Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

احتقان متعدد الأبعاد... أهالي بنقردان يشكون الخنق البري والبحري

غرق مركب هجرة يفجّر احتجاجات تطالب بالتنمية وإيجاد متنفس للشباب في التجارة عبر المنفذ الحدودي

تنامى منسوب الاحتجاج في تونس بصورة غير مسبوقة خلال يوليو 2026 ليصل عددها إلى 1100 احتجاج للمرة الأولى منذ عشر سنوات (وسائل التواصل)

ملخص

فجّر غرق مركب هجرة غير نظامي في سواحل جرجيس موجة احتجاجات تطالب بمعالجة أسباب الهجرة وبالتنمية، في ظل تراجع أداء المعبر الحدودي برأس الجدير الشريان الحيوي الاقتصادي الوحيد في المنطقة، بسبب التوترات الأمنية في ليبيا.

كشفت سلسلة الاحتجاجات والسخط الشعبي في تونس خلال صيف 2026 عن حالة الهشاشة التي شملت قطاعات حيوية كالأدوية والكهرباء والماء، وتختبر هذه التحركات الاجتماعية مدى قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب قديمة متجددة لا تتعلّق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تجاوزتها إلى المطالبة بتوفير المرافق الأساسية من مياه وكهرباء ومواد أساسية.

وبحسب أرقام المرصد الاجتماعي التونسي، التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تنامى منسوب الاحتجاج في تونس بصورة غير مسبوقة خلال يوليو (تموز) 2026، ليصل عددها إلى 1100 احتجاج للمرة الأولى منذ عشر سنوات، وبزيادة قدرها 27 في المئة مقارنة بشهر يونيو (حزيران) الماضي.

وعمّقت فاجعة غرق مركب الهجرة غير النظامية قبالة سواحل جرجيس والتي أسفرت عن وفاة 12 شخصاً وفقدان اثنين ونجاة شخص واحد، بحسب الإدارة العامة للحرس الوطني، من حالة الغليان تجاه السلطة التي باتت عاجزة عن إيجاد الحلول المناسبة.

فكيف ستتدارك السلطة غضب الشباب في بنقردان؟ وما دوافع تنامي منسوب الغضب الشعبي في تونس؟

تعيش تونس خلال هذه الفترة على وقع ندرة المياه المعدنية المعلبة، وبعض المواد الأساسية، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، نتيجة موجة حرّ غير مسبوقة، علاوة على انقطاع المياه، وهو ما حوّل حياة جزء كبير من التونسيين إلى مأساة خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة.

في المقابل، تكتفي مؤسّسات الدولة كالشركة العامة للكهرباء بالإبلاغ عن المناطق التي سيشملها انقطاع التيار الكهربائي، وتبرّر ذلك بضرورة المحافظة على توازن الشبكة العامة للكهرباء، بينما تغيب الإجابة عن ندرة المياه المعدنية أو بعض المواد الاستهلاكية الأخرى.

فاجعة بنقردان تعمّق الأزمة

وفجّرت بنقردان غضباً مرتبطاً بالهجرة والتنمية، إلا أن أزمة الماء والكهرباء وفقدان بعض المواد تمثل الوجه الآخر لحالة الاحتقان العامة في البلاد.

خليل شاب (25 سنة) من بن قردان، يقول إن "بنقردان خارج التصنيف في الجمهورية التونسية، في غياب مناطق صناعية تستوعب الشباب الباحث عن عمل وتدهور الوضع الاقتصادي وانتشار البطالة"، لافتاً إلى أن "المعبر الحدودي الذي كان متنفساً لشباب المنطقة لم يعد يفي بالغرض، بسبب تراجع منسوب التجارة بين البلدين وتدهور الوضع الأمني في الجارة ليبيا، وتزايد التضييقات التي يتعرّض إليها التجار التونسيون عند البوابات في الداخل الليبي".

ويدعو خليل الدولة إلى "ضرورة الاستثمار في الجهة، من خلال توفير موارد الرزق حتى لا تكون الهجرة غير النظامية الملاذ الوحيد أمام شباب الجهة".

وبخصوص الاحتجاجات، يرى خليل أنها "حق مشروع لشباب يتلمظ يومياً مرارة البطالة وضيق الأفق، لافتاً إلى التعامل العنيف لقوات الأمن مع المحتجين وهو ما زاد في تأجيج الأوضاع".

ثقافة الهجرة في بنقردان

ارتبطت منطقة بن قردان تاريخياً وإثر الاستقلال بظاهرة الهجرة، خصوصاً إلى فرنسا إذ هاجر في السبعينيات والثمانينيات جزء كبير من سكان المنطقة إلى أوروبا، حينما كان الدخول إلى الفضاء الأوروبي من دون تأشيرة، بينما يواجه الجيل الرابع والخامس اليوم صعوبات كبرى في الالتحاق بأهاليهم في الضفة الأخرى من المتوسط.

ويرى مصطفى عبد الكبير رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان في حديث خاص أن "التعقيدات التي فرضتها الدول الأوروبية حالت دون التحاق عدد من الشباب بأهاليهم في فرنسا، وباتت الهجرة غير النظامية الملاذ الوحيد أمام هؤلاء الشباب للبحث عن مورد رزق وضمان عيش كريم هناك". ولفت أيضاً إلى وجود "عقلية سائدة في المنطقة ولدى الشباب وهي البحث عن الإقامة والعمل في أوروبا، بسبب ضيق الأفق في المنطقة التي باتت طاردة لسكانها"، مشيراً إلى أن "الوضع الأمني في ليبيا والتضييق الاقتصادي، يدفع الشباب إلى الهجرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى عبد الكبير أن "شباب بنقردان يفتقر إلى مناطق صناعية، في غياب المصانع وموارد رزق، بينما تراجع منسوب التجارة مع ليبيا عبر منفذ رأس الجدير في الأعوام الأخيرة بنسبة 70 في المئة بعد أن كان الشريان الحيوي التجاري الوحيد في الجهة، كذلك فقدت تونس نحو 60 في المئة من مواطن الشغل بسبب الوضع الأمني المتدهور في ليبيا وتراجع الاستثمار والتضييقات الأمنية والخلافات السياسية بين البلدين، وباتت بنقردان مصنفة ضمن مناطق الهامش الاقتصادي".

ويضيف أن "أهالي بنقردان طالبوا في البداية بالتسريع في البحث عن ناجين من غرق مركب الهجرة، ثم تطورت المطالب إلى تكثيف البحث عن الجثامين، لكن في الحقيقة هي مطالب تنموية واقتصادية بسبب التضييق على التجارة البينية مع ليبيا عبر رأس الجدير، داعياً إلى إيجاد حلول حقيقية عاجلة والبحث عن اتفاقيات مع ليبيا تضمن مصالح الطرفين، وإيجاد متنفس للشباب في التجارة عبر المنفذ الحدودي، داعياً رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إلى التدخل العاجل وزيارة المنطقة، ووضع حدّ للتعامل العنيف مع الشباب المحتج"، مشدّداً على "ضرورة أن يكون الاحتجاج سلمياً وفي وضح النهار لحماية الممتلكات العامة والخاصة".

المناطق الحدودية تواجه مصيرها

تواجه المناطق الحدودية الشرقية والغربية في تونس تحديات اقتصادية واجتماعية، وتُركت منذ الستينيات والسبعينيات تواجه مصيرها، وباتت مناطق هشّة تعتمد بالأساس على التهريب والتجارة البينية مع ليبيا من جهة الشرق، والجزائر من الجهة الغربية، من دون أن تجعل منها الدولة منصات للاستثمار أو تحوّلها إلى مناطق تجارية حرّة تنتج الثروة وتنهض بتلك الربوع.

ويؤكد حسين الرّحيلي أستاذ التنمية والتصرف في الموارد في الجامعة التونسية أن "التجارة البينية بين تونس وليبيا ازدهرت في فترة الحصار المفروض على ليبيا في عهد معمّر القذافي، بين 1990 و2002، ونجحت تلك التجارة خلال 12 سنة في تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي لتلك المنطقة، إلا أنها كانت حلولاً ظرفية مرتبطة بظروف سياسية واقتصادية وإقليمية".

ويرى الرحيلي أن "المقاربة التي تعتمدها الدولة إزاء تلك المناطق الحدودية تجاوزها الزمن، ولا يمكن لمعبر حدودي أن يحل مشكلات مناطق بأكملها، لافتاً إلى أن تونس خسرت ليبيا منذ عامي 2012 و2013 نتيجة المواقف السياسية الخاطئة التي اتخذتها حكومة الترويكا الأولى والثانية، وبالتالي لم يعد لتونس اليوم أي تأثير أو استفادة مباشرة من ليبيا، بينما الجهات المستفيدة والرابحة اليوم هي مصر على مستوى حدودها الغربية مع ليبيا، وتركيا التي تعدّ اللاعب الأكبر حيث استطاعت منذ 2012 و2013 إيجاد تحالفات صلبة، وأصبحت اليوم تسيطر تقريباً على المجالات الحيوية الاقتصادية كافة من طاقة وغاز ونقل وخدمات ومقاولات وغيرها".

اقتصاد الندرة

ويرى أستاذ التنمية والتصرف في الموارد أن الأسباب الحقيقية للاحتقان الاجتماعي في بنقردان هو "التفاف الدولة عن واجبها في التنمية وتوفير موارد الرزق والخدمات الأساسية، نتيجة فشل الخيارات والسياسات وعجزها عن تحويل المناطق الحدودية إلى منصات للتجارة الحرة"، لافتاً إلى أن "تونس اليوم تعيش اقتصاد الندرة، في أبسط الضروريات الحياتية، إلى جانب انعدام الاستثمار العمومي وغياب مشاريع كبرى تنهض بالجهات الداخلية"، داعياً إلى "إنشاء مناطق تبادل حر، وتنظيم التجارة البينية، وفق الأطر القانونية، وتوفير بنية تحتية متطورة، وتحفيز الاستثمار، وجعلها مناطق تجارية مفتوحة على غرار بقية المناطق الحدودية بين دول العالم".

تتغيّر عناوين الاحتجاجات من منطقة إلى أخرى، من أهالي شباب بنقردان، ركب البحر في سواحل جرجيس، بحثاً عن أفق أرحب في أوروبا، إلى مواطنين يطالبون بتوفير المرافق الأساسية من ماء وكهرباء، إلا أنها تعكس في مجملها حالة من التوتر الاجتماعي تلتقي كلها في مطالب الحقوق الاجتماعية والتنمية والخدمات الضرورية، ما يؤكد أن الاحتقان بات متعدد الأبعاد، وما على السلطة إلا إدراج هذه المطالب عند رسم السياسات العمومية والعمل على الاستجابة لها من خلال مخططات تنموية بعيداً من التسويف والحلول الترقيعية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير