Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بطالة أكثر وعمالة أقل... هل يرفض الشباب المغربي الوظائف؟

يفسر محللون تلك المفارقة بتراجع عدد المتخصصين والتفاوت بين العرض والطلب في سوق الشغل

في أحد شوارع العاصمة الرباط، 12 سبتمبر 2018 (أ ف ب)

ملخص

أصبح من الشائع نعت الشباب بالكسل وعدم الرغبة في العمل، مع تجنب قطاع منهم لبعض الأشغال، في وقت تغيرت نظرتهم لقيمة وفعالية العمل. يوضح الباحث في علم النفس الاجتماعي محمد حبيب أن "من الخطأ اختزال ما نلاحظه اليوم في عبارة من قبيل أن الشباب لم يعد يريد العمل، فالأدق هو القول إن علاقة جيل جديد بالعمل تتغير، وإن الشباب أصبحوا يعيدون النظر في نوع العمل الذي يقبلونه، وفي الأجر وظروف الاشتغال والاستقرار والاعتراف الاجتماعي الذي ينتظرونه منه".

أصبحت بعض القطاعات مثل الزراعة والبناء وصناعة الكابلات في المغرب تشكو من ندرة اليد العاملة، في وقت تشهد البلاد أزمة عطالة، وصلت نسبتها بحسب إحصاءات رسمية في الربع الثاني من العام الحالي إلى 9.5 في المئة، وتبلغ تلك النسبة عند فئة الشباب ما بين 15 و24 سنة 27.5 في المئة، وتتجاوز 14 في المئة لدى الفئة ما بين 25 و34 سنة، في حين يصل عدد شباب "فئة نييت" (NEET) بين 15 و29 سنة 2.9 مليون شاب، والفئة ما بين 15 و34 سنة إلى 4.3 مليون. وبسبب التطور الثقافي لفئة الشباب أصبحت غالبيتهم تركز في بحثها عن فرصة عمل على عناصر مرتبطة بقدرة المنصب على خلق تغيير اقتصادي واجتماعي حقيقي.

يفسر محللون تلك المفارقة بين ندرة اليد العاملة وارتفاع نسبة العطالة بوجود عدد محدود من العمال المتخصصين، إضافة إلى عامل التفاوت المجالي بين العرض والطلب في سوق الشغل. يؤكد المتخصص في مجال التخطيط أمين سامي، أن المغرب لا يعاني نقصاً مطلقاً في عدد الأشخاص القادرين على العمل، بل يعاني ندرة في اليد العاملة المتاحة والمطابقة والمؤهلة والمستعدة للعمل بالشروط المعروضة، وفي المكان والتوقيت المطلوبين.

ويضيف سامي "يمكن القول إن المشهد المغربي يبدو لأول وهلة عصياً على الفهم، فالمصانع وشركات البناء تعلن صعوبة العثور على العمال، بينما تظهر الإحصاءات وجود بطالة مرتفعة وملايين الشباب خارج العمل والدراسة والتكوين"، موضحاً أن تلك المفارقة لا تعني أن الأرقام خاطئة، ولا أن العاطلين يرفضون جميعاً العمل، ولا أن المقاولات تبالغ في معطياتها، بل إنها في المقابل تعكس حقيقة أساس، وهي أن سوق العمل المغربية ليست سوقاً واحدة متجانسة، بل هي أسواق متعددة ومجزأة بحسب الجهة والمهنة والمؤهل والجنس والأجر، وظروف العمل والموسم وإمكانات التنقل. بالتالي، قد يكون هناك فائض من خريجي الجامعات داخل مدينة معينة، أو انخفاض في عدد البنائين المؤهلين أو سائقي الآليات داخل مدينة أخرى، وقد توجد يد عاملة قروية كثيرة في الشتاء، ثم يظهر تراجع حاد خلال أسابيع الجني، وقد تتلقى شركة الكابلات مئات طلبات التشغيل، لكنها تفقد نسبة كبيرة من العمال بعد أسابيع بسبب ظروف النقل أو نظام الورديات أو ضغط خط الإنتاج.

تغير الاعتبارات

أصبح من الشائع نعت الشباب بالكسل وعدم الرغبة في العمل، مع تجنب قطاع منهم لبعض الأشغال، في وقت تغيرت نظرتهم لقيمة وفعالية العمل. يوضح الباحث في علم النفس الاجتماعي محمد حبيب أن "من الخطأ اختزال ما نلاحظه اليوم في عبارة من قبيل أن الشباب لم يعد يريد العمل، فالأدق هو القول إن علاقة جيل جديد بالعمل تتغير، وإن الشباب أصبحوا يعيدون النظر في نوع العمل الذي يقبلونه، وفي الأجر وظروف الاشتغال والاستقرار والاعتراف الاجتماعي الذي ينتظرونه منه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى أن المعطيات تؤكد أن القضية أكثر تعقيداً من مجرد كسل أو عزوف، فبحسب المندوبية السامية للتخطيط لم يتجاوز معدل مشاركة الشباب الذين تراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة في سوق العمل 22.9 في المئة خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهو أدنى معدل بين الفئات العمرية. وأظهر تقرير حديث للمندوبية حول فئة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكويناً، وهي الفئة المعروفة بـNEET، أن نحو شاب واحد من كل ثلاثة بين 15 و29 سنة يوجد في هذه الوضعية، وهذه الفئة نفسها ليست متجانسة، فمنها الباحث عن العمل ومنها المحبط الذي توقف عن البحث، ومنها من تعترضه عوائق أسرية أو اجتماعية أو مرتبطة بالانتقال من الدراسة إلى الحياة المهنية، لذلك فعدم الاشتغال لا يعني آلياً عدم الرغبة في العمل.

ويخلص الباحث في علم النفس إلى أن ما تغير هو ما يمكن تسميته "العقد النفسي مع العمل"، فبالنسبة إلى أجيال سابقة كان الحصول على فرصة عمل يمثل في حد ذاته قيمة كبيرة، حتى عندما تكون الأجور محدودة أو ظروف الشغل شاقة، أما شاب اليوم فيسأل: ماذا سأحصل مقابل الوقت والجهد الذي سأبذله؟ هل الأجر يغطي النقل والغذاء وكلف الحياة؟ هل هناك حماية اجتماعية؟ هل سأظل في الوضع نفسه بعد خمسة أعوام؟ وهل تمنحني هذه الوظيفة الحد الأدنى من الاستقلال والكرامة المهنية؟ لهذا، فالعبارة الأدق ليست أن الشباب لا يريدون العمل، وإنما جزء منهم لم يعد مستعداً للعمل بأي ثمن وتحت أية شروط.

عوامل مباشرة

من جانبه، يفسر المتخصص في مجال التخطيط أمين سامي قلة اليد العاملة بظروف العمل في مجالات معينة، موضحاً أن قطاع صناعة الكابلات يخلق فرصاً مهمة للولوج الأول إلى الصناعة، خصوصاً للشباب والنساء، لكنه يقوم في عدد من وحداته على عمليات متكررة، وإيقاع إنتاج صارم ونظام ورديات ومراقبة جودة دقيقة ونقل جماعي مرتبط بجداول المصنع، بالتالي تظهر معادلة دوران العمال، إذ تدخل دفعات جديدة ويغادر جزء منها سريعاً فتعود المؤسسة إلى التوظيف المستمر، ويترجم ذلك إعلامياً أحياناً بـ"قلة اليد العاملة"، بينما قد يكون في حقيقته ارتفاعاً في معدل المغادرة وعدم القدرة على الاستمرار في العمل.

وبخصوص قطاع البناء، يشير إلى أنه يستوعب جزءاً من اليد العاملة القادمة من الأرياف، لكنه يقوم على المقاولة من الباطن والعمل الموقت وتغير الورشات، ومع نمو الطلب على الأشغال يظهر الانخفاض في أعداد العمال المهرة، بينما يظل العرض أكبر في فئة العمال غير المؤهلين، وهكذا يمكن أن يكون ثمة عاطلون كثر لا يمتلكون مهارة اللحام أو الكهرباء أو قيادة الآليات مثلاً، بينما تتنافس الورشات على عدد محدود من العمال ذوي الخبرة. وفي قطاع الزراعة يرتبط رفض بعض العروض الزراعية بموسمية العمل وصعوبة النقل وغياب الإقامة اللائقة، وتقلب عدد الأيام والتعرض للحرارة والمبيدات وضعف الحماية الاجتماعية، وقد يقبل العامل الأجر اليومي إذا ضمن العمل لعدد كافٍ من الأيام، لكنه يرفض الانتقال لعشرات الكيلومترات من أجل العمل لمدة ثلاثة أو أربعة أيام بصورة غير مضمونة.

ويشير الباحث في علم النفس الاجتماعي محمد حبيب إلى تأثير تحولات ثقافية واجتماعية عميقة في نظرة الشباب للعمل، باعتبار أن التعليم رفع سقف التطلعات، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت مرجعيات المقارنة، لكون الشاب لم يعد يقارن وضعه فقط بجاره أو بأقرانه في مدينته، بل يتعرض يومياً لنماذج نجاح واستهلاك وأنماط حياة من مختلف أنحاء العالم.

ويوضح الباحث أنه من منظور علم النفس الاجتماعي، تسهم هذه المقارنات في إعادة تشكيل تصور الفرد لما يعده نجاحاً أو فشلاً، وما يتصوره وظيفة لائقة في مشروع حياته، مضيفاً أن هذا التحول يؤثر بالضرورة في الإقبال على بعض المهن اليدوية أو تلك المجهدة، مثل العمل الفلاحي والبناء وبعض الأنشطة الصناعية، لكن ينبغي هنا التمييز بين وجود صعوبة لدى بعض المشغلين في استقطاب اليد العاملة، وبين القول إن هذه القطاعات لم تعد تخلق فرص الشغل، فمعطيات مندوبية التخطيط لعام 2025 تظهر أن قطاع البناء والأشغال العمومية أحدث نحو 64 ألف منصب شغل إضافي، والصناعة نحو 46 ألفاً، في حين فقد قطاع الفلاحة والغابة والصيد نحو 41 ألف منصب، مما يعني أن المشكلة قد تكون، في جانب منها، عدم التطابق بين فرص العمل المعروضة وما أصبح العامل الشاب مستعداً لقبوله، وليس مجرد اختفاء لليد العاملة.

ويشير الباحث إلى أنه "لا يمكن تجاهل الهجرة، فحين يرى شاب أن المهنة نفسها أو المهارة نفسها يمكن أن تمنحه أجراً ووضعاً اجتماعياً أفضل في بلد آخر، تتغير تلقائياً طريقته في تقييم العرض المتاح محلياً"، مبدياً تحفظه على تحويل الهجرة أو شبكات التواصل أو أي عامل منفرد إلى تفسير شامل، فنحن أمام ظاهرة متعددة الأسباب.

من ناحيته، يلفت أمين سامي النظر إلى أسباب عملية، منها الجفاف الذي يضعف بصورة كبيرة الطلب على العمل، ففي الزراعة البورية يؤدي نقص الأمطار إلى تقليص المساحات المزروعة وتراجع الحرث والحصاد والرعي وانخفاض دخل الضيعات، وبذلك لا يؤدي الجفاف في مرحلته الأولى إلى انخفاض في اليد العاملة، بل أيضاً إلى اختفاء أيام العمل نفسها، بالتالي يسهم الجفاف في خلق تراجع لاحق، إذ يسهم توالي المواسم الجافة في دفع الشباب للهجرة نحو المدينة، أو الانتقال للعمل في قطاع آخر، أو محاولة الهجرة إلى الخارج، بالتالي حين تتحسن الظروف أو يأتي موسم جني مكثف في الضيعات المسقية، يكتشف مجال الفلاحة أن العمال الشباب الذين كانوا يشكلون احتياطه الموسمي لم يعودوا موجودين.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي