ملخص
في الخلاصة، الرهان الإيراني الحقيقي ليس على "الديمقراطيين ضد الجمهوريين" أو "معارضة آيزنكوت ضد نتنياهو". إنه رهان على معادلة الوقت والإنهاك السياسي فالانتخابات وتغير موازين القوة وصولاً إلى التفاوض من موقع أفضل. لهذا، فإن أخطر شيء على إيران هو انتصار سريع وواضح لترمب ونتنياهو، وأفضل شيء لها هو أن يصل الاثنان إلى الانتخابات وهما يواجهان سؤالاً واحداً من ناخبيهما، "ماذا حققتما" في حربكما؟
تختلف انتخابات الكونغرس الأميركي النصفية عن انتخابات الكنيست الإسرائيلية من حيث الأهمية والانعكاسات. وفي ظروف الحرب القائمة بين البلدين من جهة والنظام الإيراني من جهة أخرى، فإن مجريات الانتخابات المذكورة ستدخل في صلب الصراع. سيحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تخفيف انعكاسات الحرب مع إيران على الأوضاع المعيشية داخل بلاده خوفاً من ذهاب أصوات الناخبين إلى منافسين ديمقراطيين أو آخرين، مما يجعل قدراته اللاحقة في قيادة البلاد محكومة أكثر بتوازنات الكونغرس.
ويذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى انتخاباته وهو يقول للناخبين إنه الرجل الذي هزم إيران، وهو لا يزال يقاتلها على جبهات لبنان وسوريا والعراق واليمن، ولذلك على الناخبين أن يجددوا له بدلاً من الذهاب نحو دعم غادي آيزنكوت وائتلافه غير الواضح.
وفي المقابل، تتمسك إيران بمواقفها القصوى مقابل مواقف ترمب القصوى، لكنها تراقب. فليس هَم المسؤولين الإيرانيين فوز الديمقراطيين على الجمهوريين أو العكس، وليس من أولوياتهم تدعيم مواقع آيزنكوت الذي لا يختلف كثيراً في أولوياته الإقليمية أو المحلية عن أولويات نتنياهو.
الرهان الإيراني على الانتخابات في "البلدين العدوين" مهم جداً في حسابات طهران، لكنه رهان على الزمن والشد والجذب السياسيين أكثر من كونه رغبة في فوز منافسين أو بدلاء في إسرائيل أو أميركا.
الحرب الأميركية – الإيرانية المستمرة بكل صورها أدت عملياً إلى تراجع شعبية ترمب إلى نحو 33 في المئة بحسب "رويترز"، وتستعد إسرائيل، التي تغيب عن الصدام المباشر حتى الآن، لانتخابات الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في وقت لا يزال التجديد لنتنياهو في رئاسة الحكومة غير مضمون.
الاهتمام الذي يرافقه عدم اليقين حول شعبية القادة في أميركا وإسرائيل ليس له ما يماثله في إيران، فلا أميركا ولا إسرائيل ولا أي أحد في العالم ينتظر تغييراً ديمقراطياً في بلد اعتاد قمع معارضي نظامه وقتل الألوف منهم. لا أحد يسأل في إيران عن اتجاهات الرأي العام وتأثيرها في قائد لا يحاسب، وإن كان مراقبون كثر يشيرون إلى حجم الاستياء الشعبي واستعداد الجمهور الإيراني للانتفاض مرة أخرى ضد السلطات الدينية العسكرية في أي لحظة، لكن ما يجري في أميركا والغرب مختلف ويستحق إجراء الحسابات.
تراهن إيران على الانتخابات الأميركية لأنها ترى أن مصلحتها تقتضي ذلك، فكل شهر إضافي من الحرب يزيد من ارتفاع كلفة الحرب على الأميركيين ويدفع نحو ارتفاع أسعار الوقود مما يؤدي إلى تراجع شعبية ترمب، ويقود في اعتقاد الإيرانيين إلى ممارسة مزيد من الضغوط عليه للبحث عن تسوية معهم.
لا تخفي تقارير حديثة أن الحرب الإيرانية أصبحت عبئاً انتخابياً على الجمهوريين وأنصار ترمب، وأن بعض المرشحين الجمهوريين يحاولون التمايز عن الرئيس وسياساته.
لذلك، يعمد قادة إيرانيون إلى الامتناع عن تقديم انتصار سياسي لترمب، معتبرين أن الوقت يعمل ضده. لا يعني هذا أن إيران تريد بالضرورة استمرار الحرب بلا حدود، فهي تحتاج إلى تجنب خسائر استراتيجية أكبر ستكون حتمية في حالة صدام عسكري مفتوح، ولذلك نرى أيضاً إشارات إلى استعدادها لبحث شروط لإعادة فتح مضيق هرمز.
على الجبهة الإسرائيلية تأتي الانتخابات في مرتبة الأمور المصيرية بالنسبة إلى نتنياهو، والرهانات الإيرانية، هنا، تحتل مكانة أكثر حيوية. فنتنياهو يحتاج أن يخوض الانتخابات وهو قادر على القول للإسرائيليين "أنا الرجل الذي واجه إيران وحمى إسرائيل". لكن استمرار الحرب سيقول العكس ولا يضمن له الفوز، بل إن الحرب الطويلة يمكن أن تتحول إلى سؤال انتخابي معاكس، إذا كانت إيران ما زالت قادرة على الصمود، فلماذا استمرت الحرب؟ وما الثمن الذي دفعته إسرائيل؟ وهذه أسئلة طُرحت وتُطرح منذ زمن.
كما أن إيران تعي تماماً ما يعانيه نتنياهو، ولذلك فهي تمنع "حزب الله" من التقدم بأي خطوة تخدم المفاوضات الرسمية اللبنانية - الإسرائيلية، وتمارس في المقابل حرباً على الدولة اللبنانية وتبقي على جذوة الانفجار ملتهبة، ولو كان الثمن تدمير ما تبقى من الجنوب وصولاً إلى بيروت. وفي الآونة الأخيرة زاد القادة في طهران من شد وثاق الحالة اللبنانية بمصالحهم. وإضافة إلى رئيس مجلس النواب محمد باقر قاليباف الذي اعتبر أن "حزب الله" ضحى من أجل إيران أكثر مما ضحت إيران من أجل نفسها، جاء محسن رضائي أمين سر مجلس الأمن القومي ليعد لبنان جزءاً وامتداداً لإيران، قبل أن يُتوج وزير الخارجية عباس عراقجي هذه المحبة بإبلاغ ممثل المجلس الشيعي اللبناني أن إيران تضم 90 مليوناً ومع لبنان تصبح 95.
بكل هذه المحبة الإيرانية تواجه طهران الدولة اللبنانية وسعيها لإنهاء الاحتلال، وهي بذلك تمنع لبنان من تحقيق أهدافه، لكنها تسهل لنتنياهو المحارب مهمته. فمن قال إن هذا المسؤول يريد تسوية وانسحاباً من لبنان، وأنه يستفيد من الموقف الإيراني لمعاندة موقف ترمب الذي يوصف بالداعم للحقوق اللبنانية؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نعود إلى الأساس، الانتخابات الإسرائيلية، إذ هناك بالفعل استطلاعات وتحليلات تشير إلى منافسة شديدة. حيث تعطي بعض الاستطلاعات معسكر المعارضة في حدود 58 مقعداً مقابل نحو 52 لمعسكر نتنياهو، أي إن لا أحد يملك حتى الآن طريقاً مضموناً إلى غالبية الـ61 مقعداً. وهذا أمر يستحق الانتظار والمواظبة في كل حال وهو ما تفعله طهران على "طريقتها اللبنانية".
وينطلق جوهر الاستراتيجية الإيرانية كما يبدو، من اعتقاد القيادة الإيرانية بأن ترمب ونتنياهو لديهما مصلحة في إظهار أن الحرب انتهت بانتصارهما. أما إيران فلديها مصلحة في منع حصولهما على هذا "الانتصار" قبل الانتخابات. ولهذا تستريح طهران لحالة "لا حرب ولا سلام" مما يعني لا استسلام إيرانياً، ولا اتفاق كبيراً يمنح ترمب انتصاراً.
وفي الوقت نفسه منع انهيار النظام الإيراني، والهرب من حرب شاملة جديدة، في انتظار تغيير البيئة السياسية المحيطة. لكن الخصوم سيحاولون القيام بعكس ما يراه النظام الديني - الأمني.
ربما ينجح ترمب في عقد اتفاق قبل الانتخابات، سيحاول تقديمه باعتباره "السلام الذي فرضه بالقوة". وهذا قد يدعم موقفه، خصوصاً إذا تضمن قيوداً حقيقية على البرنامج النووي الإيراني. وربما تستمر الحرب حتى الانتخابات، وهذا سيناريو مزعج، إذ إن ارتفاع الأسعار والخسائر وعدم وجود نهاية واضحة يمكن أن يتحول إلى عقوبة انتخابية للجمهوريين، كما أنه يجب ألا ننسى أن الحرب غير المحسومة تضر بصورة ترمب كـ"صانع سلام".
المخرج الثالث ربما يكون على شاكلة تسوية موقتة وغامضة، وهذا ربما هو السيناريو الأكثر واقعية، وقف إطلاق نار أو تفاهم مرحلي يسمح لترمب بالقول إنه أوقف الحرب، فيما تحتفظ إيران بأوراقها الأساس، لكن ماذا عن مصير نتنياهو؟ هنا المخاطرة أكبر. إذا دخل نتنياهو الانتخابات وقد استطاع القول "لقد أضعفنا إيران، أوقفنا خطرها النووي، وأعدنا الأمن لإسرائيل" فقد يستعيد جزءاً مهماً من موقعه. أما إذا دخلها و"الحرب مستمرة، وإيران لم تسقط، والاقتصاد متضرر، والعلاقة مع ترمب متوترة"، فإن خصومه يستطيعون تحويل الحرب من مصدر قوة إلى دليل على فشل القيادة. وليس سراً أن هناك بالفعل توتراً بين حسابات ترمب وحسابات نتنياهو، فترمب يريد في مرحلة ما مخرجاً سياسياً، بينما نتنياهو يواجه حسابات أمنية وانتخابية مختلفة.
في الخلاصة، الرهان الإيراني الحقيقي ليس على "الديمقراطيين ضد الجمهوريين" أو "معارضة آيزنكوت ضد نتنياهو". إنه رهان على معادلة الوقت والإنهاك السياسي فالانتخابات وتغير موازين القوة وصولاً إلى التفاوض من موقع أفضل. لهذا، فإن أخطر شيء على إيران هو انتصار سريع وواضح لترمب ونتنياهو، وأفضل شيء لها هو أن يصل الاثنان إلى الانتخابات وهما يواجهان سؤالاً واحداً من ناخبيهما "ماذا حققتما" في حربكما؟ ومن هنا، قد تكون الأسابيع المقبلة حتى الانتخابات الأميركية والإسرائيلية أهم مرحلة في الصراع الإيراني –الأميركي – الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب، فقد تنفجر الجبهات أو تنشب حروب موضعية يخوضها الوكلاء. ومع ذلك ستبقى الانتخابات الأميركية محطة مفصلية، ما قبلها يختلف على الأرجح عما بعدها.