ملخص
إذا كانت جذور الحضور الإسرائيلي في أفريقيا أقدم بكثير من المرحلة الراهنة، فإن ما يستحق التوقف عنده الآن هو توقيت إعادة تنشيطه واتساع نطاقه والبيئة التي يتحرك داخلها، والوظائف الاستراتيجية التي قد تكتسبها شبكة العلاقات الجاري بناؤها، ومن هنا تبدو التحركات الراهنة أقرب إلى مسار يتبلور تدريجاً منها إلى مبادرات منفصلة، وهو ما يفرض العودة أولاً إلى خلفية العلاقة، قبل قراءة اتجاهاتها الجديدة وخريطتها الحالية.
خلال الفترة الأخيرة، بدأت تتجمع حول أفريقيا مؤشرات يصعب فصلها عن التحولات العميقة التي أصابت البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل منذ عام 2023، وما بدا في بدايته تحركاً دبلوماسياً متفرقاً أخذ، مع مرور الوقت، يكتسب اتجاهاً أكثر انتظاماً، في وقت أصبحت القارة جزءاً متزايد الأهمية من معادلات الأمن الممتدة من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى القرن الأفريقي والمحيط الهندي. فاضطراب الممرات البحرية وتبدل خرائط النفوذ وتنامي أدوار القوى الدولية والإقليمية، إلى جانب هشاشة عدد من البيئات السياسية والأمنية الأفريقية، كلها عوامل رفعت من القيمة الاستراتيجية لمواقع كانت تقرأ في السابق ضمن حسابات إقليمية أكثر محدودية.
ومن هذه الزاوية، تكتسب التحركات الإسرائيلية خلال عامي 2025 و2026 دلالة تتجاوز كل حالة منفردة، فهي تجري في بيئة أعادت فيها حرب غزة تشكيل كثير من علاقات إسرائيل الخارجية، بينما أضافت التطورات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بعداً جديداً إلى حساباتها الجيوسياسية، ولا يبدو أن تفسير هذا الحضور يمكن رده إلى الاقتصاد أو الدبلوماسية وحدهما، إذ تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا والموانئ والممرات البحرية، مع السعي إلى توسيع هامش الحركة في محيط إقليمي تتغير فيه موازين القوة بسرعة.
وإذا كانت جذور الحضور الإسرائيلي في أفريقيا أقدم بكثير من المرحلة الراهنة، فإن ما يستحق التوقف عنده الآن هو توقيت إعادة تنشيطه واتساع نطاقه والبيئة التي يتحرك داخلها، والوظائف الاستراتيجية التي قد تكتسبها شبكة العلاقات الجاري بناؤها، ومن هنا تبدو التحركات الراهنة أقرب إلى مسار يتبلور تدريجاً منها إلى مبادرات منفصلة، وهو ما يفرض العودة أولاً إلى خلفية العلاقة، قبل قراءة اتجاهاتها الجديدة وخريطتها الحالية.
علاقات ممتدة
لم تبدأ صلة إسرائيل بأفريقيا امتداداً لعلاقات ما بعد الاستقلال، بل نشأت في صراع نفوذ فرضته الحرب الباردة، وتنافس القومية العربية والحركات المناهضة للاستعمار. ومنذ الخمسينيات، رأت إسرائيل منافذ خارج الطوق العربي، ومواقع بالبحر الأحمر ودولاً تحتاج الأمن، فجمعت دبلوماسيتها المساعدة الزراعية والطبية والتدريب والتعاون العسكري والأمني.
كان الانتشار الأبرز غرب وشرق أفريقيا، فغانا كانت أول دولة أفريقية تقيم علاقات مع إسرائيل عام 1957، ثم إثيوبيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ونيجيريا والسنغال وساحل العاج، وبعدها زائير وتوغو وداهومي والكاميرون وسيراليون وليبيريا، وبمنتصف الستينيات أقامت علاقات مع 33 دولة.
وكانت جنوب أفريقيا حالة مختلفة، والتي أقامت إسرائيل معها علاقات منذ عام 1948 ثم تطورت، خصوصاً في السبعينيات والثمانينيات، إلى تعاون وثيق عسكري وأمني وتقني وتجارة أسلحة، على رغم عزلة نظام الأبارتهايد دولياً. أما السودان، فسبقت العلاقات السرية قيام الدولة، عبر اتصالات بحزب الأمة بزعامة عبدالرحمن المهدي لمواجهة النفوذ المصري، وبعد الاستقلال، التقى رئيس الوزراء عبدالله بك خليل، غولدا مائير سراً في باريس عام 1957، واستمرت قنوات حذرة بعد انقلاب عام 1958.
غير أن حربي 1967 وأكتوبر (تشرين الأول) 1973 قلبتا المعادلة، فأعادت دول أفريقية النظر في علاقاتها بإسرائيل تحت تأثير الحروب والتضامن مع فلسطين ومصالح العالم العربي، فانتهت المرحلة الأولى وتراجعت العلاقات الإسرائيلية - الأفريقية لاحقاً بصورة واضحة بمرور الوقت.
وفي السودان، عادت الصلات منذ الثمانينيات، وقتما التقى الرئيس جعفر النميري بوزير الدفاع حينئذ أرييل شارون سراً في مايو (أيار) 1982 في جبل كينيا، بتنسيق رجل الأعمال والموساد يعقوب نمرودي، لبحث إخراج اليهود الإثيوبيين عبر السودان، ممهداً لـ"عملية موسى" عام 1984، ولاحقاً أصبحت نجوى قدح الدم مستشارة الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في عامي 2019 و2020 حلقة وصل بين حكومة الفترة الانتقالية ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 بحث وفد إسرائيلي بالخرطوم التعاون العسكري والأمني، وفي السادس من يناير (كانون الثاني) 2021 وقع السودان "إعلان اتفاقات أبراهام" ضمن مسار تطبيع أكتوبر 2020، دون معاهدة سلام، وفي الثاني من فبراير (شباط) 2023 زار وزير الاستخبارات في الحكومة الإسرائيلية، إيلي كوهين الخرطوم والتقى البرهان لدفع التطبيع، لكن التوقيع أرجئ لحكومة مدنية.
مسار التنشيط
تحتفظ إسرائيل اليوم بعلاقات دبلوماسية مع الغالبية من دول القارة، وإن اختلفت طبيعتها وعمقها من دولة إلى أخرى، من شراكات سياسية وأمنية راسخة إلى تعاون اقتصادي وتقني، وصولاً إلى قنوات اتصال أقل ظهوراً مع دول لا تزال خارج دائرة العلاقات الرسمية، غير أن اللافت في المرحلة الراهنة ليس اتساع دائرة العلاقات بقدر ارتفاع مستوى الحركة داخلها، ففي أغسطس (آب) 2025 أعادت إسرائيل افتتاح سفارتها لدى لوساكا بعد أكثر من خمسة عقود، ثم قام الرئيس إسحاق هرتسوغ بزيارة زامبيا في نوفمبر من العام نفسه، بينما جاءت زيارته إلى إثيوبيا في فبراير الماضي لتؤكد الوزن الذي تمنحه إسرائيل لأديس أبابا، بوصفها دولة محورية في القارة ومركزاً سياسياً وأمنياً في شرق أفريقيا.
وفي وسط أفريقيا اتخذ مسار التنشيط الإسرائيلي منحى أكثر وضوحاً خلال هذا العام، ولا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدما تداخلت الاتصالات السياسية مع التعاون العلمي والتقني والاقتصادي، وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، كشفت زيارة وزيرة الخارجية تيريز كاييكوامبا واغنر إلى حاضنة "ساوث أب" في النقب عن انتقال التعاون إلى التكنولوجيا الزراعية وسلاسل الإمداد، بمشاركة شركات إسرائيلية تعمل بالفعل داخل الكونغو الديمقراطية، وانتهت بزيارة الرئيس فيليكس تشيسيكيدي إلى إسرائيل بين الـ31 من أغسطس الماضي والثاني من سبتمبر (أيلول) الجاري.
وتكشف السياسة الإسرائيلية تجاه الفواعل غير الدولية عن توظيف متدرج للدبلوماسية والأمن والجغرافيا لإعادة تشكيل موازين النفوذ، ففي القرن الأفريقي اتخذ المسار منحى أكثر حساسية، فقد اعترفت إسرائيل رسمياً بأرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ثم زار وزير خارجيتها هرجيسا، واستقبلت القدس رئيس أرض الصومال في يونيو (حزيران) الماضي، في تطور نقل العلاقة من الاتصالات إلى المستوى الدبلوماسي، ويجسد ذلك انتقال العلاقة من الاتصال إلى الشراكة، مستفيداً من موقعها على خليج عدن ومداخل البحر الأحمر.
وفي السودان، تبدو الاتصالات مع قوات "الدعم السريع" امتداداً لمنطق مماثل، بعدما أفادت "أفريكا إنتليجنس" بزيارتين سريتين لوفدين من "الدعم السريع" إلى إسرائيل في مايو 2025 وفبراير الماضي، ولقائهما مسؤولين إسرائيليين في الخارجية وأجهزة الاستخبارات، ضمن قنوات أمنية سبقت حرب عام 2023. ويكتسب ذلك دلالة إضافية مع إعلان قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) تحالف "تأسيس" حكومة موازية، بما يفتح، نظرياً، مساراً لبناء علاقات خارجية تسعى إلى انتزاع اعتراف بهذه السلطة الموازية، وإن لم يثبت حتى الآن اعتراف إسرائيلي رسمي بها.
عوامل مترابطة
لا تعود إسرائيل إلى أفريقيا من نقطة الصفر، وإنما تعيد اكتشاف القيمة الاستراتيجية لقارة تغيرت وظيفتها في معادلة الأمن الدولي، فالمسألة لم تعد دبلوماسية نفوذ تقليدية، بل تداخلت فيها عوامل مترابطة عدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أولاً التحول الجيوسياسي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، إذ جعلت هجمات الحوثيين وأمن الملاحة من شرق أفريقيا امتداداً مباشراً للأمن الإسرائيلي، وهو ما رفع قيمة الموانئ والجزر والمواقع المطلة على باب المندب.
ثانياً صراع النفوذ الدولي والإقليمي، إذ أصبحت أفريقيا ساحة تنافس بين قوى متعددة مثل الصين وروسيا وتركيا وإيران، مما يدفع إسرائيل إلى منع تشكل بيئات استراتيجية معادية حولها، وبناء شراكات تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
ثالثاً صعود الفواعل غير المركزية، إذ تمنح الدول الهشة والكيانات الانفصالية والقوى المحلية إسرائيل فرصاً لبناء نفوذ أمني واستخباراتي مباشر، أحياناً بكلفة سياسية أقل من التعامل مع الحكومات المركزية، وهو منطق يفسر أهمية الانفتاح على كيانات مثل أرض الصومال و"الدعم السريع".
رابعاً تتقاطع الموانئ والطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والأمن السيبراني في أفريقيا، بما يجعل النفوذ الاقتصادي أداة لإنتاج نفوذ استراتيجي، وليس هدفاً تجارياً منفصلاً.
خامساً لا يقتصر الاهتمام الإسرائيلي على توثيق الماضي، فالملفات تكشف عن خرائط العلاقات وقنوات الاتصال والوسطاء، وتحدد متى انتقلت العلاقة من الدبلوماسية إلى الأمن والاستخبارات. وأظهرت الوثائق التي أُفرج عنها أن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية القديمة في أفريقيا ظل ناقصاً من دون السجل الأرشيفي.
وبهذا المعنى، فإن تنامي الحضور الإسرائيلي داخل أفريقيا يعكس انتقال القارة من هامش السياسة الإسرائيلية إلى أحد ميادين إدارة العمق الاستراتيجي، فيما تصبح الوثيقة أداة لإعادة تركيب مسار النفوذ، لا مجرد سجل تاريخي له.
مسارات محتملة
يتوقف تنشيط إسرائيل لعلاقاتها مع القارة السمراء على تداخل المصالح الوطنية للدول الأفريقية، وحاجة هذه الدول إلى التكنولوجيا والاستثمار والخبرات الأمنية، ويمكن تصور خمسة مسارات رئيسة.
الأول الشراكة البراغماتية المتدرجة، وهو السيناريو الأرجح، إذ ستواصل إسرائيل توسيع علاقاتها الثنائية الانتقائية مع دول ترى في التكنولوجيا الزراعية وإدارة المياه والطاقة والأمن السيبراني والدفاع والابتكار أدوات مباشرة لتعزيز قدراتها الوطنية، ولن تستهدف إسرائيل بالضرورة استمالة أفريقيا ككتلة سياسية، بقدر ما ستسعى إلى بناء شبكة من الشركاء المؤثرين، خصوصاً في القرن الأفريقي وشرق القارة وغربها، بما يعزز تزايد الطلب الأفريقي على حلول عملية في مجالات الأمن الغذائي والمائي وحماية البنية التحتية والأمن الرقمي.
الثاني الشراكة الأمنية - الجيوسياسية المتقدمة، إذ قد تنتقل العلاقات في بعض المناطق من التعاون الاقتصادي والتقني إلى شراكات أمنية أكثر عمقاً، خصوصاً مع تصاعد أهمية البحر الأحمر وخليج عدن والممرات البحرية الأفريقية، وقد يؤدي ذلك إلى تنامي التعاون الاستخباراتي والأمني والعسكري، بصورة رسمية أو عبر قنوات غير معلنة، مع دول في القرن الأفريقي وشرق القارة.
الثالث التنافس على النفوذ الأفريقي، ونتيجته قد تدخل العلاقات الإسرائيلية - الأفريقية مرحلة أكثر تعقيداً نتيجة تصاعد حضور بعض القوى الدولية داخل القارة، وقد يدفع ذلك إسرائيل إلى التركيز على المجالات التي تتمتع فيها بميزة نسبية، بدلاً من محاولة منافسة هذه القوى في التمويل والبنية التحتية.
الرابع إعادة التموضع الأفريقي تجاه إسرائيل، إذ قد تشهد بعض الدول الأفريقية مراجعة تدريجية لعلاقاتها مع إسرائيل، ليس بالضرورة نتيجة أزمة سياسية مباشرة وإنما بفعل إعادة تقييم كلفة وفائدة الشراكة في ضوء التحولات الداخلية والإقليمية، وستكون الدول الأفريقية أكثر ميلاً إلى سياسة تنويع الشركاء، بحيث تحتفظ بعلاقات مع إسرائيل في المجالات التقنية والأمنية، بينما تستعين بالصين أو دول الخليج أو تركيا أو الهند في مجالات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، وبدلاً من نشوء محور أفريقي- إسرائيلي واضح، قد تتشكل علاقات متعددة الاتجاهات، تتعامل فيها كل دولة مع إسرائيل وفق حساباتها الوطنية الخاصة.
الخامس إذا ترسخت الفواعل غير الدولية مثل قوات "الدعم السريع" كقوة أمر واقع، فقد تنتقل إسرائيل من الاتصالات الأمنية غير المباشرة مع قياداتها إلى انخراط سياسي تدريجي مع القوى المرتبطة بمعسكرها، وقد يبدأ ذلك بقنوات غير رسمية ويتطور إلى تعامل سياسي محدود، إذا توافرت بيئة إقليمية ودولية مواتية.