ملخص
في وقت ينتظر التونسيون إجراءات فورية وصارمة لحل الأزمات، جاء خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد مثيراً لكثير من الجدل، بعدما اعتبر أن انقطاع الماء والكهرباء في بعض مناطق تونس لم يكن مجرد أعطال عادية، بل نتيجة "أعمال مدبرة" تهدف إلى تأجيج الأوضاع ونشر الأكاذيب والإشاعات لإرباك المواطنين.
تسللت دعوات إقالة الحكومة التونسية من داخل معسكر أبناء المسار نفسه، في وقت تعيش البلاد على وقع أزمات متراكمة، من انقطاعات الماء والكهرباء ونقص عدد من المواد الأساس، إلى تداعيات موجة الحر غير المسبوقة، مما أدى إلى توتر الأوضاع وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، لكن هل تتحمل الحكومة وحدها مسؤولية الوضع الراهن؟ أم أن اتساع صلاحيات رئيس الجمهورية يجعله شريكاً أساساً في المسؤولية؟ وهل تغيير الحكومة قادر فعلاً على معالجة الأزمة في البلاد؟
عبء إضافي
النائب فوزي الدعاس قال إن تونس تعيش اليوم وضعاً مزرياً، في ظل انقطاع الماء والكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، معتبراً أن المواطن أنهكته الأزمات وأصبح يبحث عن أبسط حقوقه في الحياة الكريمة.
وبيَّن الدعاس أن السلطة، بدلاً من الاعتراف بالمسؤولية والبحث عن حلول، تعود في كل مرة إلى خطاب "المتآمرين" والأشباح" وتحميل المسؤولية للغير، متسائلاً عمن يحكم تونس اليوم؟ ومن يملك القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية؟".
وأضاف النائب أن رئيس الجمهورية، باعتباره رأس السلطة التنفيذية، يتحمل مسؤولية سياسية مباشرة عن أداء الدولة وما تقدمه من خدمات، مشيراً إلى أن الدستور يحدد صلاحيات واضحة لرئيس الجمهورية في رسم السياسة العامة للدولة وتحديد اختياراتها الأساس، وأكد أن السلطة لا يمكن أن تكون حاضرة بقوة في اتخاذ القرار ثم تغيب المسؤولية عند ظهور الأزمات، معتبراً أن المسؤولية السياسية تلازم ممارسة السلطة.
وانتقد الدعاس خطابات رئاسة الجمهورية وبلاغاتها المتكررة، معتبراً أنها أصبحت، بالنسبة إلى جزء من المواطنين، عبئاً إضافياً بدلاً من أن تكون مصدراً للطمأنة، مشدداً على أن المواطن لا يحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى الماء والكهرباء وحلول واضحة ومسؤولين يتحملون مسؤولياتهم.
وفي وقت ينتظر التونسيون إجراءات فورية وصارمة لحل الأزمات، جاء خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد مثيراً لكثير من الجدل، بعدما اعتبر أن انقطاع الماء والكهرباء داخل بعض مناطق تونس لم يكن مجرد أعطال عادية، بل نتيجة "أعمال مدبرة" تهدف إلى تأجيج الأوضاع ونشر الأكاذيب والإشاعات لإرباك المواطنين.
ووفقاً لما أكده رئيس الجمهورية، فإن الأبحاث أثبتت أن هذه الظواهر تتجاوز الحالات العادية، وترتبط بـمخططات إجرامية تستهدف زعزعة استقرار البلاد.
في سياق متصل، قالت النائبة فاطمة المسدي إن دعم رئيس الجمهورية لم يكن "صكاً على بياض"، مؤكدة أن التونسيين دعموه لأنهم آمنوا بأن تونس تستحق دولة قوية وقادرة على حماية مواطنيها وضمان أبسط حقوقهم.
وتساءلت المسدي عن الحل وموعد انتهاء هذه المعاناة، مؤكدة أن رئيس الجمهورية، باعتباره رئيس الدولة، يتحمل مسؤولية سياسية عن خيارات التعيين إذا ثبت فشل المسؤولين الذين اختيروا في إدارة الدولة واستباق الأزمات.
تحوير في الخيارات لا في الأسماء
وعدت النائبة فاطمة المسدي أن التحوير الحكومي المنتظر لا يجب أن يقتصر على تغيير بعض الوزراء وإعادة توزيع المسؤوليات، مؤكدة أن تونس اليوم لا تعاني نقصاً في الأسماء والكفاءات، وإنما أزمة في القرار وفي طريقة إدارة الدولة.
وقالت إن المرحلة الحالية، في ظل أزمات الماء والكهرباء والاقتصاد والنقل والصحة وغيرها، لم تعد تحتمل وزراء يكتفون بتسيير الأعمال أو بتنفيذ التعليمات، بل تتطلب كفاءات قادرة على المبادرة واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وأضافت المسدي أن التحوير المقبل سيكون اختباراً سياسياً للرئيس، قائلة إن تغيير الوجوه مع الإبقاء على نفس طريقة الحكم لن يغير واقع البلاد، في حين أن إنقاذ الدولة يتطلب اختيار الكفاءة ومنحها صلاحيات حقيقية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وختمت بالقول إن تونس لم تعد تحتمل مرحلة التجريب، وإن التحوير الحكومي يجب أن يكون فرصة حقيقية لتصحيح طريقة إدارة الدولة قبل أن تصبح كلفة الفشل أكبر من قدرة البلاد على تحملها.
من جهة أخرى، أصدرت أربعة أحزاب ديمقراطية ويسارية، هي حزب "القطب" و"الحزب الاشتراكي" وحزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" وحزب "المسار الديمقراطي الاجتماعي"، بياناً في الـ28 من أغسطس (آب) الجاري، انتقدت فيه بشدة الأوضاع التي تعيشها تونس خلال هذا الصيف، وبخاصة الانقطاعات المتكررة والطويلة للكهرباء والماء، واضطراب تزويد السوق بالمواد الأساس والأدوية.
وعدت الأحزاب أن تزامن هذه الأزمات مع موجة الحر الاستثنائية جعل توفير الخدمات الأساس مسألة حياتية، محملةً السلطة مسؤولية ما وصفته بـ"الفشل في تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية".
ورفضت الأحزاب تحميل مسؤولية الأزمات إلى "المتآمرين والمخربين"، معتبرة أن ما تعيشه البلاد لا يتعلق بحوادث ظرفية أو عوامل مناخية وتقنية فحسب، بل يعكس، وفق تقديرها، فشلاً في السياسات التنموية وغياب رؤية اقتصادية واجتماعية واضحة.
وانتقد البيان تراجع القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وتفاقم أزمات الخدمات العمومية والصحة والنقل والطاقة والماء، إلى جانب ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وهجرة الشباب.
ودعت الأحزاب الموقعة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وشفافة لضمان انتظام التزويد بالماء والكهرباء والمواد الأساس والأدوية، وفتح تحقيقات جدية ومستقلة لتحديد أسباب الأزمات والمسؤوليات المرتبطة بها، مؤكدة أن تونس تحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة ومؤسسات خاضعة للمراقبة والمساءلة.
فشل متعدد الأركان
من جهته، يرى الصحافي محمد صالح العبيدي أن تونس تعيش، في ظل الأزمات الاجتماعية والخدماتية المتتالية، وضعاً غير مسبوق في تاريخها الحديث، في الأقل منذ عام 1956، من حيث كثافة الأزمات وحجم تداعياتها الإنسانية والنفسية والاجتماعية على أكثر من 11 مليون تونسي.
ويعد العبيدي أن المسؤولية السياسية الأولى، وفقاً لمنطق المرجعية في الحكم، تقع على عاتق رئيس الجمهورية، مشيراً إلى أن دستور 2022 منحه صلاحيات واسعة في السلطة التنفيذية، وأن رئيس الجمهورية هو من يحدد السياسات العامة للدولة، فيما تتولى الحكومة تنفيذ هذه السياسات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف أن نجاح السياسات العامة مرتبط بقدرة رئيس الجمهورية على قراءة الشأن العام وفهم التحديات التي تواجه البلاد، معتبراً أن ما تعيشه تونس اليوم "فشل متعدد الأركان والاتجاهات".
ويوضح العبيدي أن هذا الفشل يظهر، أولاً، على مستوى إدارة الشأن المناخي، إذ يرى أن الدولة لم تضع، منذ قمة باريس للمناخ عام 2015، خططاً واضحة وفعالة للتعامل مع التطورات المناخية وتداعياتها، وينتقد ما يعده قصوراً في إدارة السياسة الطاقية وعدم تطوير وتنويع مصادر الطاقة بما يضمن توفير الحاجات الطاقية للمجموعة الوطنية.
وينتقد العبيدي لجوء السلطة إلى تحميل المسؤولية لـ"أشباح وأوهام" أو الحديث عن مجموعات غير مرئية تقف وراء الأزمات، بما في ذلك الانقطاعات الدورية للكهرباء والمياه، معتبراً أن إدارة الشأن العام يجب أن تقوم على مقاربة علمية وواقعية، وعلى استشراف التحديات ووضع الخطط اللازمة لمواجهتها.
ويحذر من أن عام 2027، وفقاً لمختلف التوقعات، قد يكون من أصعب الأعوام التي ستواجهها تونس على المستوى المناخي، متسائلاً عما إذا كانت الحكومة ورئيس الجمهورية، الذي تمتد عهدته الرئاسية إلى عام 2029، قد أعدا العدة الكافية لمجابهة هذه التحديات.
ويعد أن الصورة المقبلة من قصر قرطاج لا تزال تفتقر إلى رؤية واضحة في شأن كيفية الخروج من الأزمات المرتبطة بالطاقة والمناخ والمياه والثروات الوطنية، فضلاً عن السياسات والخدمات العامة.
وفي سياق متصل أصدر 56 نائباً بمجلس نواب الشعب، في الـ29 من أغسطس الجاري، بياناً دعوا فيه إلى عقد جلسة عامة استثنائية خلال العطلة البرلمانية، بحضور أعضاء الحكومة، لمناقشة الأوضاع التي تمر بها البلاد.
وطالب النواب بمساءلة السلطة التنفيذية حول أسباب تدهور الخدمات الأساس وتواتر أزمات الماء والكهرباء، إلى جانب مناقشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية، والاستماع إلى المسؤولين المعنيين وتحديد المسؤوليات وبحث الحلول العاجلة.
وأكد الموقعون على البيان أن "لا عطلة عن معاناة الشعب، ولا عطلة عن المسؤولية"، داعين رئيس الجمهورية والنواب إلى تحمل مسؤولياتهم الدستورية وتوفير شروط انعقاد الدورة الاستثنائية.