ملخص
تختبر موجة الانتقالات حزبي "الحمامة" و"الجرار" على السواء، ذلك أن الأول يواجه تحدي الحفاظ على تماسك قواعده وإقناع مرشحيه وناخبيه بجدوى الاستمرار داخل صفوفه، بينما الثاني يعول على توسيع قاعدة مرشحيه والاستفادة من وجوه ذات تجربة انتخابية ومؤسساتية.
على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية في سبتمبر (أيلول) المقبل، تحول الود السياسي الذي دام بضع سنوات بين حزبين يشكلان ركيزة التحالف الحكومي الحالي بالمغرب، هما "الأحرار" و"الأصالة والمعاصرة"، إلى ممارسة "تكسير العظام" بين الهيئتين السياسيتين.
وضمن موجة لافتة من الترحال الحزبي، استقطب حزب "الأصالة والمعاصرة" برمزه "الجرار"، العديد من البرلمانيين والمنتخبين من حزب "الأحرار" برمزه "الحمامة"، وهو ما أشعل موجة من تبادل الاتهامات الحادة بين الحزبيين في الغالبية الحكومية.
وتختبر موجة الانتقالات حزبي "الحمامة" و"الجرار" على السواء، ذلك أن الأول يواجه تحدي الحفاظ على تماسك قواعده وإقناع مرشحيه وناخبيه بجدوى الاستمرار داخل صفوفه، بينما الثاني يعول على توسيع قاعدة مرشحيه والاستفادة من وجوه ذات تجربة انتخابية ومؤسساتية.
مواجهات ساخنة
بدأت أولى المواجهات المباشرة بين حزبي "الحمامة" و"الجرار"، اللذين يقودان الحكومة المغربية إلى جانب "الاستقلال"، بقرار انضمام وزير الموازنة فوزي لقجع إلى "الجرار"، إذ اعتبر قياديو "الحمامة" أن الأمر يتعلق باستقطاب في "الدقيقة التسعين" من مباراة الانتخابات.
واشتعلت المواجهة أكثر عندما قرر منتخبون وبرلمانيون من حزب "الحمامة" الرحيل إلى حزب "الجرار"، الذي يبدو من خلال المزاج السياسي العام بالبلاد أنه قد يتصدر الانتخابات لا سيما مع قرار انضمام لقجع بما يشكله من وزن حكومي وسياسي إلى "الجرار".
وانتقل النائب البرلماني والشخصية القيادية بالصحراء المغربية الخطاط ينجا من حزب "الحمامة" إلى "الجرار"، وهو ما فعله أيضاً البرلماني عن إقليم ميدلت، مروان شباعتو، كذلك أمسك مقود "الجرار" كل من البرلمانيين عثمان بادل، ومنال بادل، ونور الدين قشيبل، وبوشتى بوصوف وآخرون، قادمين من حزب "الحمامة".
هذه الانتقالات التي تسمى في العرف السياسي المغربي بالترحال الحزبي، دفعت حزب "الأحرار" إلى توجيه اتهامات مباشرة رسمية إلى غريمه الانتخابي وحليفه الحكومي، بممارسة ضغوطات لاستمالة منتخبيه وبرلمانييه من أجل الانتقال إلى "الجرار".
وأشعل رئيس مجلس النواب المغربي، رشيد الطالبي العلمي، وهو أحد أبرز قيادات "الأحرار"، هذه الاتهامات من خلال تصريحات تضمنها تسريب صوتي له انتقد فيه استقطاب طريقة جلب شخصيات من خارج الأحزاب السياسية، في إشارة إلى الوزير لقجع.
واتهم العلمي العمليات التي يقوم بها لقجع لاستمالة البرلمانيين والمنتخبين بالاعتماد على "ترهيب وترغيب" المترشحين وإطلاق الوعود، رافضاً أن يتولى لقجع حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية في الحكومة المقبلة، لأن هذه الوزارة تعود إلى نادية فتاح العلوي المنتمية إلى "الأحرار"، بحسب تعبيره.
حزب "الجرار" لم يظل مكتوف الأيدي طويلاً، بل سارع إلى إصدار بلاغ نفى فيه اتهامات الاستمالة والاستقطاب والإكراه، مستنداً في ذلك إلى التجريم القانوني لهذه الممارسات، وإلى مبدأ حرية الاختيار والانتماء السياسي الذي تكفله المرجعيات الدولية ودستور المملكة.
وبعد أن أفاد "الجرار" بأنه يعتمد على الحوار والإقناع واستقطاب الطاقات والكفاءات التي تقتنع بمشروعه السياسي، بعيداً من أي شكل من أشكال الضغط أو الإكراه"، لافتاً إلى أن غريمه "الحمامة" الذي يشتكي من الترحال كان قد عمد إلى استقطاب العديد من البرلمانيين بلغ عددهم 17 نائباً من حزب "الجرار" في انتخابات عام 2021.
خزان انتخابي
في السياق، يرى الباحث في السياسة والتواصل، أسامة باجي، أن ما يحدث بين حزبي "التجمع الوطني للأحرار" و"الأصالة والمعاصرة" يستحق أن يُقرأ خارج قاموس "الاستقطاب" و"الاستمالة"، باعتباره ظاهرة تكشف، في نظره، عن جوانب من بنية الحقل السياسي المغربي أكثر مما تعكس خلافاً عابراً بين حزبين.
وأوضح باجي أن استهداف "خزان الأحرار" من طرف حزب "الأصالة والمعاصرة" مفهوم من الناحية السياسية، لأن "الجرار" حين استقطب عدداً من المنتخبين، نقل معه شبكة من العلاقات والولاءات والموارد الانتخابية التي راكمها حزب "الأحرار"؛ غير أن اختزال العملية في ضغوط يمارسها طرف واحد يظل قراءة ناقصة، موضحاً أن الترحال السياسي يحتاج، في المقابل، إلى وجود حزب مستقطب ومنتخب قابل لإعادة التموضع.
وأبرز الباحث في السياسة والتواصل أن الجانب الأكثر دلالة في هذه الظاهرة يتمثل في الإشكال الذي تطرحه في شأن معنى الحزب نفسه. وتساءل "ماذا يبقى من الهوية الحزبية حين يستطيع منتخب أن ينتقل من تنظيم إلى آخر من دون أن يمر انتقاله بالضرورة عبر تحول في القناعة أو المشروع؟"، قبل أن يضيف أن الأحزاب تتحول تدريجاً، في ظل هذا المسار، من فضاءات لإنتاج الاختيارات السياسية إلى منصات لإدارة التنافس على المواقع.
وبخصوص رهان بعض الراحلين على حظوظ حزب "الأصالة والمعاصرة"، يرى باجي أن الأمر يظل احتمالاً، وقد يكون جزءاً من قراءة مبكرة لموازين القوى الانتخابية، لكنه سجل، في المقابل، مفارقة تتمثل في أن النخب التي تنتقل بحثاً عن الحزب الأقرب إلى الفوز قد تصبح، من خلال انتقالها، شريكة في صناعة هذا الفوز.
تبادل الأدوار
وأفاد الباحث في السياسة والتواصل بأن الصراع بين "الحمامة" و"الجرار" ليس وليد الموجة الحالية من الانتقالات، بل يندرج ضمن تنافس ممتد على مواقع النفوذ داخل الخريطة الانتخابية، مذكراً بأن حزب "الأحرار" نفسه سبق أن استقطب، في مراحل سابقة، قيادات ومنتخبين من أحزاب أخرى، وهو ما يعني، بحسبه، أن الطرف الذي يشتكي اليوم من هجرة منتخبيه سبق أن استفاد بدوره من ظاهرة الانتقال.
وبناءً على ذلك، يرفض باجي اختزال المشهد في صورة "جرار يستقطب وحمامة تُستنزف"، معتبراً أن الأمر يتعلق بمنطق سياسي تتبادل فيه الأحزاب أدوار المستقطِب والمستقطب بحسب موازين القوة، ومن هذا المنظور، يصبح الصراع بين الحزبين صراعاً على من يمتلك القدرة على إعادة تركيب الخريطة الانتخابية قبل أن تتولى صناديق الاقتراع إعادة تركيبها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي قراءة أعمق، يرى أن ظاهرة الترحال تكشف أيضاً عن هشاشة العلاقة بين الحزب والمجتمع، فحين يصبح الانتقال بين التنظيمات ممكناً من دون كلفة رمزية أو سياسية كبيرة، فإن ذلك يعني، في تقديره، أن الانتماء الحزبي لم يعد بالضرورة نتاجاً لمسار نضالي، وإنما يتحول إلى تموقع داخل شبكة من المصالح والفرص الانتخابية.
وخلص باجي إلى أن "هشاشة الحزب تبدو، في نهاية المطاف، مرتبطة بهشاشة المشروع؛ إذ إن الحزب الذي لا يستند إلى ذاكرة نضالية وهوية سياسية، ولا يمتلك قاعدة اجتماعية تتجاوز الأشخاص والاستحقاقات الانتخابية، يصبح أكثر قابلية للتحول إلى مجرد وعاء انتخابي".
اختلالات وأزمة تحالفات
وإذا كانت موجة الانتقالات الحالية تكشف عن صراع انتخابي على المواقع والنفوذ بين حزبي "الأحرار" و"الأصالة والمعاصرة"، فإن تداعياتها تتجاوز حدود المنافسة بين طرفين في الغالبية الحكومية، لتطرح أسئلة أوسع حول طبيعة التحالفات الحزبية، وحدود تماسكها، ومدى قدرة الأحزاب على الحفاظ على هويتها وقواعدها في ظل منطق انتخابي يقوم بصورة متزايدة على استقطاب الأعيان والوجوه الانتخابية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو ظاهرة الترحال مجرد انتقال أفراد من تنظيم إلى آخر، وإنما مؤشراً على اختلالات أعمق في الممارسة الحزبية وفي علاقة التنظيمات السياسية بقواعدها وبالمجتمع، وهو ما يفتح النقاش حول مدى قدرة هذه الأحزاب والتحالفات التي تشكلها على إنتاج ممارسة سياسية أكثر استقراراً وديمقراطية.
في السياق، أكد إدريس لكريني، أستاذ الحياة السياسية بجامعة مراكش، أن الممارسات الحزبية الحالية في المغرب تعكس بشكل جلي هشاشة التحالفات الحكومية، واصفاً إياها بأنها تركيبات هجينة ومرحلية في مجملها.
وأوضح لكريني أن هذه الصيغ التحالفية تعجز، بأي حال من الأحوال، عن تحقيق تحول ديمقراطي يرتقي إلى مستوى تطلعات الشارع والمواطن المغربي، كذلك لا يمكنها أن تفضي إلى إرساء تناوب سياسي حقيقي ومستدام.
وفي سياق متصل، اعتبر المتحدث أن هذه السلوكيات تكشف عن أزمة عميقة في الديمقراطية الداخلية للمكونات الحزبية؛ إذ تجسد بوضوح هيمنة القرارات الفوقية على حساب القواعد الشعبية.
وأضاف الأستاذ الجامعي أن الأحزاب السياسية أضحت تراهن على فئات الأعيان والمصالح الانتخابية الضيقة، مما أدى إلى تغييب الشباب وعرقلة مبدأ التداول السليم على مراكز القرار داخل التنظيمات السياسية.
وشدد على أن لهذه الديناميات تداعيات وخيمة على المواطن والمشهد السياسي بأسره؛ إذ تسهم في تمييع العمل الحزبي وتكرس العزوف عن المشاركة الانتخابية والسياسية.
وختم لكريني حديثه بالتأكيد على أن هذه النهج يعمق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويزيد من بلقنة المشهد السياسي نتيجة غياب الآليات الديمقراطية في إدارة الاستحقاقات الانتخابية، التي يُفترض بها تقديم صورة إيجابية وعصرية عن الأحزاب.