Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"دموي"... مستشفى يختبر حدود الجسد والخوف

الأجساد المنهكة تغدو انعكاساً لنظام يتسلل إلى الأفراد ويستنزف طاقتهم الحيوية

دموي" فيلم رعب يدور حول الجسد (ملف الفيلم)"

ملخص

لا ينحصر دخول ماريون لو كوروليه إلى سينما الرعب من باب الإثارة. في فيلمها "دموي"، الذي شارك في مهرجان كان الأخير ضمن عروض "منتصف الليل"، تجعل المخرجة الفرنسية الشابة من الجسد بؤرة للرعب، عبر نزيف وتحوّلات جلدية وتشوّهات عضوية تتجاوز الصدمة البصرية، لتلامس مخاوف مرتبطة بالواقع الاجتماعي. فاذا كان لا بد من مرجع لهذه السينما، فيمكن ذكر الكندي ديفيد كروننبرغ.

تصل مارغو (مارا تاكان)، الممرضة الشابة، إلى قسم الطوارئ لتبدأ تدريبها تحت إشراف طبيبة صارمة (كارين فيار). لكن سرعان ما ينحرف مسار تجربتها المهنية حين تظهر على جسدها أعراض غريبة، قبل أن تكتشف أن حالات مماثلة آخذة في الانتشار داخل المستشفى وخارجه. هكذا، يتحوّل المكان المفترض أن يكون ملاذاً للعلاج إلى بؤرة غامضة لمرض يتسع نطاقه، فيما تتضاءل الحدود بين الرعاية والخطر.مار

يصعب أن ننزع عن الفيلم صدى جائحة "كوفيد 19". فالخوف من العدوى، والارتياب، وفقدان السيطرة على الجسد، والعجز أمام ما لا نفهمه، كلها تعود هنا في صيغة رعب جسدي مكثفة. وهي تيمة سبق للو كوروليه أن قاربتها في فيلمها القصير "الله لم يعد طبيباً" (2022). غير أن "دموي" لا يكتفي باستعادة ذاكرة الوباء أو إعادة تدوير مخاوفه. فخلف التحولات الجسدية العنيفة يبرز سؤال يتعلق بالسلطة على الجسد.

عنف اجتماعي وطبي

بهذا المعنى، يصبح الرعب في فيلم لو كوروليه امتداداً لعنف اجتماعي وطبي. الجسد الذي يتشوه وينزف ليس مجرد مادة للفرجة أو أداة لإنتاج الصدمة، وإنما مساحة للصراع على السلطة والمعرفة والسيطرة. والدم، بدلاً من أن يكون عنصراً جمالياً أو صادماً فحسب، يغدو علامة على اختلال بنيوي، وعلى عالم يضع الجسد تحت المراقبة والضغط إلى أن يبدأ بالتمرد على أصحابه.

في مقابلة أجرتها "اندبندنت عربية" مع لو كوروليه، تحدثنا معها في ضوء ما يطرحه الفيلم عن الاحتراق الوظيفي، وعن جيل يعيش تحت وطأة الضغط النفسي المتوصل، وذلك انطلاقاً من تجربتها الشخصية. روت لنا كيف وجدت في سينما الرعب الشكل الأنسب للحديث عن عالم العمل المعاصر.

تقول: "عملت في مجال المال والأعمال لمدة خمس سنوات، قبل أن ينهار جسدي تماماً بفعل الاحتراق الوظيفي. كانت تلك صدمة كبيرة بالنسبة لي. قلت لنفسي إن علينا أن نتحدث عن علاقة الشباب بالعمل من خلال الجسد، لأن المسألة جسدية وعميقة، فيزيائياً. لم يعد الأمر يقتصر على الرأس، بل انتقل إلى الجسد. ما يدور في الرأس يؤثر حتماً في الجسد. ثم إنني شغوفة بسينما النوع مذ كنت طفلة. إنها لغة تأتي لي بصورة طبيعية. أجدها ممتعة ومبهجة، وتتيح رواية أشياء بطريقة جذابة وترفيهية جداً، وفي الوقت نفسه تحمل طرحاً اجتماعياً وسياسياً".

يقول المخرج النيوزيلاندي بيتر جاكسون إن سينما الرعب تشكّل أداة رائعة للمخرجين الشباب الذين لا يملكون إمكانات إنتاجية كبيرة، إذ يمكن ابتكار الكثير من دون موازنة ضخمة. فهل توافق لو كوروليه، التي تنجز فيلمها الطويل الأول، على هذا الطرح؟ تجيب: "تماماً. على رغم أنني أعتقد أن سينما النوع مكلفة أيضاً. بلغت موازنة فيلمي خمسة ملايين يورو، وهذا مبلغ كبير بالنسبة إلى فيلم أول. لكنها سينما ملموسة جداً. نحن لا نتعامل مع الموضوع من خلال التنظير، بل من خلال تجسيده، ومن خلال المادة نفسها. فيلمي يظل نقدياً جداً، سياسياً واجتماعياً. لم أرد أن أكون في موقع الاستعراض السياسي وحده. أحب أيضاً فكرة سينما الرعب كتجربة مرحة ومبهجة. ولهذا السبب أستخدم كثيراً الفكاهة السوداء. رفضت أن أكون مباشرة".

النظام الرأسمالي والمستشفى

تجري أحداث الفيلم في مستشفى، وليس هذا بالتفصيل العابر. ودت المخرجة من خلال هذا الاختيار أن تقول إن المستشفيات في الغرب تُدار على نحو رأسمالي متزايد، وكأنها شركات تخضع لمنطق الأداء والمردودية والإنتاجية. أما الأجساد المنهكة، فتغدو انعكاساً لنظام يتسلل إلى الأفراد، ويستنزف طاقتهم الحيوية. إنها ظاهرة شديدة الواقعية في فرنسا، في حين تتخد في الولايات المتحدة شكلاً مختلفاً، إذ يتعين عليك أن تملك المال كي تحصل على العلاج. أن تعجز عن الوصول إلى الرعاية الصحية لمجرد أنك لست ثرياً، فهذا يثير سخط لو كوروليه.

يندرج الفيلم في سياق موجة "رعب الجسد" الحديثة التي تقودها مخرجات فرنسيات، من جوليا دوكورنو، صاحبة "تيتان" الفائز بـ"السعفة الذهبية"، إلى كورالي فارجا، مخرجة "المادة". تقول لو كوروليه إنها تحب الفيلمين وتقدّر المخرجتين: "أعتقد أن النساء الفرنسيات مسيّسات وملتزمات جداً. يرغبن في تقديم نظرة جديدة إلى الأجساد، ولا سيما الأجساد النسائية. جوليا دوكورنو فتحت باباً، ثم تبعتها كورالي فارجا، قبل أن تطوّر كل واحدة منهما عالمها الخاص. عندما أشاهد أفلام جوليا وأفلام كورالي، أجدها مختلفة جداً بعضها عن البعض الآخر. كذلك أشعر أيضاً بأن فيلمي يمتلك هويته الخاصة. لكن هناك، على رغم ذلك، نوعاً من تسليم الشعلة بيننا، شيئاً جماعياً يسهم في تغيير النظرة إلى الأجساد. هناك رغبة في استعادة السيطرة على النظرة الموجهة إلى الأجساد النسائية. هناك شيء شديد البهجة في أن نقول: الآن، نستعيد ما هو ملك لنا ونفعل به ما نشاء. أنا فخورة جداً بأن تكون هذه "اللمسة الفرنسية" في سينما النوع محمولة اليوم على أكتاف النساء. وآمل خصوصاً في أن يشجع ذلك مخرجات أخريات على خوض التجربة. وبما أن النساء هن اللواتي يشغلن هذا المجال في الغالب اليوم، أشعر أحياناً بأن الرجال يقولون لأنفسهم: سنترك لهن هذا المجال. (ضحك). لكنني أجد من الرائع أن تستثمر النساء مساحة لطالما هيمن عليها الرجال، بشيء من الوقاحة والاستفزاز. هناك نوع من الانتقام في ذلك، وهذا مصدر بهجة لي".

"هل تستطيعين مشاهدة جميع المشاهد الدموية؟"، سألتها مازحاً، إذ أعاني شخصياً صعوبة كبيرة في النظر إلى الشاشة عندما تغرق في الدم. فردت ضاحكة: "نعم، لكن بما أنني أنجزت الفيلم، فلدي بالضرورة نظرة تقنية. عندما أشاهد فيلم رعب، أتساءل أساساً كيف نُفِّذت المؤثرات: هل هي مكياج؟ مؤثرات بصرية؟ لذلك لا أنسى تماماً أنها غير حقيقية. لكنني شاهدت أخيراً فيلم "الأخت القبيحة" لإميلي بليشفيلدت، وهناك مشهد في النهاية جعلني أشعر بالغثيان فعلاً. قلت لنفسي: أرفع القبعة احتراماً".

كوفيد نقطة تحول

وهل أثّرت جائحة "كوفيد 19" في الفيلم؟ تقول لو كوروليه إنها كتبت السيناريو بعد الجائحة، ولذلك لا بد من أن يكون لها صدى فيه، ولا سيما في ما يتعلق بوضع المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي. لكنها لم تستلهم الجائحة بصورة مباشرة. توضح بالقول: "كوفيد كان نقطة تحول حقيقية بالنسبة إلى جيل "زد". حدثت استقالات كثيرة جداً، ولا سيما في الولايات المتحدة، فيما عُرف بـ"الاستقالة الكبرى". بدأ كثيرون يتساءلون عما إذا كان لعملهم معنى. لقد أحدث كوفيد وعياً عميقاً بالعلاقة مع العمل. اليوم، يقبل كثير من الشباب بما يُسمّى "الوظائف العبثية"، فقط من أجل تأمين الاستقرار المالي، بينما يبحثون عن المتعة والمعنى في أماكن أخرى من حياتهم. لم يعد العمل يحتل المكانة نفسها التي كان يحتلها في حياة آبائنا أو أجدادنا. لكن ذلك يعود أيضاً إلى أن الأجيال السابقة كانت لا تزال قادرة على التطلع إلى المستقبل. أما اليوم، فالعالم غير مستقر، سياسياً واجتماعياً وبيئياً، ولذلك يبحث كثير من الشباب، قبل كل شيء، عن متعة فورية. لقد أصبح من الصعب جداً أن نتطلع إلى المستقبل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الشخصية الرئيسية في الفيلم تراقب تحولات مقلقة تطرأ على الآخرين، قبل أن تجد نفسها، تدريجاً، عرضة للتحولات ذاتها. فهل يتحدث الفيلم أيضاً عن الخوف من أن يصبح المرء في نهاية المطاف ما ينتجه النظام؟

تجيب لو كوروليه: "هي، طوال الفيلم، تكافح كي لا يبتلعها النظام. تقاوم باستمرار شيئاً يحاول أن ينخرها من الداخل. وأعتقد أن هذا أحد النضالات الكبرى التي يخوضها شباب اليوم: أن يتمكنوا من الحفاظ على هويتهم وتفردهم في عالم يسحق الأفراد ويحولهم إلى نسخ متشابهة".

تؤكد لو كوروليه أن مشاركة الفيلم ضمن عروض "منتصف الليل" في مهرجان كان شكّل بالنسبة لها تجربة شديدة الخصوصية، أمام جمهور شديد التفاعل. بل إن اختيار الفيلم لهذه الفقرة كان حلماً راودها منذ مراحل إنجازه الأولى. تقول: "أثناء المونتاج، كنت أقول لنفسي: يجب أن يعرض الفيلم في "منتصف الليل". شعرت بأنه ينتمي تماماً إلى هذا المكان. إنه فيلم عضوي جداً، يُعاش جسدياً".

لا تبدو لو كوروليه راغبة في مغادرة هذا العالم في المستقبل القريب، بل على العكس، تؤكد رغبتها في مواصلة العمل داخل سينما النوع: "سيكون فيلمي المقبل أيضاً فيلم رعب. بدأت بالفعل في كتابته. أستمتع كثيراً بإنجاز هذا النوع من السينما. إنه عالم يتوافق معي بعمق".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما