Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ذاكرة رافائيل ألبرتي "المثخنة" بالشعراء والحرب الأهلية

"الأجمة الضائعة" بين المنفى الإيطالي وإسبانيا: صفحات تعبق بالحنين وتذكر بكم كانت أرض الأندلس غنية

رافائيل ألبرتي (ويكيميديا)

ملخص

الأعمال الكاملة للشاعر الإسباني رافائيل لألبرتي، والتي نُشرت عام 1946 في عنوان "قصائد" فتضع هذا الشاعر الفذ في طليعة الشعراء الإسبان المعاصرين، جنباً إلى جنب مع لوركا وماتشادو وخيمينيز، وكذلك حال أعماله المسرحية التي نُشرت في عام 1950، فضلاً عن كتبه اللاحقة التي وضعها تباعاً، سواء في الفترة التي أمضاها في الأرجنتين حتى عام 1963، أو حين اتجه إلى روما

في عام 1976 وفي وقت كان يستعد للعودة من منفاه في روما إلى وطنه الإسباني الذي كان غادره عند انتصار فاشيي فرانكو قبل ذلك بنحو أربعين سنة، أصدر الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي (1902 - 1999) طائفة من ذكرياته جمعها كتاب صدر في روما. ولقد أتى هذا الكتاب، عدا عن كونه واحداً من أفضل السبل التي تعيننا على الدخول إلى عالم هذا الكبير من شعراء القرن العشرين، حافلاً باستعادات زمنية وذكريات تحمل أسماء معظم عمالقة القرن بجيليه. وبالتالي من المؤكد أن في مقدورنا من خلال هذا الكتاب، استعادة حياة وسيرة هذا الشاعر الذي كانت بداياته مع ديوان "بحّار عند الشاطئ" الذي حقق نجاحاً مكنه من القيام ببضعة أسفار إلى فرنسا وألمانيا، كذلك أمضى شهوراً عدة في الاتحاد السوفياتي، بعد عام 1931، أي العام الذي أعلن فيه قيام الجمهورية الإسبانية. وهو، خلال الحرب الأهلية ناضل إلى جانب معظم الكتّاب والمثقفين الإسبان - الذين ترد أسماؤهم في كتابه - ولبث كذلك حتى اليوم الذي هُزمت فيه تلك القضية، فاضطر إلى اختيار المنفى مع زوجته ماريا – تيريزا ليون.

البداية من باريس

كانت باريس "بشكل طبيعي" كما يذكر ألبرتي منذ الصفحات الأولى لكتابه، أولى محطات الرحيل، وقد وصل الزوجان إليها في الربيع. وعن أولى خطوات الغربة المتتالية يقول ألبرتي: "كنا تركنا إسبانيا في شهر آذار (مارس). وما إن بدأنا ندرك معنى الوصول إلى مدينة هادئة ومفعمة بالحياة، حتى انطفأت كل الأضواء الباريسية، وراحت صفارات الإنذار تعلن أول المناوشات على خط ماجينو. يومها كنا واضعين أمام أبصارنا مهمة تنحصر في منع أنفسنا من الموت جوعاً، أو من العيش في شكل طفيلي على حساب أصدقائنا الفرنسيين. وحينها، بناء على اقتراح بيكاسو قبلنا نحن الاثنين العمل كمترجمَين بسيطين في راديو باريس العالمي الذي كان يبث إذاعة موجهة إلى أميركا اللاتينية، لكن الديكتاتور فرانكو سرعان ما تدخل شخصياً لدى الماريشال بيتان لكي يمنع من سماهما بوصفهما 'هذين الإرهابيَّين الأحمرين'، من الاستفادة من هذا العمل المتواضع، فطُردنا، وما كان منا إلا أن توجهنا إلى مرسيليا، ومنها إلى الأرجنتين".

وتوجه الاثنان بحراً إلى الغربة الأرجنتينية. وكان ألبرتي نفسه قد حلم بمثل هذا المصير يوم كان يقطن الجبال ويتوق إلى البحر، معبراً عنه في قصيدته الأولى "بحار عند الشاطئ". وكانت قصيدة مليئة بالشوق إلى السفر وبأحلام الطفولة. وعلى رغم أسلوبها المرح المزدحم بالأمل، كان يلوح منها شيء من الحزن والكآبة اللذين طبعا في اللاحق أسلوب ألبرتي الشعري.

في طبيعة زمنه

أما الأعمال الكاملة لألبرتي، والتي نُشرت عام 1946 في عنوان "قصائد" فتضع هذا الشاعر الفذ في طليعة الشعراء الإسبان المعاصرين، جنباً إلى جنب مع لوركا وماتشادو وخيمينيز، وكذلك حال أعماله المسرحية التي نُشرت في عام 1950، فضلاً عن كتبه اللاحقة التي وضعها تباعاً، سواء في الفترة التي أمضاها في الأرجنتين حتى عام 1963، أو حين اتجه إلى روما. ولكن، ما الذي دعا ألبرتي إلى إعطاء كتابه عنوان "الأجمة الضائعة"؟

يقول المؤلف في المقدمة: "لقد استقيت العنوان من اسم يُطلق على أجمة كائنة في مدينة بويرتو سانتا ماريا في قادش. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من ذكريات طفولتي يرتبط بتلك البقعة من الأرض. ولا أزال أشعر حتى اليوم، بأنني كلما تقدمت في العمر صرت أكثر إحساساً بطفولتي وتواقاً إليها. مع شعوري الدائم بأنني أضحي مسحوراً أكثر وأكثر وأنا في الطريق الذي يقودني إلى النهاية... إلى "خليج الظل". وكلما تقدمت على هذا الطريق شعرت بأنني أكثر التصاقاً بتلك الأجمة الضائعة".

والواقع أن البيت الذي نسقه ألبرتي ليعيش فيه في روما، كان يعبق برائحة إسبانيا وذلك من خلال تفاصيله الصغيرة. وعن ذلك يقول ألبرتي: "كنا نقطن منزلاً في زقاق سان دومنغو تتوسطه شجرة ليمون مزهرة، ومحاطة بأنواع من الزهور". ويضيف: "في الثانية عشرة من عمري، كنت أرغب في أن أصبح مصارع ثيران. لهذا، كنت أرافق غجرياً هو صديق لي إلى مكان مليء بالحيوانات الأليفة حيث أمارس مصارعة المِعاز والأبقار. وفي عام 1917 رحلت إلى مدريد لدراسة الرسم. وفي 1923 أقمت معرضاً لرسومي التكعيبية والمتنوعة، فلم أبع سوى لوحة واحدة بمبلغ لا أعتقد أنه يزيد على 300 بيزيتا. وفي نهاية ذلك العام اتجهت إلى الكتابة، وبدأت أنشر تباعاً. وكانت أولى قراءاتي الجدية "المجموعة الشعرية" لخوان رامون خيمينيز، إضافة إلى أعمال أنطونيو ماتشادو، فضلاً عن كتّاب روس أمثال غوغول وغونتشاروف وكورلنكو ودوستويفسكي".

إسبانيا في السنوات المبكرة

في كتابه المليء بالذكريات يعود ألبرتي بالذاكرة إلى الجو الثقافي الإسباني في العشرينيات والثلاثينيات، وإلى الشعراء الذين ضيعتهم الحرب الأهلية: "فدريكو غارسيا لوركا قتله الفاشيون الكتائبيون، وأنطونيو ماتشادو مات في معسكر للاعتقال عند الحدود الفرنسية، أما الآخرون الباقون فتوجهوا إلى المنفى، حيث كثيرون منهم ماتوا في المكسيك مثل لويس ثرنودا وإميليو برادوس وليون فيليبي. وفي بورتوريكو مات خوان رامون خيمينيز، الحائز جائزة نوبل. أما في إسبانيا فلم يبقَ سوى قلة لم تتمكن من السفر. لقد كان كل هؤلاء الشعراء آخر من بقي من جيل بدا ذات يوم كبيراً وفسيحاً، كما بدوا هم على يقين من أنهم سيملأون في يوم إسبانيا كلها شعراً وحماسة. لكن إسبانيا، وبسبب الديكتاتورية الفرانكوية التي ذهبت إلى الأبد، عاشت سنواتها الأخيرة لا تعرف سوى الصمت، وليس فيها أي شاعر كبير. وفي إسبانيا كلها، ليس ثمة حي أو ركن يساوي "مسكن الطلاب" الذي كان مقره في إحدى أجمل زوايا مدريد، وكان ملجأ للكتّاب والشعراء والطلاب والفنانين الشبان، ابتداء من أوائل القرن حتى النهاية المأسوية التي عرفتها الديمقراطية في بلدنا يوم الثامن عشر من تموز (يوليو) 1936".

صراع على جبهة الشعر

وعن أثر تلك الحرب الأهلية على الشعر يقول ألبرتي: "لقد تطور شعرنا باتجاه غنائي واضح، معاكساً الصراع مع الشعر الإسباني القديم. ونحن، خلال الحكم الجمهوري، وأثناء الحرب الأهلية، اكتسبنا كفنانين وعياً سياسياً كبيراً. حتى بابلو نيرودا الذي لم يكن شاعراً سياسياً فيما كان يقبل بمفهوم "الشعر النقي المجرد" غاص بالتدريج في واقعنا. وألزم نفسه وشعره بنوع من الامتثال والتماسك والانتظام. ونذكر هنا أن أنطونيو ماتشادو كتب يقول: "الحرب. هذه الحرب الإسبانية الهائلة، هذه الحرب الإنسانية في أعماقها: دفعت إلى الأمام شعراءنا الشبان، ووضعتهم مرة واحدة على اتصال وثيق بالإنسان بصفته إنساناً".

وهكذا في "الأجمة الضائعة"، تمر أسماء عدة وحكايات كثيرة. ومنها بصورة خاصة حين يتذكر ألبرتي الصداقة التي كانت بينه وبين لوي بونويل ولوركا وسلفادور دالي، تلك الصداقة التي ولدت وترعرعت في "مسكن الطلاب" في مدريد: "كان دالي آنذاك شاباً نحيلاً ذا رأس جميل ودقيق التفاصيل، لونه أسمر ولهجته كاتالانية واضحة. كان يبدو لي آنذاك خجولاً وقليل الكلام. وكان يسرني علمي بأنه يعمل طيلة النهار، ناسياً في أكثر الأحيان تناول الطعام. هو الذي كان غالباً ما يصل إلى لقاءاتنا متأخراً. كان دالي ذا موهبة حقيقية، وسوريالياً من دون أن يدري. والغريب أنه عاد بعد ذاك وآمن، وأصبح ذا حس تجاري حقير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"لوركا وألبرتي متكاملان"

وعن فدريكو غارسيا لوركا يتحدث ألبرتي مطولاً، ويذكر أن أنطونيو ماتشادو كان يقول إن لوركا وألبرتي متكاملان باعتبارهما وجهين من وجوه الوطن الأندلسي: "أولهما مشرقي وثانيهما أطلسي"، وبدوره يقول ألبرتي عن الثنائي الآخر الذي يمثله ماتشادو - لوركا: "كان لوركا يبدو أكثر امتلاءً بالفولكلور والريف مثل أي فنان حساس آتٍ من غرناطة. أما ماتشادو فيبدو مثل أي جبلي آتٍ من قادش مليء بحس البحر ورائحة الملح اللذين ينعكسان حتماً علي".

وإلى هذا كانت بين لوركا وألبرتي صداقة طويلة. وعن لقائهما الأول يقول ألبرتي: "التقينا للمرة الأولى بعد ظهر أحد أيام الخريف. كان فدريكو أسمر اللون، أسود الشعر، عريض الجبهة، لامع العينين ومبتسماً على الدوام، شبيهاً بأي ريفي من أولئك الذين تلدهم الأرض الأندلسية".

وفي الكتاب أسماء أخرى كثيرة يقول ألبرتي عن أصحابها: "يومها، كلهم كانوا معنا، إلى جانبنا: بول أيلوار، لويس أراغون، فرنسوا مورياك، أندريه مالرو، توماس مان، إرنست همنغواي. ويومها كنا لا نزال طافحين بالأمل".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة