Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحويلات التونسيين في الخارج رافعة تنموية ضد البيروقراطية

يبلغ عددهم نحو مليوني نسمة موزعين على أوروبا والولايات المتحدة والخليج العربي ويسهمون بنحو 3 مليارات دولار

تحويلات التونسيين في الخارج ​تمثل ثاني مورد من العملة الصعبة (رويترز)

ملخص

على رغم أنها تمثل نحو 15 في المئة من السكان، وتضخ سنويا نحو 9 مليارات دينار  (3 مليارات دولار)، فإن الجالية التونسية لا تسهم فعلياً في بلورة الخيارات الاستراتيجية الاقتصادية والتنموية وهي فقط أرقام في حسابات المالية العمومية، في ظل غياب سياسات ادخار خاصّة أو مجلة استثمار موجهة للجالية، أو أدوات مالية مبتكرة، أو حوافز ضريبية ذكيّة.

تمثل تحويلات التونسيين في الخارج رأسمالاً ثابتاً، ورافعة تنموية، من ناحية تعزيز احتياط النقد الأجنبي، وتمويل الواردات ودعم استقرار الموازنات المالية في البلاد. 

وأثبتت الجالية التونسية في الخارج والمقدّر عددها بنحو مليوني تونسي وتونسية، خلال الأعوام الأخيرة، أنها أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في دعم المالية العمومية، وباتت تحويلاتها المالية مصدراً أساساً للعملة الصعبة، متجاوزة قطاعات تقليدية كالسياحة والفوسفات.

وارتفعت تحويلات التونسيين بالخارج عام 2025 إلى 8.761 مليار (نحو 3 مليارات دولار)، أي بزيادة تناهز ستة في المئة مقارنة بعام 2024.

ويسهم الفرد الواحد من الجالية التونسية في المهجر بمتوسّط تحويلات يناهز 360 ديناراً شهرياً (120 دولاراً)، بينما يصل المعدل العالمي إلى 200 دولار، وتحتل تونس المرتبة السادسة عربياً من جهة حجم تحويلات الجالية المقيمة في الخارج.

وعلى رغم أهمية هذا المورد المالي والاقتصادي فإن هذا الرأسمال الحيوي لا يحظى بمقاربة استراتيجية تُحوّله إلى قوة تنموية ثابتة من خلال تخفيف الأعباء الجبائية، وتيسير الإجراءات الإدارية وتوحيدها، وتسهيل النفاذ إلى الاستثمار في الاقتصاد الوطني.

بيروقراطية ثقيلة

محمد علي، مهاجر تونسي، مقيم في كندا منذ أكثر من 20 عاماً، يتحدث عن تجربته مع الإدارة التونسية المثقلة بالإجراءات البيروقراطية، بينما اعتاد على إدارة حديثة وسريعة في بلد الإقامة. يقول إن "تغيير العقليات وتسهيل الإجراءات واختصار الآجال من أجل تشجيع التونسيين المقيمين في الخارج على استثمار مواردهم ومدخراتهم في مشاريع مربحة وقادرة على خلق الثروة، بات أمراً ضرورياً".

ويرى محمد علي أن "عدداً كبيراً من التونسيين المقيمين في الخارج تقتصر استثماراتهم في تونس على بناء مسكن لائق أو شراء أراض فلاحية"، داعياً إلى "توسيع دائرة اهتمام التونسيين في الخارج إلى مجالات حيوية واستراتيجية للاستثمار كالتكنولوجيات الحديثة، والشركات المبتكرة في الذكاء الاصطناعي، مع مرافقة ذلك بثورة تشريعية وإدارية قادرة على استيعاب طموحات المهاجرين التونسيين وتضمن مواردهم المالية".

تجربة محمد علي مع الإدارة التونسية يختزلها في الثقل البيروقراطي وكثرة الوثائق والعراقيل، علاوة على بعض حالات الابتزاز التي يتعرض لها تونسيون مقيمون في الخارج، وهو ما يعمّق الهوّة بينهم وبين مجالات واعدة للاستثمار في تونس.

المورد الثاني من العملة الصعبة

نجحت دول عدة في تحويل جالياتها في الخارج إلى رافعة تنموية من خلال شفافية المعاملات المالية، وتيسير الإجراءات الإدارية وتذويب العراقيل، وتوحيد الوثائق حتى إن فترة إنشاء مؤسسة برأسمال مهم لا تتجاوز سويعات قليلة في بعض الدول، بينما تواجه الجالية التونسية صعوبات كبرى في إنجاز مشاريع منتجة علاوة على اهتراء البنية التحتية للاتصالات التي لا تواكب العصر.

ويرى المختص في الشأن الاقتصادي معز حديدان في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن "تحويلات التونسيين في الخارج ​تمثل ثاني مورد من العملة الصعبة، بعد التصدير، وتتجاوز بذلك قطاع السياحة الذي يوفر 8.1 مليار دينار (2.6 مليار دولار)، وتفوق صادرات القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية".

وتمنح هذه الحركية في التحويلات مرونة كبيرة لتونس للاستجابة لالتزاماتها المالية، وسداد خدمة الدين الخارجي، والتخفيف من وطأة الاقتراض الخارجي، فضلاً عن دورها الاجتماعي والاقتصادي في تنشيط الدورة الاقتصادية ودعم القدرة الشرائية للعائلات التونسية.

ويعد حديدان "تحويلات التونسيين في الخارج جرعة أوكسيجين للمالية العمومية، إذ تمكن البلاد من تلبية حاجياتها بالعملة الصعبة من شراءات السلع والطاقة وتسديد الديون، بخاصة أن تونس تعاني عجزاً تجارياً، ولديها ديون خارجية".

ويدعو المختص في الاقتصاد إلى "تشجيع هذا المورد على الاستمرار والعمل على استقطاب مزيد من التحويلات لتقليص صعوبات الاقتصاد التونسي".

ويلفت حديدان إلى "الصرامة المفرطة في مراقبة تحويلات التونسيين إلى عائلاتهم المقيمة في تونس، خشية شبهات غسل الأموال، وهو ما زاد من تخوّف البنوك من هذه التحويلات"، مشيراً إلى "أهمية تنقيح مجلة الصرف وتسهيل عمليات التحويل مع المحافظة على مراقبة شبهات غسل الأموال أو تمويل الأنشطة المشبوهة". 

ويقترح حديدان إطلاق قرض رقاعي بالعملة الصعبة، موجه إلى التونسيين بالخارج، أو تقديم حوافز في نوع معين من المشاريع بالعملة الصعبة، مثل مشاريع الطاقة الفوتوضوئية، مع ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية حتى لا يستنزف صاحب المشروع عطلته السنوية في إعداد الوثائق الإدارية، علاوة على تسهيل​ الادخار في تونس بالعملة الصعبة، وبفوائد مشجعة، بدل الادخار في بلد الإقامة".

شبكة نفوذ مالي واقتصادي

يشغل عدد من التونسيين في الخارج مناصب قيادية في شركات كبرى متعددة الجنسيات، ويقودون مشاريع مجدّدة ومبتكرة، في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا والطب والهندسة وفي أرقى المؤسسات العالمية، وعلى الدولة التونسية توجيه اهتمامها من خلال مؤسساتها الدبلوماسية والقنصلية إلى هذا الرصيد البشري الحيوي، والاستفادة منه بخاصة في الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة من خلال بعث المؤسسات المجددة والمبتكرة، أو في صنع سياسات حديثة مواكبة للعصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم أنها تمثل نحو 15 في المئة من السكان، وتضخ سنوياً نحو 9 مليارات دينار  (3 مليارات دولار)، فإن الجالية التونسية لا تسهم فعلياً في بلورة الخيارات الاستراتيجية الاقتصادية والتنموية وهي فقط أرقام في حسابات المالية العمومية، في ظل غياب سياسات ادخار خاصة أو مجلة استثمار موجهة للجالية، أو أدوات مالية مبتكرة، أو حوافز ضريبية ذكية، وأنتج الفراغ المؤسساتي غياباً واضحاً للجالية التونسية في صياغة سياسات عمومية اقتصادية مبتكرة، بينما نجحت دول أخرى في تحويل الجالية إلى شبكات نفوذ اقتصادي ومالي له وزنه في المعادلة التنموية من خلال بلورة سياسة وطنية للكفاءات بالخارج تقوم على الإدماج المرن والعمل عن بُعد والمشاريع المشتركة.

المجلس الأعلى للتونسيين في الخارج

ولتجاوز هذه الثغرة نظر مجلس نواب الشعب أخيراً في مشروع قانون إحداث المجلس الأعلى للتونسيين بالخارج الذي سيكون مؤسسة تابعة لرئاسة الحكومة من أجل تذليل الصعوبات التي تواجه أبناء الجالية التونسية المقيمة في الخارج، وتحفيزها لتنمية الاقتصاد والاستثمار.

ويرى مقرّر لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة النائب الطيب الطالبي، أن "الغاية من هذا المشروع هي إيجاد قنوات تواصل ما بين التونسيين بالخارج وأرض الوطن، في ظل وجود كثير من العراقيل والمشكلات التي تعترض الجالية التونسية، بخاصة في الاستثمار".

ويضيف في تصريح خاص أن "هذا المجلس سيكون منتخباً، ويمثل التونسيين الموجودين في الخارج، في أوروبا بالدرجة الأولى، ودول الخليج، والولايات المتحدة الأميركية، وكندا، والغاية منه هي ترغيب التونسيين وتحفيزهم على الاستثمار والعودة إلى أرض الوطن، وإقامة المشاريع والاستثمار في بلدهم، إضافة إلى تذليل العراقيل الإدارية الأخرى".

تكشف أرقام البنك الدولي الأهمية المتزايدة لهذه التدفقات، التي تم تحويلها إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 685 مليار دولار عام 2024، متجاوزة الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية مجتمعة، وتصدّرت الهند قائمة أكبر الدول المستقبلة للتحويلات، بنحو 129 مليار دولار، تليها المكسيك بـ68 مليار دولار، والصين بـ48 مليار دولار.

اقرأ المزيد