ملخص
أدت التطورات في المعدات الحربية في القرنين الـ16 والـ17 إلى "اختفاء الدروع الثقيلة والخوذة"، مما سهل انتشار الزي العسكري. وفي الوقت ذاته أصبح ارتداؤه عنصراً رئيساً في تحديد الهوية. وعندما بدأت الجيوش النظامية الكبيرة في التشكل، انتشرت الحاجة إلى زي مميز في ساحة المعركة في جميع الجيوش الأوروبية.
تزامن ظهور الزي الموحد مع تمدن الإنسان وتشكيله لمجتمعات كبيرة، لذلك هناك أشكال عدة لهذا الزي تتناسب والشكل الحضاري والبصري والبعد التاريخي. وهذه الأوجه مترابطة ومديدة في الحاضر والماضي، وتعبر جميعها في النهاية عن فكرة الزي الموحد الرئيسة وهي التفاني والانضباط الوظيفي.
حضارياً، ظهرت الحاجة الماسة للزي الموحد منذ أن أصبح البشر يعيشون في مجتمعات كبيرة وصفت في كثير من الأحيان بأنها "مليئة بالغرباء"، إذ نجح الزي الموحد وانتشر في تلك المجتمعات لأنه "حل مجموعة من المشكلات الاجتماعية والنفسية والتنظيمية في وقت واحد، وهذا ما جعل حضارات مختلفة تتبناه عبر التاريخ". من جهة ثانية عمل الزي الموحد كلغة بصرية فورية تجيب عن أسئلة عدة، كان أهمها سؤال متعلق بتوضيح الهوية في هذه المجتمعات وهو: من أنت داخل هذا النظام؟
ووفق موسوعات علمية وبرامج ذكاء اصطناعي ومواقع علمية، فإن الزي الموحد "وفر هوية واضحة وقلل الفوضى وعزز الانتماء، وضبط السلوك" في هذه المجتمعات.
أما تاريخياً فظهر الزي الموحد أولاً في المستشفيات وفي المجالات العسكرية، لكنه سرعان ما انتشر في المجتمعات الحديثة، انتشار النار في الهشيم، فوصل بسرعة إلى التعليم والدبلوماسية والرياضة، وظهر حديثاً حتى في مجال العاملات المنزليات والسجناء ومتخصصي التجميل والكشافة وغيرهم.
وظيفة الألوان ورمزيتها
لكن ماذا وراء رمزية الألوان، مثلاً الزيتي للعسكر والأبيض للمستشفيات والأزرق هو المعتمد في معظم المدارس؟ هناك سبب وظيفي لاختيار الألوان المناسبة لكل زي موحد دائماً، فمثلاً على كل الطهاة ارتداء الزي الموحد باللون الأبيض، وذلك لسهولة ملاحظة النظافة، وعلى كل عمال البناء ارتداء سترات عاكسة للضوء من لون معين، بينما كل رجال الإطفاء يحتاجون إلى ملابس مقاومة للحرارة. ووفق هذه الوظائف أيضاً تحددت الألوان والمواصفات لكل الأزياء، كما يسمى هذا العامل أيضاً "عامل الوظيفة العملية والأمان"، فالملابس ضمن مفهوم الزي الموحد ليست مجرد قماش، بل هي جزء من الحالة الذهنية لمن يرتدي الزي الموحد كائناً من كان.
كلمة "زي موحد" مشتقة من كلمتي "una" وتعني واحداً و"forma" وتعني شكلاً، وتعرف شعبياً أيضاً باسم "يونيفورم". أما معناها العام فهو لباس مصنوع من قماش معين وبتصميم ولون وشعارات معينة ومحددة في اللوائح والتقاليد لجميع أفراد الوحدة العاملة نفسها، سواء كان العمل حربياً أو مدنياً، لذلك من المهم أن يصنع ارتداء الزي الموحد أثراً واضحاً أو أن يرسخ متلازمة نفسية وهي الجمع بين ارتداء الزي وتقوية الإدراك الوظيفي.
الزي العسكري
في هذا السياق جاء في مقالة منشورة في موقع مراجعات عن الصليب الأحمر وهي للباحث "توني بفانر"، بعنوان "الزي العسكري وقانون الحرب"، "نلاحظ استخدام الزي الموحد في كل مكان في العالم. وغالباً ما يرتدي تلاميذ المدارس زياً يميزهم عن تلاميذ المدارس الأخرى، ويرتدي الكشافة زياً عسكرياً يحمل شارات تدل على العضوية والرتبة، فيما سائقو الحافلات، والرياضيون، وموزعو الحليب، والرهبان، والممرضات، وأفراد الأمن في الشركات الخاصة، جميعهم يرتدون ملابس تعرفهم على أنهم ينتمون إلى فئة أو خدمة أو شركة أو مهنة معينة".
وحول طبيعة الزي العسكري الموحد تحديداً لفت كاتب المقالة إلى أنه وفي حين أن جميع أفراد هذه الفئات والهيئات المدنية قد يرتدون زياً من قماش عادي أو بتصميم مميز، إلا أن "الزي العسكري يعزز تشابه المظهر ويضفي تجانساً على مجموعة من الناس غير المتجانسين". ويرى الكاتب أن "مجموعات أخرى تشير من خلال الزي الموحد إلى انتمائها إلى شريحة معينة من السكان بطريقة أكثر دقة"، فالشركات والمؤسسات والإدارات تضع قواعد لباس صارمة، وتظهر قصة شعر موحدة معينة من أجل تعزيز الطاعة أو التفاني لفئة أو مهمة أو هدف ما.
وفق بفانر، أدت التطورات في المعدات الحربية في القرنين الـ16 والـ17 إلى "اختفاء الدروع الثقيلة والخوذة"، مما سهل انتشار الزي العسكري. وفي الوقت ذاته أصبح ارتداؤه عنصراً رئيساً في تحديد الهوية. وعندما بدأت الجيوش النظامية الكبيرة في التشكل، انتشرت الحاجة إلى زي مميز في ساحة المعركة في جميع الجيوش الأوروبية، وتدريجاً تخلص الزي العسكري من الشارات مثل الورد التي كانت رموزاً خاصة لحروب سابقة.
وفي "الجيش النموذجي الجديد" الذي دخل حيز التنفيذ في إنجلترا بعد عام 1640 ألغيت العلامة المميزة لكل مفرزة، لمصلحة ملابس موحدة أولاً في اللون ثم في التصميم. وكخطوة أولى، قدم وشاح بلون موحد للجميع، وبعد ذلك وحد الجيش النظامي الإنجليزي ألوان المعطف. وخلال الحرب الأهلية الإنجليزية ارتدى الجنود الملكيون معاطف بألوان الكتائب فيما ترسخ استخدام اللون الرمادي للجيش الفرنسي، واستخدام اللون الأحمر الإنجليزي في ساحات المعارك الأوروبية.
وفي نهاية القرن الـ17 تقبلت الجيوش أكثر مفهوم الزي العسكري على نطاق واسع في جميع الجيوش الأوروبية، وخلال "الحروب النابليونية" تطورت الأزياء العسكرية بصورة أكبر، وأصبحت الموضة والجاذبية هما السائدتين.
أكثر تفاخراً وأقل راحة
بعد انتهاء حقبة نابليون ومنذ القرن الـ17 تسللت نزعة التضحية بالراحة من أجل الأناقة تدريجاً إلى الزي العسكري. وبدأت الأزياء العسكرية بالتخلي عن كثير من الزخارف وأصبحت عملية أكثر. ومع اقتراب نهاية القرن الـ19 تخلت جميع الدول الأوروبية تقريباً عن محاولات ارتداء الزي الرسمي في الخدمة الفعلية، وفي القرن الـ20 ارتدت جميع الجيوش زي الخدمة، كما يتضح بخاصة من جيوش الحربين العالميتين. في الوقت نفسه أصبح زي المعركة أكثر شيوعاً أثناء الأعمال العدائية الفعلية وقت الحروب فقط، وتزامناً مع ذلك "تجاوزت النزاعات المسلحة الداخلية النزاعات الدولية في النصف الثاني من القرن الـ20، ومنذ ذلك الحين ظهرت في الحرب بصورة متزايدة أزياء القوات غير النظامية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفق الباحث نفسه، فقد كان من المثير للدهشة "مدى تشابه الزي العسكري وملحقاته وشاراته في الجيوش التقليدية على رغم اختلاف البيئات الثقافية والجغرافية". ويدل هذا برأي الباحث بفانر على "كيفية تأثير تقاليد الجيوش الأوروبية في التاريخ العسكري للقرون الثلاثة الماضية، وبخاصة من خلال امتدادها الاستعماري".
من جهة أخرى تنص لائحة الجيش الأميركي وعنوانها هو "ارتداء الزي العسكري ومظهره"، على أن "الجيش هو قوة عسكرية نظامية، إذ يقاس الانضباط فيه جزئياً بطريقة ارتداء الجندي الزي الرسمي المحدد، وكذلك بمظهره الشخصي". لذلك يعد المظهر الأنيق والمرتب لجميع الجنود أمراً أساساً للجيش الأميركي، ويسهم ذلك في بناء الفخر والروح المعنوية الضرورتين للقوة العسكرية الفعالة، ولذلك أيضاً يجب على الجنود أن يفخروا بمظهرهم في جميع الأوقات، سواء كانوا يرتدون الزي الرسمي أم لا، وأثناء الخدمة أو حتى خارجها.
زي الممرضات
زي الممرضة هو لباس ترتديه الممرضات لأغراض النظافة والتعريف بالهوية. ويتكون هذا الزي التقليدي الشهير للممرضة من "فستان ومئزر وقبعة"، وقد ظهر زي الممرضات بصور متنوعة عبر التاريخ، لكن التصميم الأساس له ظل معروفاً، وتاريخياً تكون زي الممرضة من "مئزر نظيف وقبعة عملية وجذابة، مصنوعة ببساطة من قطعة مثلثة من الكتان".
واستلهمت أزياء الممرضات الأولى من زي الراهبات، فقبل القرن الـ19 كانت الراهبات يعتنين بالمرضى والجرحى. وتؤكد الموسوعة العلمية الأوروبية أن إحدى أوائل طالبات مدرسة التمريض "فلورنس نايتينجيل" وهي "الآنسة فان رينسيلير" صممت الزي الأصلي للطالبات التابعات لنايتينجيل. وقبل أربعينيات القرن الـ20 طرأت تغييرات طفيفة على الزي، وكان يتألف في الغالب من زي أزرق اللون، وكان للمستشفيات حينها حرية تحديد تصميم زي الممرضات، بما في ذلك قبعة الممرضة التي توجد بصور متنوعة.
في بريطانيا صمم الزي الوطني مع تأسيس هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) عام 1948، وفي سبعينيات القرن الماضي، استبدلت القبعات القطنية بقبعات ورقية بيضاء للاستخدام الواحد، وفي ثمانينيات القرن الماضي، حلت المآزر البلاستيكية محل المآزر التقليدية، وبدأت الملابس الخارجية بالاختفاء.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي شاع استخدام الزي الطبي المسمى "السربس" في بريطانيا، بعدما ظهر للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأميركية، ولأن "للممرضات أدواراً متنوعة في القرن الـ21، فإن لديهن أزياء رسمية متنوعة، فقد ترتدي الباحثات في مجال التمريض معطف المختبر، بينما قد ترتدي المديرات التنفيذيات في مجال التمريض بدلة رسمية، ويختلف الزي الرسمي باختلاف البلد والدور".
الزي المدرسي
يعد الزي المدرسي إلزامياً للطلاب في كثير من المدارس في مختلف البلدان. وتتنوع أشكاله، بدءاً من قميص بسيط وصولاً إلى متطلبات صارمة تشمل كثيراً من قطع الملابس الرسمية في المدارس الخاصة. كذلك يطبق الزي المدرسي في كثير من المدارس الحكومية. وفي بعض البلدان تختلف أنواع الزي المدرسي من مدرسة إلى أخرى، ففي المملكة المتحدة يرتدي كثير من التلاميذ الذين تراوح أعمارهم ما بين 11 و16 سنة سترة وربطة عنق وبنطالاً للبنين، وبلوزة وربطة عنق وبنطالاً واسعاً أو تنورة للبنات. وعادة ما تحمل ربطات العنق نمطاً محدداً أو شعاراً مطرزاً يمثل المدرسة، بينما تحمل السترات عادة شارة على جيب الصدر عليها اسم المدرسة وشعارها أو رمزها. ويرتدي أطفال كثير من المدارس الابتدائية الحكومية البريطانية كنزة وقميصاً بلون موحد، يحمل أيضاً اسم المدرسة وشعارها.