ملخص
تكمن المفارقة الكبرى بالأحواز في أن البطالة والتهميش والتمييز تحدث داخل إقليم يعد من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية.
لم يكن عشرات الشبان العرب الذين تجمعوا أمام شركة "دعبل الخزاعي" لقصب السكر داخل الأحواز، يرفعون شعارات سياسية أو يطالبون بتغيير النظام السياسي في إيران. كانت مطالبهم، بحسب ما أظهرته مقاطع مصورة وتقارير حقوقية، أكثر بساطة ومباشرة "نريد حقنا في العمل، أسوة بمن تستقدمهم السلطات من خارج الإقليم لشغل الوظائف في مؤسساتها وشركاتها".
لكن هذه المطالبة سرعان ما تحولت إلى مواجهة مع قوات الأمن والشرطة شملت الضرب وإطلاق النار والتهديد، في مشهد يعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الأحواز، لماذا يعاني أبناء الأحواز البطالة والتهميش في إقليم يضم معظم منشآت النفط والغاز، والمنشآت الصناعية الكبرى وسدود المياه الضخمة ومحطات توليد الكهرباء، والمشاريع الزراعية والموانئ في إيران؟
السؤال يتجاوز هذه المرة شركة لقصب السكر أو عشرات الشبان الباحثين عن فرصة عمل، ليمتد إلى علاقة عمرها عقود بين المركز الإيراني والأحواز، وإلى سياسات الأرض والتوظيف والاستيطان الداخلي، التي يقول الأحوازيون ومنظمات حقوقية ونشطاء سياسيون إنها أدت تدريجاً إلى تقليص حضور العرب الاقتصادي والاجتماعي في مناطقهم التاريخية.
نیروهای مسلح با ضربوشتم و تیراندازی، جوانان معترض به سیاستهای استخدامی شرکت کشت و صنعت نیشکر دعبل خزاعی در اهواز را متفرق کردند.یکی از معترضان میگوید: «این جوانان همه گرسنه هستند، هیچکس ما را استخدام نمیکند آنها با اسلحه کلاشینکوف به دنبال جوانان افتادند.ما کار میخواهیم.» pic.twitter.com/LRz2qsOqR4
— سازمان حقوق بشر کارون | KHRO (@KHRO_ORG) August 31, 2026
يريدون العمل... فواجهتهم البنادق
بدأت القضية عندما تجمع نحو 100 شاب عربي، معظمهم تراوح أعمارهم ما بين 20 و32 سنة، أمام شركة "دعبل الخزاعي" لقصب السكر في منطقة كارون، مطالبين بمنح أبناء المنطقة الأولوية في فرص العمل.
وبحسب تقرير نشره موقع "إيران واير"، استمرت احتجاجاتهم نحو 10 أيام قبل أن تواجههم قوات الشرطة والأمن في الـ31 من أغسطس (آب) الماضي بالضرب وإطلاق النار والتهديد. وأظهرت مقاطع مصورة عناصر أمن يحملون أسلحة من نوع "كلاشنيكوف" في مواجهة شبان يؤكدون أنهم "جائعون" ولا يريدون سوى العمل.
وتقع شركة "دعبل الخزاعي" على الطريق بين مدينتي الأحواز وعبادان، ضمن منطقة السويسة في كارون، وتمتد على مساحة تقارب 12 ألف هكتار، وهي واحدة من سبع وحدات تابعة لشركة تطوير قصب السكر والصناعات المرتبطة به.
وتكمن المفارقة في أن عدداً من الشبان المحتجين يحملون شهادات جامعية فيما يحمل آخرون شهادات ثانوية، لكنهم وفقاً لشهادات نقلها التقرير مستعدون للعمل حتى في وظائف عمالية بسيطة. ويقولون إن الشركة أُقيمت على أراضٍ كانت مملوكة لآبائهم وأجدادهم قبل أن تستولي عليها السلطات، ومع ذلك تستقدم موظفين وعمالاً من خارج الإقليم، بينما يبقى أبناء القرى والمناطق المحيطة بها بلا عمل.
ولهذا لا تتعلق القضية، بالنسبة إلى المحتجين، بعدد الوظائف المتاحة فحسب، وإنما بسؤال أعمق هو إذا كانت السلطات تعدهم مواطنين إيرانيين، فلماذا لا تكون لهم الأولوية في الاستفادة من المشاريع الاقتصادية المقامة على أراضٍ كانت ملكاً لهم ولآبائهم وأجدادهم قبل أن تستولي عليها السلطات؟
الأرض للشركة... والبطالة لأصحابها
هنا تخرج قضية "دعبل الخزاعي" من إطار النزاع العمالي التقليدي، فمشاريع قصب السكر في الأحواز ارتبطت منذ إنشائها وتوسعها بملف مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كانت مملوكة لعرب الأحواز، وتوارثوها أباً عن جد وعاشوا على زراعتها منذ أجيال. وتشير منظمة العفو الدولية، في تقرير سابق عن مصادرة الأراضي ونقل السكان في الأحواز، إلى وقائع موثقة آنذاك تفيد بأن أكثر من 120 ألف هكتار من أراضي العرب صودرت في إطار مشروع تطوير قصب السكر، الذي بدأ خلال تسعينيات القرن الماضي، ورافقت عمليات الاستيلاء على الأراضي في حينها احتجاجات ومواجهات مع السلطات الإيرانية.
كذلك تحدث التقرير عن مصادرة نحو 47 ألف هكتار أخرى من الأراضي الزراعية في منطقة الجفير ضمن مشروع زراعي، وتسليمها إلى غير العرب، بمن فيهم عائلات وأفراد مرتبطون بالقوات الأمنية والحرس الثوري، فضلاً عن أراضٍ أخرى في مناطق مختلفة من إقليم الأحواز، نقلت إلى مؤسسات حكومية أو خصصت لتوطين غير العرب الذين استقدمتهم السلطات من العمق الإيراني.
ومن هنا يمكن فهم حساسية مشهد الشبان أمام شركة "دعبل الخزاعي". فبالنسبة إلى كثير من الأحوازيين، لا يمثل قصب السكر مجرد نشاط زراعي وصناعي، وإنما يرتبط في ذاكرتهم بمسار سياسي وديموغرافي طويل، تمثل في نزع الأراضي وتغيير أنماط الزراعة والحياة في إقليم الأحواز، ضمن سياسات ممنهجة اتبعتها السلطات الإيرانية منذ إسقاط حكم الشيخ خزعل الكعبي في المحمرة عام 1925، فضلاً عن الأضرار البيئية التي يقول السكان إنهم تحملوا قسطاً كبيراً منها.
وبذلك تتشكل معادلة ذات أبعاد سياسية وأمنية، تنتزع الأرض من أصحابها لإقامة مشروع اقتصادي كبير تحت عنوان وطني، ثم يجد أبناء الأحواز أنفسهم، بعد أعوام، مضطرين إلى الاحتجاج أمام أبواب المشروع نفسه للمطالبة بفرصة عمل، ولو بوظيفة عامل.
من التهميش الاقتصادي إلى التغيير الديموغرافي
لكن ملف العمل في الأحواز لا يمكن فصله عن قضية أوسع تتعلق بالتركيبة السكانية للإقليم، فمنذ إسقاط حكم الشيخ خزعل الكعبي عام 1925 وإخضاع الأحواز (عربستان) للحكم المركزي المباشر، دخل الإقليم مرحلة جديدة من السيطرة السياسية والإدارية والاقتصادية لطهران، رافقها توسع متدرج لمؤسسات الدولة والمنشآت النفطية والعسكرية والإدارية، وتزايد استقدام الموظفين والعمال من مناطق أخرى في إيران للعمل والاستقرار داخل الأحواز.
وخلال العقود الأولى التي أعقبت عام 1925، اعتمدت المؤسسات الحكومية والصناعات الكبرى بصورة واسعة على موظفين وعمال ناطقين بالفارسية استُقدموا من خارج الإقليم، بالتوازي مع تراجع فرص العرب، بوصفهم السكان الأصليين للأحواز، في الوصول إلى قطاعات مهمة من الإدارة والاقتصاد والاستفادة من فرص العمل التي أوجدها التوسع الصناعي والنفطي على أراضيهم.
وبالنسبة إلى الأحوازيين، لم يكن هذا التحول مجرد نتيجة طبيعية للتصنيع أو لحركة العمالة داخل الإقليم، بل ارتبط في نظرهم بسياسة ممنهجة أوسع، تداخلت فيها مصادرة الأراضي مع بناء تجمعات سكنية جديدة واستقدام غير العرب إلى الإقليم، بالتوازي مع القيود التي يواجهها العرب في حقوقهم الثقافية وفي التعليم بلغتهم الأم، وحتى في الوصول إلى الوظائف الحكومية وشبه الحكومية.
ووثقت منظمات حقوقية دولية جوانب من هذه السياسات. وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن مصادرة أراضي العرب في الأحواز اتخذت نطاقاً واسعاً إلى درجة بدت معها، وفق توصيف المنظمة، أقرب إلى سياسة غير رسمية لتجريد العرب من أراضيهم تحت غطاء مشاريع اقتصادية وتنموية، وربطت ذلك بإجراءات اقتصادية شجعت أو سهلت انتقال غير العرب إلى الإقليم.
أما خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فيشير ناشطون أحوازيون إلى تحول ديموغرافي آخر، تمثل في تزايد انتقال آلاف من أبناء قومية اللور، التي تقطن مناطق جبال زاغروس المجاورة للأحواز، ولا سيما من لرستان، وتوطينهم داخل أجزاء مختلفة من الإقليم، على امتداد جغرافي واسع يبدأ من المناطق الساحلية جنوباً، مثل بوشهر وعسلوية، ويمتد إلى مدينة الأحواز العاصمة، وصولاً إلى مدينتي الشوش التاريخية ودزفول شمالاً، حيث يقع سد الدز وخزان مياهه الذي يشكل أحد مصادر مياه الشرب في الإقليم.
ويرى الناشط الحقوقي الأحوازي عبدالكريم خلف أن "هذا التحول لا يمكن فصله عن السياسات السكانية والاقتصادية والأمنية التي شهدها الإقليم خلال العقود الماضية، ولا سيما مصادرة الأراضي وإنشاء التجمعات السكنية، واستقدام غير العرب للعمل والاستقرار في الأحواز".
وتتقاطع هذه القراءة مع ما وثقته تقارير حقوقية في شأن مصادرة مساحات واسعة من أراضي العرب وتشجيع انتقال غير العرب إلى الإقليم. أما ربط انتقال مجموعات بعينها، ولا سيما اللور، بخطة حكومية محددة، فيستند بصورة أكبر إلى قراءة الناشطين الأحوازيين لمسار هذه السياسات ونتائجها الديموغرافية على الأرض.
ويستند الأحوازيون في هذه القراءة أيضاً إلى مواقف وتصريحات صدرت عن مسؤولين إيرانيين، ومن أبرز ما يستحضرونه في هذا السياق تصريح منسوب إلى القائد السابق للحرس الثوري والأمين السابق لمجمع تشخيص مصلحة النظام والأمين الحالي للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، عقب انتفاضة أبريل (نيسان) 2005، إذ قال أمام تجمع للور والبختياريين في مدينة مسجد سليمان إنه سيصل بـ"الخيم اللرية" حتى حدود شط العرب، وهي عبارة بقيت حاضرة في الخطاب الأحوازي بوصفها مؤشراً إلى طبيعة التغيير السكاني الذي يخشاه السكان العرب.
ولهذا فإن المخاوف الديموغرافية لدى الأحوازيين لا تستند إلى حركة سكانية منفردة، وإنما إلى تراكم طويل لسياسات الأرض والعمل والإدارة والتوطين، وما أحدثته، في نظرهم، من تغييرات متدرجة في التركيبة السكانية للإقليم، وفي قدرة السكان العرب على الاحتفاظ بموقعهم الاقتصادي والاجتماعي في أرضهم التاريخية.
الوظيفة تمر عبر بوابة الأمن
تكشف احتجاجات شركة "دعبل الخزاعي" لقصب السكر عن بعد آخر لهذه المشكلة، يتمثل في تداخل سوق العمل مع المنظومة الأمنية. فبحسب شهادات نقلها تقرير "إيران واير"، ترتبط فرص العمل في عدد من الشركات الكبرى والصغرى داخل الأحواز، في حالات كثيرة، بالوساطة أو بالارتباط بمؤسسات مثل "الباسيج" والحرس الثوري.
ويقول أحد المصادر إن المتقدم إلى بعض الوظائف يسأل عما إذا كان يعرف شخصاً في الحرس الثوري أو "الباسيج"، أو لديه سجل سابق من التعاون معهما، فيما يطلب من آخرين إثبات عدم وجود سجل اعتقال سياسي لهم أو لأفراد من عائلاتهم. وإذا كانت هذه الممارسات تجري على النطاق الذي تصفه الشهادات الواردة، فإنها تعني أن الحصول على الوظيفة لا يخضع للكفاءة وحاجة سوق العمل فحسب، بل يتداخل أيضاً مع معايير الولاء السياسي والأمني للنظام.
وهنا يصبح العربي الأحوازي أكثر عرضة للإقصاء، في ظل التعامل الأمني المشدد مع الإقليم منذ عقود، وما شهده من موجات واسعة من الاعتقالات والإعدامات على خلفية الاحتجاجات والنشاط السياسي والثقافي.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة، فالاحتجاج على التمييز والحرمان قد يقود إلى الاعتقال أو فتح ملف أمني، وهذا الملف قد يتحول لاحقاً إلى سبب للحرمان من فرص العمل، فيما تعيد البطالة والتهميش إنتاج أسباب الاحتجاج من جديد. وتصبح هذه الدائرة أكثر قسوة عندما تمتد آثار السجل السياسي والأمني، وفق الشهادات الواردة، إلى أفراد الأسرة أيضاً.
ثروة تحت الأرض وفقر فوقها
تكمن المفارقة الكبرى بالأحواز في أن البطالة والتهميش والتمييز تحدث داخل إقليم يعد من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية. فالأحواز تمثل مركز الثقل الرئيس لصناعة النفط والغاز في إيران، وتضم حقولاً ومنشآت نفطية ومصافي وموانئ ومجمعات للبتروكيماويات ومحطات لتوليد الكهرباء وسدوداً مائية ومشاريع زراعية وصناعية ضخمة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي على الخليج العربي والحدود مع العراق. لكن هذه الثروة لم تنعكس بصورة متناسبة على مستوى حياة قطاعات واسعة من السكان العرب.
وهذه ليست ملاحظة سياسية أحوازية فحسب، فقد أشارت تقارير حقوقية دولية مراراً إلى التناقض بين الثروة الطبيعية الهائلة للإقليم وبين مستويات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي والتلوث ونقص الخدمات، ولا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العربية.
وهنا تتجلى إحدى أكثر صور التهميش وضوحاً، أن يعيش المواطن العربي بجوار حقل نفطي أو مجمع للبتروكيماويات أو مشروع لقصب السكر شُيد على أرض آبائه وأجداده، لكنه لا يجد بالضرورة مكاناً له في الدورة الاقتصادية التي تدور من حوله.
فإذا كانت الأرض والمياه والنفط والغاز والصناعة موجودة في الإقليم، فمن الطبيعي أن يسأل السكان العرب عن نصيبهم من فرص العمل والتنمية والخدمات التي تنتجها هذه الموارد.
لماذا يتحول العامل إلى تهديد أمني؟
ربما يكون الجانب الأكثر دلالة في احتجاج "دعبل الخزاعي" هو الطريقة التي انتقلت بها القضية من مطلب اقتصادي إلى ملف أمني. فبحسب إحدى الشهادات، قال عنصر أمني للمحتجين إن خروجهم للاحتجاج في ظروف الحرب يجعلهم في مواجهة مع النظام، فيما تحدث محتجون عن إطلاق النار قرب أقدامهم وتهديدهم بالقتل.
والمشهد هنا يتجاوز عنف الشرطة في مواجهة احتجاج عمالي. ففي الأحواز، كثيراً ما تعاملت السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات الاجتماعية والبيئية والثقافية على أنها قابلة للتحول سريعاً إلى قضية أمنية، بسبب خصوصية الإقليم القومية والسياسية وموقعه الجغرافي وثرواته النفطية.
وظهر ذلك في انتفاضة أبريل 2005، التي اندلعت عقب تسرب وثيقة أثارت مخاوف واسعة لدى العرب من وجود خطة لتغيير التركيبة السكانية للإقليم، ثم ظهر مجدداً خلال احتجاجات المياه في صيف عام 2021، حين تحولت أزمة شح المياه وحرف مجاري الأنهار باتجاه مناطق الوسط، مثل أصفهان ويزد، وتجفيف الأهوار إلى احتجاجات واسعة عمت مدن الأحواز.
وفي كل مرة تقريباً، تتقاطع المطالب المعيشية مع أسئلة الهوية والحقوق السياسية. فالماء بالنسبة إلى المزارع ليس قضية بيئية فحسب، والأرض ليست أصلاً عقارياً فحسب، والوظيفة ليست راتباً فحسب، إذ ترتبط هذه الملفات جميعها، لدى قطاع واسع من المجتمع العربي الأحوازي، بمسألة أعمق تتصل بالصراع على البقاء والحفاظ على الوجود في أرضهم، هل يستطيع أبناء الإقليم الاستمرار في العيش داخله والحفاظ على وجودهم الاجتماعي والاقتصادي وهويتهم العربية؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من قصب السكر إلى النفط والبتروكيماويات
لهذا، يبدو أن ما حدث أمام شركة "دعبل الخزاعي" لقصب السكر لا يمكن عده حادثة منفصلة، فالمحتجون يقولون إنهم يطالبون بالعمل منذ أعوام، وإن الشركة تستقدم عمالاً وموظفين من مناطق مثل يزد وأصفهان ولرستان، بينما يبقى أبناء الإقليم خارج أبوابها.
وبحسب إحدى الشهادات، قال شرطي لأحد المحتجين، بما معناه اذهب واعمل في يزد، فالعمل ليس محصوراً هنا. لكن هذا الرد يلخص جوهر المشكلة بدلاً من حلها. فالسؤال الذي يطرحه الشاب الأحوازي هو: لماذا يتعين علي مغادرة مدينتي بحثاً عن عمل، بينما تستقدم الشركة القائمة على أرضي عمالاً وموظفين من مناطق أخرى في إيران؟
وعندما يتكرر هذا النمط في قطاعات قصب السكر والنفط والغاز والبتروكيماويات والموانئ وصناعات الصلب والحديد والمؤسسات الحكومية، فإن القضية تتجاوز قرار التوظيف في شركة بعينها، لتصبح جزءاً من خلل هيكلي في علاقة السكان العرب باقتصاد إقليمهم وثرواته، وهذا ما يفسر الحساسية المتزايدة تجاه قضية "العمالة غير المحلية" في الأحواز، إذ لا ينظر إليها بوصفها منافسة عادية على فرص العمل فحسب، وإنما كونها امتداداً لسياسات اقتصادية وسكانية تراكمت آثارها على مدى عقود.
الرصاص لا يحل أزمة البطالة
في النهاية، تكشف احتجاجات شركة "دعبل الخزاعي" أن معالجة المطالب المعيشية في الأحواز بمنطق أمني، وتحويلها إلى قضايا سياسية، لا يلغي الأسباب التي دفعت الشباب إلى الاحتجاج. فقوات الشرطة والأمن تستطيع تفريق المحتجين أمام بوابة شركة، لكنها لا تستطيع بالرصاص معالجة البطالة والتمييز والحرمان من الحقوق، أو محو آثار مصادرة الأراضي، أو إقناع جيل من الشباب العربي الأحوازي بأن الثروة المحيطة بهم وتحت أقدامهم لا تعني بالضرورة أن لهم نصيباً من فرص العمل والتنمية التي تولدها.
بل إن تحويل المطالب الاقتصادية إلى ملفات أمنية وسياسية قد يقود إلى النتيجة المعاكسة، إذ يربط البطالة والحرمان، في وعي الشباب الأحوازي، بقضايا أوسع تتعلق بالأرض والهوية والتمييز القومي والاجتماعي والاقتصادي، وبعلاقتهم بالدولة الإيرانية.
وهكذا يعيد المشهد أمام شركة "دعبل الخزاعي" طرح سؤال قديم في الأحواز بصيغة جديدة، كيف يمكن لإقليم يعد من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية، وتقوم على أرضه حقول النفط والغاز والموانئ والمصانع ومشاريع قصب السكر، أن يقف أبناؤه العرب أمام أبواب هذه المنشآت مطالبين بفرصة عمل، في وقت تعمل السلطات الإيرانية، منذ عقود وتحت عناوين اقتصادية وتنموية مختلفة، على استقدام العمال من المدن الفارسية وتوطينهم داخل الأحواز؟
وعندما يكون الرد على هذا السؤال عصا أو بندقية أو اتهامات سياسية وأمنية، فإن القضية لم تعد مجرد أزمة توظيف، بل أزمة أعمق في علاقة الدولة الإيرانية بالسكان العرب الأحوازيين، وفي حقهم في العمل والاستفادة من ثروات أرضهم.