Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسطورة الكفاءة الأوروبية تسقط أمام عطل سيارة

قد تبدو أوروبا، من منظور بريطاني، كأنها آلة متكاملة تعمل بلا خلل. لكن جاك بيرك، بعدما تعطلت سيارته، وهي فولكسفاغن تعود إلى 25 عاماً، في البرتغال، اكتشف واقعاً مختلفاً تماماً

في هذا العجز شيء قاتم يلخص جانباً من حياتنا الحديثة. فقد أنشأنا أنظمة يفترض أن تجعل حياتنا أسهل، فإذا بها تتحول إلى متاهات لا يملك فيها أحد صلاحية اتخاذ قرار بنفسه (غيتي)

ملخص

تحولت رحلة صيفية في البرتغال إلى اختبار طويل للأعطال والبيروقراطية، بعدما تركت سيارة "غولف" عمرها 25 عاماً صاحبها عالقاً بين شركة مساعدة على الطريق وشركة سحب وورش مكتظة ووعود لا تنتهي. التجربة بددت الصورة البريطانية عن الكفاءة الأوروبية المثالية، لكنها انتهت بمفارقة ساخرة: فالمتاعب وعدم القدرة على التنبؤ هما تحديداً ما يمنح السيارات القديمة والرحلات قصصها التي تستحق أن تُروى.

ثمة صورة متخيلة لدى البريطانيين عن البر الأوروبي، تبدو فيها القارة كأنها آلة إدارية هائلة ومتكاملة تعمل بلا خلل، وتسودها كفاءة بروكسلية باردة وصارمة، فيما تنساب القطارات بصمت عبر الحدود، ويجلس، في مكان ما، موظف بنظارة بلا إطار منهمكاً في متابعة معاملتك وتحديث بياناتها.

لكنني اكتشفت هذا الصيف أن ما يُبقي هذه المنظومة قائمة في الواقع هو خليط صاخب ومرتجل من رجال قساة الملامح، يُنتزعون من كؤوس شراب الكرز البرتغالي "الجينجا"، الذي يحتسونه بعد الغداء، لينطلقوا إلى إنقاذ سائقين تقطعت بهم السبل. وفي الوقت نفسه، طمأنة بعضهم بعضاً.

اختبرت ذلك بنفسي هذا الصيف، عندما تعطلت سيارتي العزيزة في البرتغال خلال مغامرة سفر استمرت ثلاثة أشهر. وعندها بدأ الكابوس.

من الممل حقاً الاستماع إلى أعطال سيارات الآخرين، لذلك سأوفر عليكم التفاصيل الفنية وأكتفي بالقول إن القابض تعطل بعد أن اصطحبت صديقي من مطار لشبونة. كنا قد سلكنا الطريق الساحلي الجميل والمتعرج N247 باتجاه غينشو، إحدى أبعد نقاط أوروبا غرباً، ثم توقفنا إلى جانب الطريق لمشاهدة الكسوف، فيما كانت الشمس تختفي فوق المحيط الأطلسي فتغمر الوجوه السمراء المبتسمة كآبة غريبة توحي بمشهد من عالم ما بعد كارثة نووية.

هوت دواسة القابض فجأة إلى أرضية السيارة ولم ترتد إلى أعلى. واستغرق وصول ميكانيكي يدعى جواو ثلاث ساعات. ظننت أن العطل في الكابل، بينما رجح صديقي الميكانيكي أن تكون المشكلة في النظام الهيدروليكي. مستحيل، قلت لنفسي، فالسيارة عمرها 25 عاماً. وهكذا، وبمساعدة بضعة برتغاليين كانوا يضحكون من الموقف لكنهم أبدوا تعاطفاً معنا، دفعنا السيارة إلى حافة الطريق وانتظرنا. كنت أعرف أننا في مأزق.

اتصلت بخدمة المساعدة على الطريق التابعة لشركة التأمين "AA"، وتحملت إجراءات التقييم الأولي المعتادة وما يصاحبها من أسئلة تثير الأعصاب، ثم أُبلغت بأن شاحنة سحب برتغالية ستُرسل "قريباً". وكان التقدير الرسمي لوصولها 90 دقيقة، مع احتمال حدوث "تأخيرات محلية"، بطبيعة الحال. وإذا كنت قد تعلمت شيئاً خلال الأشهر الثلاثة التي أمضيتها في البرتغال، فهو أن مثل هذه التأخيرات مضمونة.

ثبتنا مثلث التحذير، وتركنا أضواء الخطر تعمل، ثم أسرعنا إلى مطعم للمأكولات البحرية.

وحين حلّت الساعة الحادية عشرة ليلاً، تمشينا عائدين إلى السيارة بعد العشاء، ونحن متأكدون بنسبة 99 في المئة من أنني لن أضطر إلى قيادتها لاحقاً. لكن لم يكن لشاحنة السحب أثر. اتصلت للاستفسار، فرد عليّ أحدهم من شركة السحب بتذمر مقتضب. وشعرت بأن الرجل لا يرغب في ترك بضع كؤوس أخرى من بيرة "ساغريس" كي يأتي لإنقاذ بريطاني تقطعت به السبل، فظل يكرر وعده: "15 دقيقة... ربما". لكن ربع الساعة ذاك امتد إلى ساعتين.

وفي حال من الهذيان والتعب والإحباط، جلسنا تحت سماء تتلألأ بالنجوم ننتظر أن تظهر أخيراً شاحنة سحب ضخمة صدئة تتهادى على الطريق. وفجأة ظهر جواو. لم يكن يعرف كلمة واحدة بالإنجليزية. أدار شاحنته، فغمرنا ضوء مصابيحها الأمامية الكهرمانية، وبدونا كأرنبين مذعورين. كان يدخن بشراهة، وساعداه مغطّيان بالوشوم، ولم يحتج سوى إلى لحظات لتشخيص العطل. رفع قطعة تثبيت الكابل المكسورة وقال بالبرتغالية: "إستي". ثم مرر إصبعه على عنقه بحركة تحاكي الذبح، في إشارة يفهمها الجميع: "أنت في ورطة يا صاحبي، سآخذ السيارة معي".

رُفعت السيارة بالونش إلى منصة الشاحنة، مع وعد بأن توضع في مستودع صباحاً، ثم تُنقل إلى ورشة "قريباً". قريباً: ذلك الوعد البرتغالي الغامض والمراوغ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم بدأت دوامة الأخذ والرد، واستمرت أياماً. أتحدث إلى AA، فتتحدث الشركة إلى الجهة البرتغالية، وتتحدث الجهة البرتغالية إلى جواو، ثم يتحدث جواو إليها، ويعود إليّ جوابه مشوهاً كرسالة انتقلت بين أشخاص في لعبة الهمس. ثم أتصل بـAA مجدداً، فيخبرونني بشيء مختلف تماماً، وتدور الدائرة كأنها لعبة "السلم والثعبان"، فيما تمر المعلومات عبر طبقات متراكمة من التواصل البيروقراطي. تحركت السيارة، ثم توقفت، ثم بدا، من الناحية الإدارية، أنها أصبحت مسؤولية جهة أخرى. وكل ورشة حاولوا نقلها إليها كانت إما ممتلئة أو مغلقة للعطلة الصيفية. وللعلم، توجد 50 ورشة لإصلاح السيارات في لشبونة.

وفي مرحلة ما، أمضيت ظهيرة يوم سبت أتعلم اسم القطعة المتسببة في العطل بالبرتغالية:"jogo fixação cabo embreagem". وهذه ليست من العبارات التي يهيئك تطبيق "دوولينغو" لتعلمها. فعبارة "المرأة تأكل تفاحة" لن تفيدك كثيراً حين تكون سيارتك الفولكسفاغن عالقة في منطقة صناعية خارج لشبونة.

ومضت الآن خمسة أيام، ولا أعرف أين توجد سيارتي. يُفترض أنها لا تزال في ساحة إيداع السيارات، لكن عندما اتصلت لأسأل عن عنوان المكان بالتحديد، قوبلت بدهشة: "لكنه يوم الأحد. سنسأل يوم الاثنين". ثم أُغلق الخط.

وفي هذا العجز شيء قاتم يلخص جانباً من حياتنا الحديثة. فقد أنشأنا أنظمة يفترض أن تجعل حياتنا أسهل، فإذا بها تتحول إلى متاهات لا يملك فيها أحد صلاحية اتخاذ قرار بنفسه. أما أنا، فعالق في دوامة من تبادل المسؤولية بين البرتغال ومركز اتصال تابع لـAA في برادفورد، في مشهد يذكّر بمقالب الثنائي الكوميدي البريطاني "تشاكل براذرز": من البرتغال إلى مركز اتصال تابع لـAA في برادفورد، ثم العودة من جديد.

لا تشتهر بريطانيا، هي الأخرى، بأن شؤونها العامة تسير دائماً بسلاسة. ومع ذلك، وجدت نفسي أقع في ذلك التصرف النمطي الذي يكرره البريطانيون في الخارج، فأتمتم بأن شيئاً كهذا ما كان ليحدث في بلدي. فمهما قلت عن بريطانيا، كانت المشكلة ستحل هناك خلال 24 ساعة. كان ميكانيكي في ورشة صغيرة، في أي بلدة تعطلت فيها السيارة، سيفتح غطاء المحرك، ويعثر على القطعة المكسورة، ويصدر صوتاً بين أسنانه، ثم يخبرني بأن "فولكسفاغن" لم تعد تصنعها، لكن ديف في القرية المجاورة يستطيع صنع واحدة بحلول الغد.

لكن ربما كنت أنال بالضبط ما أستحقه. فأنا أقضي أيامي وأنا أصدع رأس كل من يقبل الاستماع إليّ بالحديث عن مزايا السيارات القديمة، وأقود سيارة "غولف" مكشوفة عمرها 25 عاماً تحديداً لما تضيفه من عنصر المفاجأة إلى كل رحلة. فلا يمكنك أن تنتقد الرتابة الخالية من الشخصية في عالم السيارات الحديثة، ثم تتذمر حين تظهر شخصية سيارتك القديمة في صورة قطعة معدنية صغيرة مكسورة عند الغسق، في أمسية صيفية بالبرتغال.

وفي النهاية، لو سارت رحلة العودة على نحو مثالي، لما كانت هناك قصة تُروى.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير