Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إدغار موران الشاهد الفريد على تحولات قرن مضطرب

مفكر سعى إلى فهم الإنسان والعالم من خلال رؤية تجاوزت الحدود القائمة بين المعارف

إدغار موران ظاهرة فكرية معاصرة (أف ب)

ملخص

تفقد الثقافة الإنسانية، برحيل الفيلسوف الإنسانوي وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، شاهداً استثنائياً على تحولات قرن كامل، ومفكراً سعى طوال حياته إلى فهم الإنسان والعالم من خلال رؤية تجاوزت الحدود القائمة تقليدياً بين المعارف والاختصاصات.

 يعد إدغار موران واحداً من أبرز مفكري القرن الـ20 وبدايات القرن الـ21. عاصر الحروب العالمية، وصعود الأيديولوجيات وانهيارها، والعولمة، والأزمات البيئية، والتحولات الثقافية العميقة، وتطور العلوم والتكنولوجيا التي خاض غمارها على  رغم سنين شيخوخته المديدة، مغرداً على وسائل التواصل الاجتماعي، معلقاً على الأحداث والأفكار، هو الذي ظل حاضراً في النقاشات الفكرية والسياسية الكبرى، مدافعاً عن القراءة والكتابة وقيم الإنسانية والحوار والانفتاح.

ولد ديفيد سالومون ناحوم، وهو اسم موران الأصلي، عام 1921 في أسرة يهودية علمانية تعود جذورها إلى مدينة سالونيك اليونانية. عرف في طفولته المبكرة تجربة مؤلمة تركت أثراً عميقاً في تكوينه الفكري والنفسي، إذ فقد والدته وهو بعد في العاشرة من عمره. وقد شبه هو نفسه تلك الواقعة بـ"هيروشيما داخلية" زلزلت كيانه، وقلبت مسار حياته رأساً على عقب، مما فتح أمامه أفقاً جديداً من الفكر والتجربة، فبدأ منذ مطلع شبابه الاهتمام بالقضايا السياسية والإنسانية، منتظماً في النضال ضد الفاشية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن يشارك في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية.

وفي أعوام المقاومة ارتأى الشاب خلال اجتماع للمقاومين في تولوز، أن يتخذ له اسماً حركياً، فقدم نفسه باسم "إدغار مانان"، في إحالة مباشرة إلى إحدى شخصيات رواية مالرو "الأمل"، لكن إحدى الرفيقات فهمت الاسم على أنه "موران"، ولم يسع هو إلى تصحيح ذلك. مذ ذاك صار اسمه "إدغار موران". وقد مثلت تلك المرحلة من حياته محطة حاسمة اكتشف من خلالها معنى الالتزام والمسؤولية والتضامن الإنساني، لا سيما بعد انضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1941، متأثراً بالأمل الذي مثله الاتحاد السوفياتي آنذاك في مواجهة النازية. غير أن تجربته داخل الحزب لم تدم طويلاً، إذ أخذ يبتعد عنه تدريجاً بسبب رفضه للستالينية والنزعة العقائدية المغلقة، قبل أن يفصل منه عام 1951.

شكلت تلك القطيعة الفكرية مناسبة لمراجعة نقدية عميقة لتجربته السياسية، وقد عبر عن ذلك في كتابه الشهير "النقد الذاتي" الصادر عام 1959، الذي حاول فيه فهم أسباب الانخداع بالأيديولوجيات المغلقة، مؤكداً ضرورة الحفاظ على حرية الفكر واستقلاليته، علماً أن إدغار موران ظل قريباً من قيم اليسار الإنساني، لكنه رفض الانتماء الحزبي الضيق، مفضلاً موقع المفكر المستقل.

بداية المسيرة الأكاديمية

بعد الحرب، انضم موران إلى المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية بدعم من الفيلسوفين موريس ميرلو بونتي وفلاديمير جانكلفيتش والجغرافي بيار جورج، ملتحقاً بمركز الدراسات السوسيولوجية الذي كان يشرف عليه جورج فريدمان. ومن هناك بدأت مسيرته الأكاديمية الفريدة، إذ شق طريقه في البحث والتفكير من دون أن يكون حائزاً على شهادة الدكتوراه، قبل أن ينال لاحقاً نحو 30 دكتوراه فخرية من جامعات ومؤسسات أكاديمية حول العالم، لكنه، على رغم ذلك، استطاع، وهو الحائز على إجازة في الحقوق وأخرى في التاريخ والجغرافيا، أن يفرض نفسه واحداً من أبرز الباحثين الفرنسيين بفضل أصالة أعماله واتساع ثقافته.

فقد اهتم موران بدراسة الظواهر التي كانت العلوم الاجتماعية التقليدية تنظر إليها باستخفاف، كالثقافة الجماهيرية، والسينما، والإشاعات، والتحولات الاجتماعية اليومية، وأسهم في تأسيس مجلات عدة وعلى رأسها مجلة "أرغومان" عام 1956.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي نشر الفيلسوف عدداً من الأعمال المهمة، ككتاب "الإنسان والموت"، الذي اعتبره أول مؤلف كبير في مسيرته، وكتاب "روح العصر" الذي درس فيه الثقافة الجماهيرية الحديثة، و"إشاعة أورليان" الذي حلل الآليات الاجتماعية والنفسية لانتشار الإشاعات والأخبار الكاذبة والأحكام المسبقة. وشارك في إنجاز فيلم "وقائع صيف" بالتعاون مع المخرج وعالم الأنثروبولوجيا جان روش، وهو العمل الذي أصبح لاحقاً من المراجع الأساسية في تاريخ السينما الوثائقية وسينما الحقيقة. واستدعي لكتابة سيناريو فيلم للمخرج هنري كالف، يروي قصة نازي سابق، كان قائداً في معسكر اعتقال، لجأ إلى إسرائيل متخفياً تحت هوية معتقل كان قد تخلص منه. وقد صور الفيلم في فلسطين المحتلة، لكن التعاون مع كالف لم يسر على ما يرام، مما دفع إدغار موران إلى سحب اسمه من حوارات الفيلم، ليظهر في شارة النهاية تحت اسم مستعار هو "بيريسي"، وهو اسم عائلة والدته قبل الزواج.

ضد حرب الجزائر

وكان موران أيضاً من منظمي "اللجنة ضد حرب الجزائر"، التي دافعت على نحو خاص عن الزعيم الوطني الجزائري مصالي الحاج المطالب بالاستقلال عن فرنسا، مطلقاً بالتعاون مع كلود لوفور وموريس ميرلوبونتي ورولان بارت نداءً يدعو إلى استعجال فتح المفاوضات، انطلاقاً من قناعته بأن الأولوية تكمن في تجنب ترسخ أنظمة ديكتاتورية في فرنسا والجزائر.

درس إدغار موران في كلية أميركا اللاتينية للعلوم الاجتماعية في سانتياغو في تشيلي مدة سنتين، لكن إنجازه الفكري الأكبر كان بلا أدنى ريب تطويره لمفهوم "الفكر المركب" الذي استلهمه من جذور تعبير complexus في اللغة اللاتينية التي تعني "ما نسج معاً"، ومن نقده الطرق التقليدية في التفكير التي تميل إلى تبسيط الواقع وفصله إلى عناصر مستقلة ومنعزلة.

فخلافاً للنموذج التبسيطي الذي طبع العلوم الحديثة طويلاً، رأى موران أن العالم الذي نسكنه أبعد ما يكون عن البساطة، وأنه يستعصي على الفهم كلما أخضع لمقاربات أحادية أو رؤى اختزالية، فالظواهر الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، في نظره، ليست كيانات منفصلة أو حقائق مكتفية بذاتها، وإنما هي نسيج حي من العلاقات المتشابكة والتفاعلات المتداخلة التي يتعذر إدراكها إذا عزل بعضها عن بعض. ولئن كان مفهوم "التعقيد" عنده لا يعني الغموض أو الصعوبة، فإنه يعبر عن طبيعة واقع تتعانق فيه العناصر وتتداخل وتتساند في شبكة من الارتباطات المتبادلة. لذا كانت دعوته إلى تشييد "فكر يصل" بدلاً من "فكر يفصل"، فكر قادر على احتضان تعددية الواقع وتشابكاته، لا على تبسيطها أو اختزالها في تفسيرات قاصرة.

ويعتقد موران أن النمط التبسيطي من التفكير أو التخصص الضيق نجح في تحقيق تقدم علمي كبير، إلا أنه عجز عن فهم القضايا المعاصرة الكبرى مثل البيئة والعولمة والأزمات الاقتصادية والصراعات الثقافية، لأنها ظواهر تتداخل فيها عوامل كثيرة لا يمكن اختزالها في تفسير واحد. ولعله في تشديده على أن العناصر المتعارضة التي تبدو متناقضة تتعايش داخل الواقع نفسه، بين أن النظام والفوضى، والاستقرار والتغير، والفرد والمجتمع، ليست أضداداً تلغي بعضها بعضاً بقدر ما هي عناصر متكاملة.

هكذا رأى موران الإنسان كائناً مركباً يستعصي على الاختزال، تتداخل في تكوينه الأبعاد البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية في نسيج واحد لا ينفصم. ومن ثم، فإن أي محاولة لفهمه من منظور أحادي لا تفضي إلا إلى صورة ناقصة ومشوهة لواقعه، لذلك دعا، من خلال مشروعه في "الفكر المركب"، إلى اعتماد مقاربة شمولية تنصت إلى تفاعل هذه الأبعاد جميعاً وتكشف الترابط العميق الذي يوحد بينها.

إصلاح التفكير قبل العالم

لذلك يمكن القول إن مشروعه هو دعوة إلى إصلاح طريقة تفكيرنا قبل إصلاح العالم نفسه. فـ"الفكر المركب" ليس نظرية علمية فحسب، بل هو منهج معرفي وأخلاقي يدعو إلى الاعتراف بتعقيد الواقع، وإلى بناء معرفة قادرة على الجمع بين الأجزاء والكل، وبين الاختلاف والوحدة، وبين اليقين واللايقين، فالمشكلات الكبرى التي تواجه الإنسانية لا يمكن فهمها من خلال مقاربة تجزئ الواقع إلى اختصاصات منفصلة، ذلك أن الإنسان والمجتمع والطبيعة والثقافة والاقتصاد والسياسة، كلها عناصر مترابطة في شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة.

من هذه الزاوية نفهم تأكيده ضرورة إصلاح المناهج التعليمية لكي تساعد الأفراد على فهم الترابط بين القضايا الإنسانية والبيئية والسياسية والعلمية. وقد انعكست هذه الرؤية في كتابه الشهير "المعارف السبعة الضرورية لتربية المستقبل"، الذي أعده بطلب من منظمة اليونيسكو، داعياً فيه إلى تعليم يركز على فهم التعقيد واللايقين والمسؤولية الإنسانية المشتركة، بدلاً من الاقتصار على نقل المعارف المتخصصة.

وقد بلغ مشروع إدغار موران ذروته في عمله الموسوعي "المنهج"، الذي صدر في ستة مجلدات بين الأعوام 1977 و2004. فيه حاول بناء هذه المقاربة العابرة للتخصصات، أي المنهج الذي يربط بين مختلف فروع المعرفة متجاوزاً الحدود التقليدية بينها لفهم تعقيد الظواهر الإنسانية والطبيعية في نظرية شاملة للمعرفة والإنسان والطبيعة والمجتمع، تجمع بين البيولوجيا والأنثروبولوجيا والفلسفة والعلوم الاجتماعية والفيزياء، وقد أصبح هذا العمل المرجع الأساس لفكره، وأحد أبرز المشاريع الفكرية في النصف الثاني من القرن الماضي.

ومع نهاية القرن الـ20 اتجه اهتمام إدغار موران بصورة متزايدة نحو القضايا البيئية والعولمة، فقد كان من أوائل المفكرين الذين تحدثوا عن ضرورة تطوير "وعي كوكبي" يجعل البشر يدركون أنهم من ناحية وجودهم على الأرض نفسها يشتركون في مصير واحد، ففي كتابه "الأرض-الوطن" دعا إلى تجاوز النزعات القومية الضيقة وإلى التفكير في مستقبل البشرية باعتبارها مجتمعاً عالمياً واحداً يواجه تحديات مشتركة، من تغير المناخ إلى التفاوت الاجتماعي والصراعات المسلحة. وفي الوقت عينه دافع عما سماه "سياسة الحضارة"، التي تضع الإنسان في مركز الاهتمام، وتسعى إلى تحسين نوعية الحياة وتعزيز التضامن والعيش المشترك، بدلاً من اختزال التقدم في النمو الاقتصادي وحده.

قضايا العصر

كان إدغار موران يؤمن بأن حقبات التأزم يمكن أن تكون أيضاً فرصاً ثمينة للتجدد والتحول متى أحسن البشر قراءتها وفهم دلالاتها العميقة. ومن هذا المنطلق ظل طوال حياته منتظماً في قضايا عصره، مشاركاً في النقاش العام ومدافعاً عن القيم التي آمن بها، فقد عارض حرب الجزائر، وناهض مختلف صور الاستبداد والهيمنة، كما اتخذ، وهو المتحدر من أصول يهودية، موقفاً داعماً للقضية الفلسطينية، منتقداً ما سماه "أحادية النظر" التي تطبع التصور الإسرائيلي للصراع مع الفلسطينيين، معتبراً أن الوعي المفرط بالانتماء إلى موقع الضحية قد ينقلب، في بعض الأحيان، إلى آلية تبرر ممارسة الاضطهاد في حق الآخرين، بحيث يمكن لذاكرة المعاناة أن تستخدم لتسويغ حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه، واعتبر أن اختزال المأساة الإنسانية في تجربة ضحوية واحدة، عبر إضفاء طابع الاستثناء المطلق على مصير اليهود في المحرقة وتهميش مآسي أخرى عرفها التاريخ، كضحايا الغولاغ والغجر والأرمن والسود الذين استعبدوا، وسكان أميركا الأصليين، قد يفضي إلى توظيف هذه الذاكرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في شرعنة ممارسات استعمارية أو تمييزية، وفي إعادة إنتاج أشكال جديدة من العزل والإقصاء تفرض على الفلسطينيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يقتصر التزامه على هذه القضايا، بل شارك في كثير من المبادرات والهيئات الدولية المعنية بالأخلاق والسياسة والبيئة ومستقبل الإنسانية. وعلى رغم الجدل الذي أثارته بعض مواقفه، ظل وفياً لقناعة راسخة مفادها أن الدفاع عن الكرامة الإنسانية واجب لا يسقط بتغير الظروف ولا يخضع لحسابات الهوية أو الانتماء، وإنما يظل مبدأً أخلاقياً كونياً ينبغي التمسك به في كل زمان ومكان.

عام 1989 نشر موران سيرته العائلية تحت عنوان "فيدال وأهله"، وكتب بعد رحيل زوجته عام 2008 نصاً بالغ التأثر والحميمية حمل عنوان "إدفيج، التي لا تفارق"، علماً أنه تزوج أربع مرات، ورزق بابنتين من زوجته الأولى إيرين، فيما كانت رفيقة دربه الأخيرة عالمة الاجتماع الحضري المغربية الفرنسية صباح أبو السلام.

وإلى جانب مسيرته الفكرية الحافلة ترك موران إرثاً علمياً وفلسفياً ضخماً تجاوز 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات والحوارات التي تناولت قضايا فكرية وإنسانية مختلفة، وقد ترجم بعضها لكثير من اللغات من بينها العربية. ومن أبرز أعماله: "السينما أو الإنسان المتخيل"، و"الثقافة والبربرية الأوروبية"، و"الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب"، و"النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية"، و"عنف العالم"، و"هل نسير إلى الهاوية؟"، و"نحو سياسة حضارية"، و"دروس قرن من الحياة"، وغيرها من المؤلفات التي رسخت مكانته كأحد أبرز مفكري العصر.

ما يميز إدغار موران ليس فقط غزارة إنتاجه الفكري، وإنما أيضاً قدرته الفريدة على وصل المعرفة بتجربة العيش، وعلى جعل الفكر امتداداً حياً للوجود الإنساني، وهو الذي رأى أن الفكر الحقيقي لا ينفصل عن التجربة الإنسانية، وأن مهمة المثقف ليست إنتاج النظريات ونحت المصطلحات، بل المساهمة في فهم العالم وتغييره نحو الأفضل، ولهذا ظل في أعوام شيخوخته المتقدمة جداً حاضراً في المؤتمرات والحوارات العامة المرئية والمكتوبة، مواظباً على الكتابة والتأمل والتنبيه إلى ما يتهدد الإنسانية من أخطار.

برحيله يطوى فصل من تاريخ الفكر الفرنسي والعالمي في زمن تتفاقم فيه النزعات الاختزالية، وتتعمق الانقسامات والصراعات، وتبدو دعوته إلى "التفكير المركب"، وإلى وصل المعارف reliance بدل فصلها، وإلى بناء وعي إنساني كوني، أشد إلحاحاً من أي وقت مضى.

لقد عاش إدغار موران قرناً كاملاً من التحولات الكبرى، من دون أن يكف عن السؤال والتعلم ومراجعة المسلمات، ولذلك سيظل اسمه مقترناً بفكرة جوهرية دافع عنها بإصرار: أن فهم العالم لا يتحقق إلا بالاعتراف بتعقيده، وأن الأمل يظل ممكناً حتى في أحلك اللحظات.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة