Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفيدرالية ومستقبل إيران: ضرورات المرحلة وإرث الماضي

أسهمت المركزية تاريخياً في تهميش عدد كبير من الشعوب غير الفارسية فضلاً عن بعض الأقليات الدينية والمذهبية

التنوع حقيقة تاريخية واجتماعية لا يمكن القضاء عليها من خلال سياسات الصهر القسري (رويترز) 

ملخص

يرى مراقبون أن نظاماً جمهورياً لا مركزياً وفيدرالياً، لا يمثل البنية السياسية الأنسب لمستقبل إيران فحسب، بل قد يكون الفرصة الحقيقية الوحيدة لتحقيق التقدم والتنمية المستدامة، وإقامة نظام حر وديمقراطي وتقدمي يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية.

يبدو أن استمرار البنية الحالية للنظام الإيراني لا يتيح إمكان إحداث تحول جذري أو تحقيق انتقال مستدام نحو الديمقراطية والحرية والمساواة، وبعبارة أكثر وضوحاً فإن أية محاولة للإصلاح ضمن الإطار القائم لا تفضي إلى تغييرات بنيوية، بل تسهم في إعادة إنتاج النظام القائم نفسه.
ومن هنا، فإن مستقبل إيران السياسي يتطلب الانتقال من هذا النظام وتصميم بنية سياسية جديدة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى طرح شعار الفيدرالية بوصفه تكتيكاً واستراتيجية في الوقت نفسه.

تتنوع المعارضة الإيرانية بين القوى السياسية المركزية والمتمحورة حول الشعب الفارسي التي تشدد على الحفاظ على دولة مركزية، ومن جهة أخرى توجد القوى السياسية المنتمية إلى الشعوب غير الفارسية، التي تطالب بإنهاء مركزية السلطة وإقامة نظام لا مركزي وفيدرالي.

ويمكن للفيدرالية التكتيكية أن تشكل جسراً للحوار والتكامل بين هذه التيارات، من دون أن يضطر أي منه إلى التخلي عن مواقفه الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، يمكنها أن تتيح تشكيل وتمثيل هيئة موحدة على المستوى الدولي.

اختيار النظام المناسب

يعتمد اختيار النظام السياسي المناسب على مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والاقتصادية والأمنية، وإذا كان البلد متعدداً قومياً ولغوياً وثقافياً ودينياً، فإن عوامل متعددة تجعله يكسب أهمية حاسمة، منها مستوى الثقة بين الشعوب والمجتمعات المختلفة والحكومة المركزية وطريقة توزيع السلطة السياسية والموارد الطبيعية والاستفادة منها. وتؤدي هذه العوامل دوراً مباشراً وحاسماً في نجاح أية بنية سياسية أو فشلها، ولذلك ينبغي مراعاتها بصورة متزامنة ومنهجية عند تصميم النظام السياسي المستقبلي.

استناداً إلى مجمل العوامل المذكورة، أعتقد أن نظاماً جمهورياً لا مركزياً وفيدرالياً، لا يمثل البنية السياسية الأنسب لمستقبل إيران فحسب، بل قد يكون الفرصة الحقيقية الوحيدة لتحقيق التقدم والتنمية المستدامة، وإقامة نظام حر وديمقراطي وتقدمي يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية.

شواهد من التاريخ الإيراني

يظهر التاريخ السياسي لإيران أن بنية الحكم، وعلى مدى قرون، لم تكن في كثير من المراحل مركزية بالصورة التي نعرفها اليوم، بل كانت تدار بطريقة لا مركزية وتحمل سمات شبيهة بالفيدرالية التقليدية.

فمنذ بداية العصر الصفوي في أوائل القرن الـ16 وحتى ما قبل وصول رضا شاه إلى الحكم، أي قبل خمسة قرون، كانت التقسيمات الإدارية تقوم على أساس الأقاليم والولايات، وكانت كل منطقة تتمتع بدرجة من الحكم الذاتي في إدارة شؤونها الداخلية. وقد اتبعت الحكومات الصفوية والأفشارية والزندية والقاجارية، كل بطريقتها، هذا النمط اللامركزي.

لذلك لا يمكن اعتبار الفيدرالية مجرد مفهوم مستورد أو غريب عن تاريخ إيران، إذ يمكن بوضوح ملاحظة بعض عناصر اللامركزية والإدارة الذاتية الإقليمية في تاريخ البلاد، ويوفر هذا الإرث التاريخي أرضية مناسبة لإحياء بنية فيدرالية حديثة وديمقراطية.

حقائق جغرافية وقومية تدعم الفيدرالية

إيران دولة شاسعة تضم مناطق جغرافية شديدة الاختلاف من حيث المناخ والتضاريس، وإمكان الوصول إلى الموارد المائية، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وحتى لو افترضنا أن إيران دولة متجانسة تماماً من الناحيتين القومية واللغوية، فإن اتساع أراضيها والتباينات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية بين مناطقها المختلفة تبرر، في حد ذاتها، الحاجة إلى نظام لا مركزي أو فيدرالي.

وقد أثبتت تجارب دول واسعة وناجحة، مثل ألمانيا والولايات المتحدة والبرازيل وكندا والهند وأستراليا، أن البنى الفيدرالية لا تساعد في تحقيق الاستقرار والتنمية فحسب، بل تقدم أيضاً استجابات أكثر ملاءمة للاحتياجات المحلية.

تعد إيران من أكثر دول المنطقة تنوعاً من الناحية القومية واللغوية والثقافية والدينية، ويعيش فيها عدد من الشعوب، مثل العرب والترك، بمن فيهم الأذربيجانيون والتركمان والقشقائيون، إضافة إلى الفرس والكرد والبلوش واللور، فضلاً عن مجموعات قومية ودينية أخرى، مثل الأرمن والآشوريين والكلدان والصابئة المندائيين.

وهذا التنوع حقيقة تاريخية واجتماعية لا يمكن القضاء عليها من خلال سياسات الصهر القسري، بل إن تلك السياسات تحول التنوع إلى مصدر للتوتر والقمع، وعلى النظام المستقبلي في إيران أن يتعامل مع هذا التنوع، لا بوصفه تهديداً، وإنما باعتباره ثروة وطنية وخلاصة لتجارب تاريخية مرت بها شعوب ومجتمعات أخرى، وأن يعترف به رسمياً.

قرن من السلطة المركزة والتهميش

شهدت إيران خلال أكثر من قرن، ولا سيما منذ عهد رضا شاه، تركيزاً متزايداً للسلطتين السياسية والإدارية في طهران، إلى جانب تطبيق سياسات قسرية للصهر والتوحيد اللغوي والثقافي. وقد أسهم ذلك في تهميش عدد كبير من الشعوب غير الفارسية، فضلاً عن بعض الأقليات الدينية والمذهبية.
في سياق هذه العملية، ساعدت القوى الفارسية، بالتنسيق مع المؤسسات الدينية الشيعية وبدعم منها، في تعزيز المركزية وتقييد حقوق الشعوب غير الفارسية وهوياتها. وكانت نتيجة هذه السياسات تراكم مشاعر التمييز وانعدام الثقة والاستياء لدى المجتمعات المهمشة التي تعرضت لاضطهاد مضاعف. وإذا لم تتم الاستجابة لهذه المظالم في الوقت المناسب، فقد تتحول، بدلاً من أن تكون أساساً للتعاون والبناء، إلى عامل يؤجج الصراعات والعنف، وربما الحرب الأهلية.

شهدت العقود الأخيرة، ولا سيما بفضل ثورة المعلومات وانتشار الإنترنت، ارتفاعاً غير مسبوق في مستوى الوعي السياسي والاجتماعي لدى الشعوب غير الفارسية والمجتمعات المهمشة.

ولم تعد المطالبة بالحقوق القومية واللغوية والثقافية والسياسية، وفي مقدمها حق تقرير المصير، مسألة محصورة في النخب السياسية، بل تحولت إلى وعي عام لا يمكن احتواؤه من خلال وسائل القمع التقليدية أو التجاهل.

وبعبارة أخرى، فإن ما كان من الممكن في الماضي إخفاؤه أو قمعه، بصورة علنية أو غير علنية، ضمن إطار السياسات المركزية، أصبح اليوم مطلباً سياسياً واضحاً وواسع النطاق، فقد "خرج المارد من القمقم".

وعليه، فإن الحل المستدام لا يتمثل في قمع هذه المطالب، بل في إنشاء بنية سياسية تستطيع الاستجابة لها ضمن إطار الديمقراطية والدستور والمؤسسات المستقلة.

طرح قضايا التمييز

سعت المنظمات السياسية وممثلو الشعوب غير الفارسية، خلال العقود الماضية، إلى طرح قضايا التمييز القومي واللغوي والمذهبي على المستويين الإقليمي والدولي.

ونتيجة لذلك، ازداد الوعي والحساسية داخل المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية والرأي العام العالمي تجاه قضايا مثل التمييز القومي، ومعاداة العرب، والتمييز ضد السنة، ورهاب الكرد، وغيرها من أشكال التمييز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد يؤدي استمرار الوضع الحالي من دون تقديم حل سياسي ديمقراطي وشامل إلى تعميق الفجوة بين المركز والمناطق المختلفة، وزيادة عزلة إيران على المستوى الدولي، ويبدو لي أن الفيدرالية يمكن أن تقدم استجابة سياسية وقانونية وديمقراطية لهذه المطالب، وأن تحسن صورة إيران أمام المجتمع الدولي، ففي النظام الفيدرالي، يستطيع المواطنون والمجتمعات المحلية الحفاظ على هوياتهم القومية واللغوية والثقافية، وفي الوقت نفسه المشاركة ضمن إطار سياسي مشترك.

وتظهر التجربة التاريخية لإيران أنه كلما ضعفت الحكومة المركزية، ظهرت في بعض المناطق حركات سياسية تطالب بالحكم الذاتي. ويمكن مشاهدة نماذج من ذلك في "حركة الغابة"، وحركة الشيخ محمد خياباني، وانتفاضة العقيد محمد تقي خان بسيان، والتطورات التي شهدتها أذربيجان وكردستان و"عربستان / الأحواز" في مراحل تاريخية مختلفة.

الفيدرالية لتعزيز الديمقراطية

وتثبت هذه التجربة أن المركزية لا تضمن بالضرورة وحدة إيران، بل قد تتحول هي نفسها إلى عامل يؤدي إلى التفكك. فالفيدرالية ليست مجرد تقسيم إداري أو اقتصادي، فإذا صممت بطريقة صحيحة، يمكن أن تكون إحدى أعمق الأدوات لتحقيق الديمقراطية.

فالديمقراطية تعني مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم، وينبغي ألا تقتصر هذه المشاركة على مستوى الحكومة المركزية، بل يجب أن تكون ممكنة على مختلف المستويات السياسية والمحلية والإقليمية.

ومن هذا المنطلق، يمكن للفيدرالية أن تشكل أحد العوائق الأساسية أمام إعادة إنتاج الديكتاتورية، سواء حملت اسم الجمهورية أو أي مسمى سياسي آخر.

استناداً إلى مجمل العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية السابقة، أرى أن الجمهورية اللامركزية والفيدرالية هي البنية الأنسب لمستقبل إيران، ومن شأن هذه البنية أن تعزز الديمقراطية على المستويين المحلي والوطني، وتضمن المساواة السياسية والمساواة في المواطنة لجميع الشعوب، وتساعد في تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد بصورة عادلة، تهيئ الظروف لممارسة حق تقرير المصير الداخلي، ضمن الحدود الحالية المعترف بها، واستناداً إلى القانون والمؤسسات الديمقراطية على المستويين المحلي والمركزي.

بين المركز والمناطق

أعتقد أنه لا يمكن تحقيق أي من المزايا السابقة بسهولة في ظل جمهورية موحدة وشديدة المركزية، فالمشكلة الأساسية لا تتعلق بمجرد اختيار النظام الجمهوري، أو باسمه، بل تتمثل في تركز السلطة السياسية في المركز، وفي غياب الثقة التاريخية بين المركز وعدد كبير من مناطق إيران ومجتمعاتها.

وإذا حمل النظام السياسي المستقبلي اسم الجمهورية، لكنه حافظ على البنية المركزية السابقة نفسها وعلى علاقات القوة غير المتكافئة ذاتها، فسيظل خطر إعادة إنتاج انعدام الثقة والتمييز والاستياء، وصولاً إلى التفكك السياسي، قائماً.

لهذا السبب، لا يكفي تغيير اسم النظام أو استبدال الأشخاص الحاكمين، إذ يجب أيضاً إحداث تغيير جذري في بنية السلطة نفسها. أما الاتحاد السياسي المستقبلي لإيران فيجب أن يقوم على الرضا والاتفاق والضمان المتبادل بين الوحدات المكونة له، لا على الإكراه الذي يفرضه مركز قوي. فالاتحاد القسري، حتى وإن بدا مستقراً في الظاهر، ينطوي في داخله على انقسامات يمكن أن تدفع البلاد نحو الانهيار عند وقوع أول أزمة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل