ملخص
يهدد الرئيس الأرجنتيني بتصعيد المواجهة مع بريطانيا لاستعادة جزر فوكلاند، مستنداً إلى دعم ترمب وتحول تدريجي في القدرات العسكرية الأرجنتينية. لكن الفجوة لا تزال واسعة مع بريطانيا، التي رغم تراجع إنفاقها الدفاعي وتهالك بعض قدراتها، تحتفظ بتفوق عسكري واستخباراتي يجعلها أكثر قدرة على الدفاع عن الجزر وردع أي تحرك أرجنتيني.
خاطب رئيس الأرجنتين خافيير ميلي شعبه الخميس الماضي قائلاً إن البلاد "ستنتصر" في جهودها لاستعادة جزر فوكلاند، وذلك بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيعيد النظر في موقف الولايات المتحدة المحايد منذ فترة طويلة من النزاع على الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي. وشكك ميلي في قدرة المملكة المتحدة على الدفاع عن الجزر.
وبعدما حظي بدعم ترمب، قال الرئيس الأرجنتيني في كلمة متلفزة إنه سيفرض عقوبات على شركات النفط التي تنقب عن النفط في الإقليم البريطاني ما وراء البحار، في خطوة من شأنها على الأرجح تصعيد التوتر مع لندن.
وقال ميلي: "من الواضح أنهم في حال تراجع. لكن الأرجنتين تزدهر، وستنتصر... إن مطالبتنا الوطنية تواجه خطراً واضحاً وقائماً، وهذا يتطلب رداً متناسباً. ولن نسمح بذلك".
وجاءت تصريحات رئيس الأرجنتين بعدما ألمح الرئيس الأميركي إلى أن الولايات المتحدة قد لا تقدم المساعدة للمملكة المتحدة في حال تعرضت لهجوم، مشككاً في أن تكون لدى بريطانيا القدرات اللازمة لصد غزو آخر بمفردها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد ساعدت شراكة دفاعية موسعة مع الولايات المتحدة الأرجنتين على إحداث تحول كبير في قواتها المسلحة، وذلك بعد مرور أكثر من أربعة عقود على تعرضها لهزيمة ساحقة على يد البريطانيين في نزاع عام 1982 على جزر فوكلاند.
إلا أن محللين يعتبرون أن الأرجنتين لا تزال "بحاجة إلى سنوات قبل أن تصبح قادرة حتى على التفكير في أي خيارات عسكرية في جزر فوكلاند"، في حين لا تزال لدى بريطانيا القدرة على حشد قدراتها لتعزيز دفاعها عن الجزر والحفاظ على مكانتها كقوة عالمية، لكن ينبغي عليها التعامل مع هذه التهديدات باعتبارها "ناقوس خطر".
ما مدى قوة الجيش الأرجنتيني؟
تعمل بوينس آيرس منذ تولي ميلي السلطة عام 2023 على إعادة بناء قدراتها العسكرية تدريجياً، مستفيدة من صفقات أبرمتها مع دول أوروبية والولايات المتحدة. ومع ذلك، لا تزال الأرجنتين تنفق نحو 0.8 في المئة فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، أي ما يعادل نحو 3.9 مليار دولار. ولم تتوافر على الفور أرقام دقيقة عن عديد القوات العاملة في الخدمة الفعلية.
وقال فيليب إنغرام، الحاصل على رتبة عضو في وسام الإمبراطورية البريطانية (MBE) والضابط السابق في مجال الاستخبارات والأمن بالجيش البريطاني، لـ"اندبندنت": "الأرجنتينيون اليوم في وضع عسكري أضعف بكثير مما كانوا عليه عام 1982. وبغض النظر عما يمكن أن نقوله عن حالة الدفاع البريطاني في الوقت الراهن - وهي بالفعل في وضع مزرٍ للغاية - فإن قدرتنا على الدفاع عن جزر فوكلاند اليوم أكبر مما كانت عليه آنذاك".
وفي عام 2024، أبرمت الحكومة الأرجنتينية اتفاقاً لشراء 24 مقاتلة أميركية الصنع من طراز "أف - 16" مستعملة من الدانمارك مقابل 300 مليون دولار، ووصلت الدفعة الأولى المؤلفة من ست طائرات في ديسمبر (كانون الأول) 2025. وقدم ميلي الصفقة باعتبارها أهم عملية شراء عسكرية للأرجنتين خلال نصف قرن، فيما قالت وزارة الدفاع إن المقاتلات، التي من المقرر تسليمها على دفعات من ست طائرات سنوياً حتى عام 2028، ستشكل الركيزة الأساسية للقوات الجوية الأرجنتينية.
كذلك أعلنت بوينس آيرس في أواخر أغسطس (آب) أنها تمضي قدماً في صفقة لشراء 235 مركبة مدرعة من طراز "سترايكر" من الولايات المتحدة. وقالت الحكومة الأرجنتينية أيضاً إنها تعزز التعاون مع واشنطن من خلال تدريبات عسكرية مشتركة مع الجيش الأميركي.
وتمتلك الأرجنتين نحو 200 دبابة متوسطة من طراز "تام"، غير أن طبيعة جزر فوكلاند كثيرة المستنقعات لا توائم خوض حرب تعتمد على الدبابات.
كما أن الأسطول الأرجنتيني أضعف مما كان عليه عام 1982. فلم تعد البلاد تشغل حاملة طائرات، كما لا تمتلك غواصات عاملة. ولا تستطيع سوى نشر ثلاث مدمرات قديمة وست سفن من طراز "كورفيت". وفي حال اندلاع نزاع، ستكون خطوط الإمداد الأرجنتينية أقصر، إذ تبعد جزر فوكلاند نحو 300 ميل (483 كيلومتراً) عن البر الرئيس.
كيف تقارن قدرات الجيش الأرجنتيني بنظيرتها البريطانية؟
خفضت المملكة المتحدة إنفاقها الدفاعي مقارنة بمستوياته إبان ذروة "الحرب الباردة"، لكنها لا تزال قوة عالمية تمتلك أسطولاً بحرياً قادراً على العمل عبر المحيطات، إضافة إلى قدرتها على نشر قوات في دول أخرى.
وحتى شهر أبريل (نيسان) عام 2025، كان هناك نحو 182 ألف عنصر في القوات المسلحة البريطانية، من بينهم 147 ألفاً في الخدمة الفعلية بدوام كامل. وفي السنة المالية 2025 - 2026، أنفقت المملكة المتحدة 62 مليار جنيه استرليني (83 ملياراً و700 مليون دولار) على موازنة الدفاع، أي ما يعادل 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، ومن المتوقع أن تبلغ النسبة 2.6 في المئة عام 2026.
يشار إلى أن الحكومة البريطانية تعهدت بإنفاق ما لا يقل عن 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، لكن تقارير أفادت الأسبوع الماضي بأن وزير الخزانة الجديد جون هيلي، الذي كان قد استقال من منصب وزير الدفاع في يونيو (حزيران) الماضي بسبب نقص التمويل المخصص للقوات المسلحة، يتجه خلال إعلانه عن موازنة أكتوبر (تشرين الأول) نحو إلغاء هدفه السابق المتمثل بإنفاق ثلاثة في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2030.
وحضت الحكومات الأميركية المتعاقبة بريطانيا، إلى جانب حلفائها الآخرين في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، على زيادة الإنفاق الدفاعي لمواجهة التحديات المتنامية حول العالم، من دون الاعتماد المفرط على واشنطن. ويتفق الكولونيل إنغرام مع الرأي القائل إن ترمب كان يحاول، من خلال تصريحاته في شأن جزر فوكلاند، دفع بريطانيا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي.
ويرى الخبير البريطاني في مجال الاستخبارات والأمن أنه، على رغم الحالة المزرية نسبياً للقوات المسلحة، فإن التقدم التكنولوجي يجعل الدفاع عن جزر فوكلاند أسهل مما كان عليه في عام 1982. إذ يمكن للمملكة المتحدة، بفضل قدراتها المتقدمة على التزود بالوقود جواً، إرسال طائراتها المقاتلة مباشرة إلى الجزر من دون الحاجة إلى التوقف في المحيط الأطلسي.
وأضاف إنغرام أن المملكة المتحدة لا تزال تمتلك جهاز استخبارات عالي الكفاءة تربطه علاقات مع دول في مختلف أنحاء العالم. كما سبق أن نشرت في المنطقة مجموعة من الطائرات المقاتلة وسفينة حربية وسرية عسكرية متمركزة بصورة دائمة.
وقال: "لدينا ما يكفي لتعطيل أي نشاط أرجنتيني يتوجه نحو الجزر ومراقبته عن كثب. ويمكننا تعزيز هذه القوات بسرعة كبيرة جداً انطلاقاً من المملكة المتحدة. قد يتطلب ذلك حشد جميع القدرات المتاحة لدينا، لكننا قادرون على تعزيزها".
وأشار إنغرام إلى أن حاملتي الطائرات البريطانيتين الحديثتين من طراز "كوين إليزابيث"، اللتين يمكن لكل منهما حمل ما يصل إلى 72 طائرة، هما أكثر كفاءة من حاملات الطائرات التي كانت لدى المملكة المتحدة قبل 40 عاماً. وتمتلك "البحرية الملكية" 52 قطعة بحرية في أسطولها السطحي، إضافة إلى تسع غواصات، فيما تمتلك القوات المسلحة 1024 مركبة قتالية مدرعة، و507 طائرات حربية، ونحو 250 مروحية، و189 طائرة مسيرة.
كما أن جهاز الاستخبارات البريطاني، الذي صُنّف أخيراً باعتباره أقوى وكالة استخبارات في أوروبا، يراقب باستمرار أنشطة الأرجنتين في المنطقة.
وخلص الضابط البريطاني السابق إلى القول: "ما زلنا نُعتبر قوة عالمية، لكن بالكاد. مع ذلك، لدينا قدرة دفاعية أكبر في جزر فوكلاند من شأنها ردع الأرجنتين"، مرجحاً أن يذهب الرئيس ميلي إلى التصعيد عبر إطلاق حرب قانونية قبل اللجوء إلى عمل عسكري، وذلك في محاولة لتحويل الأنظار عن القضايا السياسية الداخلية في بلاده.
خافيير ميلي، الذي لطالما اتبع نهجاً دبلوماسياً في التعامل مع هذه القضية، كما أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر تندرج ضمن قائمة الشخصيات التي يعدها من قدوته [تاتشر هي التي قادت حملة استعادة جزر فوكلاند بعد إنزال عسكري أرجنتيني]، هدد الخميس باستخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية لـ"ردع" ما وصفه بأنه "انتهاك لسيادتنا".
بريطانيا من جهتها أكدت الجمعة الماضي أن التزامها بالدفاع عن جزر فوكلاند "مطلق ولا يتزعزع". وفيما رأى محللون أن هذه التهديدات قد تشكل "ناقوس خطر"، فإن المملكة المتحدة تمتلك اليوم قدرة أكبر على الدفاع عن تلك الجزر مما كانت عليه عام 1982.
© The Independent