ملخص
تحولت ناتالي هارب من مذيعة مغمورة إلى واحدة من أكثر مساعدي دونالد ترمب قرباً ونفوذاً، بعدما بنت موقعها على ولاء شخصي مطلق وملازمة لصيقة بالرئيس، إذ تكتب منشوراته، وتتمتع بوصول مباشر إليه يتجاوز التسلسل الإداري المعتاد، مما أثار تحفظات داخل فريقه على حجم نفوذها، قبل أن يصبح قربها موضع جدل سياسي أوسع بعد تلميحات بوجود علاقة تتجاوز حدود العمل، وهو ما نفاه البيت الأبيض.
أينما كان دونالد ترمب، تكون ناتالي هارب غالباً في الصورة، سواء في رحلاته على متن الطائرة الرئاسية، أو اجتماعاته داخل المكتب البيضاوي، فعلى رغم أنها واحدة من مئات المساعدين في البيت الأبيض، وتتبع العشرات من المسؤولين الأرفع منها، فإن نفوذها داخل دائرة الرئيس الأميركي لا يكاد له مثيل، فهي تراسل قادة العالم نيابة عنه، وتبقى معه حتى ساعات متأخرة لكتابة منشوراته على هاتفها. وفي ضوء ملازمتها لترمب في كل وقت ومكان، تحولت إلى بوابة نفوذ لكل من يريد الهمس في أذن ترمب في واشنطن.
"من كل قلبي"
نادراً ما يسمع صوت هارب في الإعلام، لكن قربها الملحوظ من ترمب لفت كثراً منذ عودته إلى البيت الأبيض وتحول إلى مادة يتتبعها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي عبر صورهما ومقاطع ظهورهما معاً، قبل أن يصبح في الآونة الأخيرة حديث السياسيين في واشنطن، بعدما لمح خصومه إلى أن العلاقة بينهما تتجاوز حدود العمل. وهكذا صارت المساعدة الشقراء التي تفضل الانطواء في قلب حرب سياسية محتدمة بين الجمهوريين والديمقراطيين، مع اقتراب استحقاقات الكونغرس الانتخابية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وتسلطت الأضواء على هارب بعدما قال السيناتور الديمقراطي جون أوسوف إن ترمب يفضل "السفر مع ناتالي" على أداء مسؤولياته الشاقة كقائد أعلى للقوات المسلحة، فيما اعتبر تلميحاً بعلاقة عاطفية بينهما، وأثار تنديداً واسعاً من التيارات المحافظة التي توحدت في الدفاع عن هارب واتهام أوسوف بالتحيز الجنسي. وفيما انتقد البيت الأبيض تصريحات السيناتور، شدد مقربون من الرئيس على أن علاقتهما مهنية، بل وصفها أحدهم بأنها أقرب إلى علاقة أب بابنته، لكن ذلك لم ينهِ الجدل، بل زاد الاهتمام بشخصية هارب وحقيقة نفوذها.
وتكشفت ملامح علاقتهما من خلال روايات وثقها كتاب "تغيير النظام" الذي صدر الصيف الماضي، ومنها أن ترمب قال لدائرته المقربة إن هارب "الوحيدة التي تحبه بقدر محبة زوجته وأبنائه له، وإن العاملين معه قد يغادرون يوماً سعياً إلى المال لكن هارب لن تتركه أبداً". وتقول الصحافية ماغي هابرمان، مؤلفة الكتاب مع جوناثان سوان، إن هارب أشبه بـ"بطانية أمان" للرئيس، في إشارة إلى حضورها الدائم في حياته اليومية.
وكشفت رسائل مسربة عن جانب شخصي من علاقتهما، إذ ظهرت هارب في مقاطع اطلعت عليها "نيويورك تايمز" وهي تركض مسافات طويلة للحاق بعربة الغولف التي يستقلها الرئيس في اسكتلندا، وهو مشهد بدا أنها شعرت لاحقاً بالحرج منه، إذ كتبت له معتذرة "أنا آسفة أيضاً إذا كنت قد سببت لك إحراجاً وأنا أمشي في الملعب باسكتلندا"، وأضافت "أريد أن تبقى الأمور دائماً على ما يرام بيننا. وأعلم أنني كنت مشتتة طوال الأسبوع، أنسى تناول الطعام نهاراً، وأنسى حتى النوم"، قبل أن تختم رسالتها بعبارة "من كل قلبي، ناتالي".
مَن ناتالي هارب؟
نشأت هارب (35 سنة) في أسرة مسيحية محافظة في كاليفورنيا، وشخصت قبل نحو عقد بسرطان العظام في المرحلة الثانية قبل أن تتعافى منه، لكن تلك التجربة لم تبق جزءاً من سيرتها الشخصية فحسب، بل شكلت مدخلها إلى عالم ترمب، ففي عام 2019 ظهرت على قناة "فوكس نيوز" لتقول إن ترمب هو الذي أنقذ حياتها بعدما وقع قانون "الحق في التجربة" عام 2018 لتوسيع وصول المصابين بالأمراض المستعصية إلى أدوية غير معتمدة في الحالات الطارئة. ولم يفوت الرئيس الجمهوري قصتها المؤثرة فاستدل بها في أحد خطاباته، قبل دعوتها لإلقاء كلمة خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، إذ قدمت تجربتها باعتبارها دليلاً على الأثر الإيجابي لسياسات ترمب.
وفي عام 2020، شقت هارب طريقها في الإعلام كمذيعة في قناة "ون أميركا نيوز" المحافظة، إذ قدمت برنامجاً مسائياً، ودافعت باستمرار عن أجندة ترمب، بما في ذلك مزاعم سرقة الانتخابات. ولم يكن اسمها معروفاً على نطاق واسع آنذاك، لكن حضورها الإعلامي وولاءها الواضح للرئيس مهدا لانتقالها من الدفاع عنه أمام الكاميرا إلى العمل معه، ففي وقت كان بعض الجمهوريين في واشنطن ينأون بأنفسهم عن ترمب بعد خسارته أمام جو بايدن، ويستبعدون عودته السياسية، غادرت هارب وظيفتها التلفزيونية عام 2022 لتعمل معه مساعدة تنفيذية، في خطوة رسخت منذ البداية صورة الولاء الذي سيصبح لاحقاً أبرز سمات علاقتهما العملية.
ولازمت المساعدة الشابة ترمب حتى قبل عودته إلى الحكم عام 2025، ففي مارالاغو، كانت ترافقه إلى ملعب الغولف، إذ يملي عليها منشوراته فتكتبها بسرعة كثيراً ما أشاد بها ترمب، وتحمل إليه المقالات والمواد التي يريد الاطلاع عليها مطبوعة، حتى ارتبط حضورها بطابعة محمولة وأطلق عليها بعض مساعديه لقب "الطابعة البشرية". وخلال حملة إعادة انتخابه، لازمته باستمرار على رغم أنها لم تتولَ منصباً رسمياً فيها، ليتحول ولاؤها وتفانيها إلى جزء أساس من الدور الذي صنعته لنفسها داخل دائرته. ونقلت "وول ستريت جورنال" أخيراً، في خضم الجدل حول طبيعة علاقتهما، عن مصدر مطلع أن ترمب قال على متن طائرته الخاصة إن هارب "الوحيدة التي تهتم به فعلاً".
"أنت كل ما يهمني"
تجلى حرص هارب على ملازمة ترمب في لحظات مفصلية منها جلسة محاكمته داخل نيويورك في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فبينما كانت هارب تستعد لمرافقته من مقر إقامته في "ترمب تاور" إلى المحكمة، تفاجأت بعدم وجود مساحة متوافرة لها داخل السيارات المخصصة للمرافقين ضمن موكبه، مما أدى إلى دخولها في شجار مع باقي مساعديه، موضحة لهم أن ترمب طلب منها شخصياً حضور المحاكمة، وعندما تعذر اصطحابها، صعدت مباشرة إلى صندوق سيارة رياضية متعددة الاستخدامات لتلحق بالموكب، وفق "سي أن أن".
وتختصر هذه الواقعة طبيعة الدور الذي صنعته هارب لنفسها خلال الأعوام الأخيرة كمساعدة متفانية وحاضرة على الدوام إلى جانب ترمب، مما أثار استياء بعض كبار مساعديه الذي سعوا أحياناً إلى تقليص وجودها داخل دائرته الضيقة. ويشير مسؤولو البيت الأبيض إلى أن هارب لم تأخذ يوم إجازة واحداً منذ انضمامها إلى الإدارة، إذ تبقى على تواصل مستمر مع الرئيس، وتحضر اجتماعات غرفة العمليات، والمكتب البيضاوي، فضلاً عن الاجتماعات التي يعقدها على متن الطائرة الرئاسية وفقاً لـ"وول ستريت جورنال".
ويثير بعض المسؤولين سراً أن تفاني هارب يتجاوز الحدود المعتادة للتعامل مع الرئيس من دون أن يحددوا سبباً واضحاً، إلا أن الرسائل التي سربتها "نيويورك تايمز" تكشف عن طبيعة السلوك الذي أثار التحفظات، إذ قالت له في إحداها عام 2023 "أنت كل ما يهمني". وتلخص هذه العبارة سر تمسك الرئيس بها، إذ قال مستشار في البيت الأبيض لـ"سي أن أن"، إن ترمب "يحب الاهتمام" ولذلك فهو يقدر "التزامها وإخلاصها المطلق". وكشف ترمب نفسه عن تقديره لهذا النوع من الولاء عندما تحدث عن استقالة المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت من منصبها لأسباب أسرية، وقال مازحاً إنه اكتشف أنها "تحب أطفالها أكثر مما تحب ترمب"، وإنه "قلق جداً من ذلك".
ظل ترمب ونافذته للعالم
أسهم إخلاص هارب للرئيس في ترسيخ نفوذها داخل إدارته، فهي ليست كغيرها من المساعدين، إذ ترافقه في رحلاته داخل البلاد وخارجها، وكانت ضمن دائرة محدودة اصطحبها معه في رحلته السرية لمغادرة تركيا بعدما خرج من الطائرة الرئاسية خلسة بسبب تهديد أمني. وبالنسبة إلى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت صورها ومقاطع ظهورها مع ترمب إلى مادة تثير الفضول وتجذب التفاعل، أما في واشنطن، فأصبحت بالنسبة إلى المشرعين وجماعات الضغط واحدة من أهم بوابات الوصول إلى الرئيس.
يتجلى نفوذ هارب في أبعاد كثيرة، من أهمها البعد المكاني فمكتبها يقع مباشرة خارج المكتب البيضاوي مما يسهل الوصول إليه في أي وقت ومن دون حواجز. بالتالي، يمضي ترمب مع هارب وقتاً أكثر مما يمضيه مع أي مساعد آخر، وفق المسؤولين. والبعد الآخر إداري بحت، فبخلاف باقي أعضاء الفريق التنفيذي، ترفع هارب تقاريرها مباشرة إلى ترمب ولا تتبع أحداً غيره، مما أثار استياء بعضهم من تنفيذها توجيهات ترمب فوراً من دون الرجوع إلى رئيسة موظفي البيت الأبيض أو مكتب الاتصالات أو فريق الأمن القومي.
أما البعد الثالث فيتعلق بدور هارب كحلقة وصل مباشرة بين الرئيس والعالم الخارجي، فهي تنقل إليه، وفق التقارير، ما يُتداول في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتولى في المقابل إيصال رسائله عبرها، وهي واحدة من عدد محدود من المساعدين الذين يتمتعون بوصول مباشر إلى حساب ترمب على منصة "تروث سوشيال"، ولذلك غالباً ما تكون مسلحة بجهاز كمبيوتر محمول وعدة هواتف، لتزويده سريعاً بأي معلومة أو جهة اتصال يحتاج إليها. وبعد أعوام من العمل معه، يملي عليها خلالها ما يريد نشره فتكتبه وتنشره نيابة عنه من هاتفها، تعلمت هارب محاكاة إيقاع ترمب في الكتابة وحتى طريقته المميزة في استخدام علامات الترقيم.
هذا القرب دفع المشرعين الجمهوريين إلى إبقاء قناة تواصل مفتوحة مع هارب لنقل رسائلهم إلى ترمب، وفي وصف تأثيرها، يقول مصدر مقرب من البيت الأبيض إن رقم هاتفها المحمول بات أثمن من رقم ترمب نفسه، وفق "وول ستريت جورنال". وأثارت ملازمتها لترمب استياء بعض مستشاريه الراغبين في الاجتماع به على انفراد لكنهم يفاجأون بمشاركة المساعدة في الاجتماع.
لكن هذا النفوذ لم يخل من كلفة، إذ وضع هارب في قلب الجدل حول ما يصل إلى الرئيس وما يُنشر باسمه، ففي وقت سابق من هذا العام، لاحقتها انتقادات بعدما نشرت، بناءً على توجيهات ترمب، مقطعاً تضمن صوراً عنصرية تظهر باراك وميشيل أوباما على هيئة قردة، إلى جانب صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لترمب في هيئة شبيهة بالمسيح، قبل أن يحذف البيت الأبيض المنشورين تحت ضغط من الحزبين. ودافع مقربون من الإدارة عنها، معتبرين أن تحميلها المسؤولية غير مُنصف ما دام ترمب يوافق بنفسه على ما ينشر في حساباته. لكن الجدل يتجاوز النشر، إذ اشتكى بعض المسؤولين سراً من أنها تعرض على الرئيس مواد صادرة عن جماعات من اليمين المتطرف تتضمن معلومات زائفة أو مضللة.
شكوك حول العلاقة
تدور الشكوك حالياً حول صلات الرئيس بمساعدته بعد تصريحات السيناتور الديمقراطي جون أوسوف التي لمح فيها إلى علاقة غير لائقة بينهما. ودافع المتحدث باسم البيت الأبيض ديفيس إنغل عن هارب، واصفاً إياها بأنها "واحدة من أكثر مساعدي الرئيس ترمب ولاءً واجتهاداً"، فيما هاجم أوسوف واتهمه بالدفع بسياسات "ليبرالية متطرفة". وبينما تتجنب هارب الظهور الإعلامي، يرفض البيت الأبيض طلبات الصحف لإجراء مقابلة معها، تزامناً مع تكهنات حول احتمال توليها منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.
ورفض البيت الأبيض تلميحات أوسوف بشدة، فيما قوبلت تصريحاته بانتقادات واسعة من المحافظين، إذ وُصف مدير اتصالات البيت الأبيض ستيفن تشيونغ السيناتور بأنه "ديمقراطي متطرف"، بينما اتهمه المعلق المحافظ سكوت جينينغز بالتحيز الجنسي ووصفه بـ"الجبان"، وقال المذيع هيو هيويت إنه "شخص حقود يروج للافتراءات". في المقابل، دافعت النائبة الديمقراطية عن تكساس جولي جونسون عن أوسوف، وقالت لـ"سي أن أن" إن "السياسة تنحدر أحياناً إلى الوحل"، معتبرة أن ترمب وحلفاءه اعتادوا بدورهم مهاجمة خصومهم بأشد الأساليب.
وعلى رغم الجدل المتصاعد حول هارب، لا تبدو مكانتها داخل دائرة ترمب مهددة في الوقت الراهن، بل إن حدة الدفاع عنها داخل البيت الأبيض تكشف عن مقدار الحصانة التي يمنحها لها قربها من الرئيس. وبينما يواصل خصوم ترمب التساؤل عن طبيعة هذه العلاقة وحدودها، يبقى الأكيد أن مساعدة التي لم تكن معروفة خارج الدوائر المحافظة قبل أعوام قليلة، أصبحت اليوم واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً في دائرة الرئيس الجمهوري.