ملخص
عجزت الحكومات المتعاقبة في تونس عن معالجة جملة من الأزمات الهيكلية العميقة، واكتفت بترحيلها من مرحلة سياسية إلى أخرى، مما أدى إلى تفاقم الوضع في ظل صعوبات اقتصادية وطنية وعالمية.
يتزايد منسوب السخط الشعبي في تونس على خلفية أزمات متكررة طاولت قطاعات حيوية وخدمات أساسية من الانقطاعات المتتالية للتيار الكهربائي إلى اضطراب التزويد بالمياه، وصولاً إلى نقص الحليب والأدوية والمياه المعلبة وعدد من المواد الأساسية الأخرى.
وتزامنت هذه الاضطرابات مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة خلال فترة الصيف، مما زاد من حدة تداعيات انقطاع المياه والكهرباء على المواطنين الذين خرجوا في عدد من المناطق إلى الشوارع، مطالبين بتحسين الخدمات وتوضيح أسباب هذه الاضطرابات.
ولا تبدو هذه الأزمات، وفق قراءات عدد من المتابعين، مجرد اختلالات ظرفية مرتبطة بفصل الصيف، أو بنقص ظرفي في بعض المواد، بل تعكس مشكلات أعمق تتصل بالتخطيط والاستثمار والحوكمة وقدرة مؤسسات الدولة على الاستباق.
وفي بلد تعاقبت عليه حكومات عدة خلال الأعوام الماضية، لماذا تتكرر الأزمات نفسها كل سنة؟ وهل تكمن الأزمة في نقص الموارد، أم في طريقة إدارة الدولة لهذه الأزمات؟
الحلول ظرفية والأزمات هيكلية
يرى المتخصص في التنمية المستدامة إيهاب بن سالم أن "معالجة الأزمات الهيكلية لا يمكن أن تحصل من خلال حلول ظرفية، وإنما تتطلب معالجة جذورها وأسبابها"، موضحاً أن عدم معالجة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء اضطراب التزويد بالمياه على سبيل المثال، سيؤدي إلى تكرار الأزمة خلال الأعوام المقبلة، مهما كانت فاعلية التدخلات الظرفية".
ويضيف أن "معالجة الأزمات الهيكلية كنقص مادة الحليب، تستدعي حلولاً جذرية، وأحياناً كلفة اجتماعية، من خلال دعم الفلاح ومراجعة سعر البيع، لتوفير مردودية أعلى من إنتاج الحليب، بينما لا تتحمل المالية العمومية تبعات ذلك، علاوة على تراجع القدرة الشرائية لعموم التونسيين"، محذراً من أن "عجز الفلاح عن مجابهة كلفة الإنتاج قد تدفعه تدريجاً إلى التخلي عن إنتاج الحليب وتربية الأبقار، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة".
وأكد بن سالم أن "الإصلاح الحقيقي يتطلب إرادة واضحة للتغيير وسياسة اتصالية قادرة على شرح دوافعه وتبعاته"، لافتاً إلى أن "أية أزمة هيكلية ستظل قائمة ما لم تُعالج جذورها".
وشدد على أن "الدولة مطالبة بتقديم الحجج وشرح أسباب التغيير وفوائده على المدى المتوسط والبعيد، بما يساعد في إقناع المواطنين بجدواه، خصوصاً عندما تكون الإصلاحات ذات كلفة اجتماعية مباشرة".
وفي هذا السياق، تحدث بن سالم "عن وجود خلل في الاتصال بين الإدارة والمواطن في معالجة بعض الأزمات الراهنة، بخاصة في القطاعات الحيوية المرتبطة بالحياة اليومية مثل الماء والكهرباء والأدوية"، داعياً إلى تغيير الأساليب الاتصالية للإدارة التونسية والتخلي عن الصيغ التقليدية القائمة على البلاغات ذات اللغة التقنية الجافة، مقابل اعتماد خطاب أكثر وضوحاً وقرباً من المواطن، ومؤكداً أن الدولة مطالبة بتبسيط خطابها الاتصالي بما يساعد المواطنين في فهم تداعيات الأزمة والخيارات المعتمدة لمعالجتها".
تغيير الحكومات لا يعالج الأزمات
وبخصوص تغيير الحكومات، يقول المتخصص في التنمية المستدامة إن "تبديل الحكومات من دون تغيير السياسات العمومية لا يحل الأزمات"، مشيراً إلى أن "الأزمات الهيكلية ترتبط أساساً بمشكلات في التخطيط والبرمجة والاستباق"، ويعتقد بأن "الحل يجب أن يكون جذرياً، من خلال توفير الاعتمادات الضرورية ووجود إرادة سياسية حقيقية في التغيير، إضافة إلى تطوير التخطيط الاستراتيجي".
ويخلص بن سالم إلى أن "تتالي الأزمات الكبرى خلال أقل من عقد من الزمن، بداية من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية - الأوكرانية، ووصولاً إلى التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، كانت لها تداعيات عميقة على دولة محدودة الإمكانات والموارد مثل تونس"، غير أنه شدد على أن "جزءاً من المشكلة يرتبط أيضاً بطريقة عمل الإدارة التونسية، المطالبة بأن تكون أكثر ليونة ونجاعة، داعياً إلى التخلي عن الإجراءات البيروقراطية الثقيلة لأن الإدارة الناجعة هي التي تمتلك القدرة على الإنجاز والاستباق، ولا تكتفي برد الفعل أمام الأزمات بعد وقوعها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلل في الحوكمة والسياسات العمومية
ما يحدث في تونس لا يعكس أزمات ظرفية في توفير المياه والحليب والأدوية والتيار الكهربائي، وغيرها من المرافق والخدمات، أو نقصاً في الموارد وحسب، وإنما يكشف عن خلل أعمق في الحوكمة والسياسات العمومية.
ويحذر المتخصص في الحوكمة ومكافحة الفساد شرف الدين اليعقوبي من أن "تغيير الحكومات من دون تغيير آليات العمل يجعل البلاد تدور في الحلقة نفسها"، لافتاً إلى أن "تكرار الأزمات في التوقيت نفسه يدل على أنها لم تعُد مجرد أحداث ظرفية، بل أصبحت تعكس اختلالات هيكلية في طريقة إدارة مؤسسات الدولة للشأن العام".
ويرى أن "تأجيل الحلول الجذرية والاعتماد على ردود الفعل بدلاً من الإصلاح العميق جعلا من معالجة الأزمات في تونس أقرب لإخماد الحرائق بدلاً من منع اندلاعها"، وأن "جوهر المشكلة يكمن في الحوكمة، بما تتضمنه من تخطيط واستباق وتحديد للمسؤوليات وتوفير الموارد والمعلومة، فضلاً عن التقييم والبناء على التجارب السابقة".
وبحسب اليعقوبي، فإن "تغيير الحكومات والمسؤولين لا يكفي، في حال بقيت آليات التسيير والسياسات وطرق التفكير على حالها"، وأضاف أن "الإصلاح لا ينبغي أن يبدأ بتغيير الأشخاص، وإنما بتغيير قواعد وآليات إدارة الدولة للأزمات والسياسات العامة، ومؤسسات الدولة لا ينبغي أن تنتظر الأزمة حتى تبدأ بالبحث عن الحلول".
ويرى المتخصص في الحوكمة أن "اتصال الأزمات يجب أن يقوم على تقديم المعلومة الحقيقية وطمأنة المواطنين وشرح الحلول لأن حجب المعلومات لا يؤدي إلى اختفاء الأزمة، بل إلى فقدان الثقة بمؤسسات الدولة"، مشيراً إلى أن المعلومة الدقيقة، في الوقت المناسب، تساعد المواطن في الاستعداد والمشاركة في مواجهة الأزمة".
وللخروج من هذا الواقع، يدعو اليعقوبي إلى "الانفتاح على الخبراء وأصحاب التجربة والكفاءات، وتوزيع المسؤوليات ومنح أصحاب الاختصاص الصلاحيات والموارد اللازمة لاتخاذ القرار مقابل مساءلتهم وتقييم أدائهم، ووضع نظام حوكمة جديد قادر على الاستفادة من الأزمات وتقييم السياسات وتحديد الأولويات، والاستعداد للأخطار قبل تحولها إلى أزمات هيكلية عميقة".
ولتجاوز حال الانسداد الراهنة وجب القطع مع سياسة الترقيع والبحث عن جذور مختلف الأزمات المتكررة بالاعتماد على مخطط استراتيجي وإدارة سريعة وكفاءات وطنية والقطع مع سياسة التأجيل والإنكار.
وتكتفي شركة الكهرباء ببلاغات جافة حول المناطق المعنية بالقطع الدوري للكهرباء، بينما يتواصل غياب مياه الشرب عن مناطق عدة ولساعات طويلة وتستمر كذلك أزمة فقدان المياه المعدنية المعلبة.
ويُذكر أن مجلس النواب صادق خلال جلسة عامة في الـ10 من يوليو (تموز) الماضي، على مشروع مخطط التنمية 2030-2026 الذي يهدف إلى تحقيق تنمية شاملة وعادلة وتعزيز السيادة الغذائية والمائية والطاقية ودعم النمو الاقتصادي والتشغيل والارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية والتنمية الجهوية، فضلاً عن تحديث الإدارة والحوكمة.
ويتضمن المخطط محفظة تضم نحو 21 ألف مشروع باستثمارات تقدر بـ101.8 مليار دينار (33 مليار دولار)، موزعة على مختلف الجهات والقطاعات.
فهل ينجح المخطط في إنقاذ تونس مستقبلاً من أزماتها الهيكلية؟ وحدها الأعوام المقبلة ستكشف ذلك.