأتي من الخصوم وحدهم، بل من الوسط الذي يفترض أن يشكل بيئة "ريفورم" الطبيعية، أما شعبياً فتظهر أرقام الاستطلاعات أن الكلفة بدأت تتحقق، فقد أجرت مؤسسة "مور إن كومون" استطلاعاً شمل 3250 شخصاً نهاية أغسطس (آب) الماضي، أظهر تقدم حزب "العمال" بـ 26 في المئة، يليه "المحافظين" بـ 23 في المئة، ثم "ريفورم" بـ 22 في المئة، أي أدنى مستوى للحزب منذ يناير (كانون الثاني) 2025، وأول تراجع له خلف "المحافظين" منذ 18 شهراً، فيما حلّ حزب "ريستور" بزعامة النائب المنشق روبرت لوي عند أربعة في المئة.
ونبّه مدير "مور إن كومون" في بريطانيا، لوك تريل، إلى أن الفوارق بين الأحزاب الثلاثة تقع ضمن هامش الخطأ، لكنه أرجع جانباً من التراجع إلى تشظي اليمين، والأخطر من الرقم مصدره، ففي دراسة نشرها بول ويتلي في موقع "ذا كونفرزيشن" يوليو الماضي، احتل "ريفورم" المرتبة الأدنى بين الأحزاب حين سُئل البريطانيون أي حزب يقف "إلى جانب الشعب".
أمام فاراج اليوم ثلاثة مسارات، لكل منها منطقه وكلفته، فالأول احتواء الأزمة من خلال الهجوم، كما يفعل حالياً حين يصف التحقيقات بأنها "تدبير من المؤسسة"، وهي عبارة أوصت وثيقة داخلية للحزب مستشاريه المحليين باستخدامها، وفق ما نشرته "غارديان" في يوليو الماضي، ثم رفع دعاوى قضائية كتلك التي رفعها مع تايس ضد "الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة"، وميزة هذا المسار أنه يماسك القاعدة الصلبة التي لا تعنيها التفاصيل، أما كلفته فهي أنه يستهلك السردية كلما تكررت، ويدفع الناخب المتردد، ولا سيما المحافظ السابق، إلى مغادرة صامتة.
والمسار الثاني هو التحول المؤسسي الفعلي، أي تصفية الدائرة الضيقة حول الزعيم، وإنشاء إدارة امتثال وخزانة مستقلة عن الأشخاص، وتقديم وجوه ذات خبرة حكومية، مثل روبرت جينريك وزيا يوسف إلى الواجهة، وقد ألمح فاراج إلى شيء من ذلك خلال حديثه عن تحويل الحزب إلى "تنظيم محترف"، وإعلانه عزمه تعيين متحدثين باسم الصحة والدفاع، وكلفة هذا المسار أنه يمس مركزية فاراج الشديدة التي استمرت 15 عاماً، وأنه يعترف ضمناً بأن جزءاً من الاتهامات كان في محله.
أما المسار الثالث فهو التصعيد الانتخابي، عبر المطالبة بانتخابات باكرة والدفع باتجاه معركة كبرى تعيد ترتيب الأولويات لدى الناخب، وقال فاراج في برمنغهام إنه يعتقد بأن الانتخابات ستجري العام المقبل، واصفاً رئيس الوزراء آندي بيرنهام بأنه "المسيح من دون تفويض"، ومنطق هذا الخيار أن الاستقطاب يعيد التماسك إلى اليمين، وكلفته أن الاستطلاعات الحالية لا تعده بالفوز، وأن مبادرة الدعوة إلى انتخابات ليست بيده أصلاً.
الأرجح أن يجمع فاراج بين الأول والثالث، لأنهما يشبهانه، ولأن الثاني يتطلب تنازلاً عن السيطرة، والمؤشر الحاسم تجاه نياته سيظهر في هوية من يحل محل جوكس، فإن جاء البديل من الدائرة نفسها فالحزب اختار الاستمرار، وإن جاء من خارجها بصلاحيات مالية وإدارية حقيقية فثمة تحول فعلي، والمؤشر الآخر هو قرار مفوض المعايير البرلمانية في هِبة فاراج المشبوهة، إذ إن أي إيقاف للنائب وزعيم الحزب يتجاوز 10 أيام، ينقل الأزمة من ملف صحافي إلى إجراء دستوري.
أما على صعيد المنفعة، فسيستفيد حزب "المحافظين" من أزمة فاراج أكثر من غيره، لا لأنه أقنع أحداً، بل لأنه بقي واقفاً، وقد سجل أعلى نسبة له منذ يناير الماضي في استطلاع "مور إن كومون" نفسه، بعد سلسلة انشقاقات أفرغته من نصف رموزه، ويستفيد "ريستور" بطريقة مختلفة، فأربع نقاط لا تصنع كتلة برلمانية في نظام الغالبية البسيطة، لكنها كافية لإسقاط "ريفورم" في دوائر متقاربة، وقد لاحظ عالم السياسة تيم بيل أن أثر "ريستور" سيتحدد إلى حد بعيد بكيفية ردّ فاراج عليه، لا بحجمه الذاتي. وأخيراً يستفيد حزب "العمال" من دون أن يفعل شيئاً، إذ يتقدم بفارق ضئيل على يمين منقسم على نفسه.
يبقى السؤال الأهم: هل ما يحدث يعني نهاية "ريفورم"؟ لكن الأرقام الحالية تستبعد ذلك، فحزب يملك ثمانية نواب وعشرات المقاعد في برلماني ويلز واسكتلندا، وقيادة 26 مجلساً محلياً، وقاعدة عضوية هي الأكبر في البلاد، لا ينهار في موسم واحد، والانتخابات العامة المقبلة لا تزال على بعد نحو 1000 يوم في أقصى تقدير، لكن الانهيار ليس الاحتمال الوحيد المقابل للصعود، فالمصير الأكثر ترجيحاً هو التحول من قوة تكتسح إلى قوة تعطل، أي حزب يبقى عند خُمس الناخبين، ويحرم خصومه الغالبية من دون أن يبلغها.
والمفارقة أن فاراج قضى عقداً يقنع البريطانيين بأن من يحكمهم هي طبقة مغلقة تدير أموالها بعيداً من أعينهم، وهو اليوم مطالب بأن يثبت العكس عن نفسه بالوثائق لا بالخطابة، والاختبار الحقيقي لن يقع في قاعة برمنغهام ولا في مكتب مفوض المعايير، بل في صناديق الانتخابات المحلية في مايو 2027، حين يتبين ما إذا كان الغاضبون من المؤسسة قد قرروا أن حزبه صار جزءاً منها.