Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطبقة المتوسطة بأحلامها المهزومة في فيلم "الدعوة"

4 شخصيات مأزومة تتواجه داخل البيت المغلق

مشهد الأصدقاء داخل البيت (ملف الفيلم)

ملخص

يتخذ الفيلم الأميركي "الدعوة" The Invite، إخراج أوليفيا وايلد، وسيناريو ويل مكورماك ورشيدة جونز، من البيت مسرحاً لصدام شخصياته الأربع، ونكاد لا نرى سواها في الفيلم.

الدعوة التي وجهها اعتباطاً، الثنائي الأول (آنجيلا، جو)، بهدف قضاء أمسية تعارف خفيفة، للجيران الجدد (بينا، هاوك)، اتضح مع الوقت أنها أقرب إلى صرخة استغاثة. كأنها طلب نجدة أخيرة من العالم الخارجي، ضد ما يسري في حميمية الداخل من جفاء وإنكار وبرودة. أي كل ما يتناقض بحكم التعريف، مع ما ينبغي أن يكون عليه البيت. لكن الاستغاثة من طرف، قد تصبح دعوة إلى اللعب أو التجريب الخفيف عند آخرين، لا يعانون وطأة البيت الثقيلة، لأنهم ربما لا يمتلكون بيتاً بالمعنى نفسه.

إنه صدام بين عالمين على نحو ما، ذلك الذي نشهده في العمل المأخوذ عن فيلم إسباني صدر عام 2020، بعنوان "سنتمنتالي" Sentimental من كتابة وإخراج سيسك غاي، ونهض السيناريو على مسرحية ألفها الفنان نفسه. عالم الاستقرار المرتب، والصورة المحافظة لأسرة تمكنت من تجاوز عثرات اقتصادية وعدم تحقق شخصي، كان جو (سيث روغين) مغنياً واعداً في شبابه، أسس فرقة موسيقية نجحت بأغنية واحدة، ثم اختفت من الساحة الفنية، وهو يعمل الآن مدرساً مساعداً في معهد موسيقي متواضع. الفيلم يبدأ بفوتومونتاج، لـ"جو" يستعيد ذكريات تحققه العابر موسيقياً وعاطفياً رفقة زوجته "آنجيلا" (أوليفيا وايلد، وهي أيضاً مخرجة الفيلم)، وقد شاركته هذا النجاح، قبل أن تنحل الرابطة في صمت، ويعيش كل منهما اغترابه النفسي عن الآخر داخل البيت نفسه. أما العالم الثاني، فتعبر فيه "بينا" (بينلوبي كروز) عن نشوتها الجنسية الغامرة بكل قوة ومن دون أدنى اعتبار للخارج، مع شريكها المولع بالسجاجيد غريب الأطوار للوهلة الأولى "هاوك" (إدوارد نورتون).

جيران مريبون

ينهض الفيلم بصورة أساسية على الحوار بين الشخصيات الأربع، بما أن الأحداث تنحصر داخل حميمية البيت، باستثناء افتتاحية الفيلم، ومن دون أن تطل إحدى الشخصيات مرة من النافذة على الشارع. ومع ما في هذا التحدي من خطر إملال المتفرج، تجذب غرابة أطوار المدعوين "بينا" و"هاوك" اهتمامنا، في محاولة للتعرف على مآربهما الحقيقية من هذه الزيارة التي انتظراها طويلاً على الأرجح. إن أزمة زواج "جو" و"آنجيلا" واضحة منذ اللحظة الأولى، في استعادة "جو" لسعادة زالت، وهو يوجه بصبر نافد طلبة يتربصون بتعليماته في العزف. وكذلك هوس "آنجيلا" بالنظام، وإصرارها على الدعوة التي لم يوافق عليها "جو" المتعب ذو المزاج السيئ، ويصمم بدوره، ربما كنوع من الانتقام الخفي من زوجته، على استدعاء مسألة الأصوات المرتفعة التي تصدرها الجارة "بينا" كل ليلة. حتى هوس "جو" بنشوة جارته، وهو يعترف بجمالها وجاذبيتها، لكن أيضاً بأنه لا يطيق زوجها. كل هذا يبدو مقروئاً للمتفرج، كأزمة مزمنة في العلاقة بين الزوجين.

ما يثير الانتباه أكثر شخصية "بينا"، وتمتعها بحضور حسي جريء، هي الطبيبة النفسية والاختصاصية الجنسية الإسبانية التي تعمل وتعيش في أميركا، لكنها لم تتخلص بعد من بقايا لكنتها الأصلية، مما يستدعي تطفل "هاوك" باستمرار عليها لتصحيح عباراتها. ثم "هاوك" نفسه، الإطفائي "مكافح النيران"، كما يطلق على نفسه، الذي لا يكف عن استحضار ما يبقيه "جو" سراً إلى النور. إنه يعلق على شجار الزوجين وقد سمعه الضيفان على الباب، ويعلق على عدم راحة جو أثناء اللقاء، حتى يكاد الأخير، أن يفجر غضبه ويتبجح في الإشارة إلى الأصوات المزعجة ليلاً.

وإذا كان سيناريو الفيلم، يصنع من هذا الارتياب في الغريبين، موضوعاً محفزاً للفرجة وأيضاً على الضحك، بما أن كل فريق يكشف بمحض وجوده، مواطن غرابة الفريق الآخر، فإن الفيلم لا يسقط لحسن الحظ في فخ التنميط ويكشف لا سيما في نصفه الثاني عن إنسانية هذين الغريبين وعاديتهما. إن المسألة تتعلق أساساً باختيارات كل شخصية، كان يمكن لـ"بينا" أن تصير "آنجيلا"، حين يأست من إصلاح ارتباطها الأول، وعلمت أن "العلاقة انتهت". وحتى "هاوك"، الذي يتضح أنه اسم ابتدعه بعد مأساة وفاة زوجته الأولى، كان يمكن أن يستسلم لحالة الاستياء من العالم التي توقف عندها "جو".

أفلام سابقة

يعد فيلم "الدعوة" استكمالاً لأفلام أخرى قاربت مأزق العلاقات الزوجية المعاصرة ما بعد انطفاء الشغف - بلغة هذا الزمان! - مقارنة بالوعود والبدايات المتألقة التي لم تصمد مع الحياة. وكلها أفلام تضع في اعتبارها عنصرين جوهريين، الأول هو مدى التحقق الشخصي لطرفي العلاقة، والثاني السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تدور خلاله العلاقة. شاهدنا شيئاً من هذا مثلاً في فيلم Revolutionary road من إخراج سام ميندز عام 2008، إذ تحلل جوهر العلاقة مع التغيرات النفسية التي رافقت تحولات طبقية واقتصادية عاشتها الشخصيتان الرئيسيان. وكذلك La La Land من إخراج داميان شازيل عام 2016، وهنا أيضاً بدا الحب رفيقاً ملازماً للشغف بالموسيقى والطموح الشخصي في تحقيق أثر فني عظيم، ثم انفرط عقد هذا الحب مع خيبة الفرد في حلمه التي حصلت كجزء من تراجع نجاح موسيقى الجاز في العالم.

لعل الأحدث بين الأفلام التي يذكرنا بها "الدعوة"، موضوعاً لا شكلاً، هو الفرنسي "تشريح سقوط" Anatomie d’une chute من إخراج جوستين تريت عام 2023، إذ نرى المرأة أقوى في تحمل عبء الحياة اليومية، وفي السعي إلى استمرار العمل الإبداعي وسط بيئة معادية وشعور متنام بالاستياء عند الزوج، إلى أن تقاطع حادثة وفاته مسعاها الإنساني والفني. يبدو "الدعوة" في المقابل متخلصاً من الدراما الضاغطة في الأفلام السابقة، والنهايات التراجيدية لأبطالها. إنه فيلم الطبقة المتوسطة التي وصفها ذات يوم المخرج المصري الراحل داوود عبدالسيد بأنهم في الغالب أشخاص "يمشون جنب الحيط"، ويموتون كذلك جنب الحيط، مع محاولة البقاء خارج حيز الكوارث الكبرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يخفق "جو" في إنجاح فرقته الموسيقية واستمرارها فقط، لكن كذلك في استقرار البيت الذي يعيش فيه وزوجته وابنته، ويحتوي هذا الصدام. هو بيت أبويه الذي ورثه عنهما، وهو ما تبوح به "آنجيلا" لـ"هاوك" في إحدى لحظات انفرادهما. هو لم يستطع حتى أن يغير محل إقامته. وحين يجيبها "هاوك": "ومن في أميركا يستطيع امتلاك اليوم أي شيء؟"، في إشارة إلى ظرف اقتصادي أضخم من أحلام الفرد، تؤكد "آنجيلا" أن الموضوع كله جرح لا يحب "جو" مسه في نقاشاته مع الآخرين.

ربما تكمن مشكلة "جو" و"آنجيلا" من جانب، في عجزهما عن التمرد على خيال الطبقة المتوسطة هذا، وتخيل أفق آخر للحياة، وهي بالضبط المشكلة التي تشير إليها "بينا" أكثر من مرة في حديثها معهما. إننا لم نعرف حتى، كيف كانت حياة "آنجيلا" قبل لقائها بـ"جو"، إلا تقريباً ما تصفه من مشهد اللقاء الأول بعينين لامعتين. فضلاً عن الصورة الفوتوغرافية التي أخذتها في لحظة تجل شبابية، وتكتفي اليوم بتعليقها على جدار بيتها. فلو غادرت "آنجيلا" العلاقة، كما توحي أحياناً عباراتها الحوارية، من دون وعي منها أو قصد، فإلى أين يمكن أن تذهب في الحياة؟ علاوة على أن سيناريو الفيلم ينصب على حاضر "آنجيلا" الممتلئ بالتوتر ونوبات الهلع وتصور أسوأ السيناريوهات، ولا نكاد نتعرف على صورة الزوجة خارج إطار هذا الزواج.

خيالات كوميدية

يستخدم السيناريو موضوع حفلات الجنس الجماعي، التي يتضح أن الجارين منخرطين فيها، مرة لاستفزاز المتفرج للمتابعة وإضحاكه، ومرة أخرى للكشف عن صبيانية البطلين الأساسيين. يتحمس "جو" على الفور للمغامرة، ولا تبدي "آنجيلا" أي تحفظ على الدعوة. وبهذا يشير إلى شبه النكوص الشخصي الذي بلغه الزوجان، كما لو أنهما ارتدا إلى مرحلة مراهقتهما. لكن المخرجة أوليفيا وايلد تنجح في تقديم الفكرة كمجاز لما هو أكبر من ممارسة جسدية منفتحة. إن الدعوة الحقيقية التي يحملها عنوان الفيلم، هي الدعوة إلى الخروج من الانغلاق، من البيت ضمنياً، واستكشاف احتمالات أخرى. وأحدها في الأقل، هو ما يمثله الزوجان الغربيان، وهما لم يلتقيا منذ زمن بعيد، "أقل من عام" كما تقول "بينا". المدة نفسها تقريباً، التي تشهد إعلان الزوجين المكبوتين تخليهما الصامت عن العلاقة، حفاظاً على الابنة "ماغي"، الغائبة عن الليلة وعن الفيلم كله.

ربما لن تستمر علاقة "بينا" بـ"هاوك" لزمن أطول، ولن تبقى إلى الأبد. كما أن مشهد الرحيل المفاجئ للغريبين، كأنهما تبخرا من غرفة استقبال "جو" و"آنجيلا"، مع تعليق الأخيرة "غريب!"، وكأنهما مجرد شبحين، لم يلبيا فعلاً هذه الدعوة، إنما هو انفجار المكبوت بين "آنجيلا" و"جو". أو بالأحرى، بين أحدهما ونفسه. ذلك أن مبلغ الاستياء الحقيقي عند كليهما هو استياء من الذات التي آلت إلى هذه التعاسة. "الدعوة" فيلم ذكي، محفز على التفكير ومضحك، يصلح كرثاء لأجيال فقدت صلتها بنفسها في بحر الاقتصاد العالمي المتلاطم ووعوده الخاوية.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما