ملخص
تكشف أزمات الشرق الأوسط عن إعادة توزيع واسعة للثروة، إذ تؤدي اضطرابات الطاقة والشحن والتأمين إلى ارتفاع الأسعار، بينما تستفيد شركات الطاقة والدول المصدرة من تقلبات الأسواق.
في صباح اليوم التالي لأي تصعيد عسكري كبير في الشرق الأوسط، لا تتغير الخرائط السياسية فحسب، بل تبدأ خريطة أخرى في التحرك على شاشات الأسواق المالية.
خلال دقائق ترتفع أسعار النفط، تقفز أسهم شركات الطاقة، تعيد شركات الشحن حساب مساراتها، وترفع شركات التأمين أسعار تغطية السفن العابرة للمناطق الخطرة. وبينما تتركز الأنظار على ساحات الصراع، تبدأ في الخلفية عملية اقتصادية ضخمة لإعادة توزيع الأموال بين الدول والشركات والقطاعات.
هذه ليست ظاهرة جديدة، فمنذ أزمة النفط عام 1973، عندما قررت الدول العربية المنتجة للنفط تقليص الإمدادات خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أدرك العالم أن الشرق الأوسط لا يمثل مجرد منطقة منتجة للطاقة، بل يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث.
خلال تلك الأزمة ارتفع سعر النفط من نحو ثلاثة دولارات للبرميل قبل أكتوبر 1973 إلى أكثر من 12 دولاراً خلال عام 1974، أي بزيادة تجاوزت 300 في المئة، مما أدى إلى موجة تضخم عالمية عرفت لاحقاً باسم "صدمة النفط الأولى".
وبعد ما يقارب خمسة عقود، ما زالت المعادلة نفسها قائمة، لكن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تعقيداً، النفط اليوم ليس مجرد مادة خام تستخدم في تشغيل السيارات والمصانع، بل أصبح جزءاً من منظومة مالية ضخمة تشمل أسواق العقود الآجلة، وشركات التداول، وصناديق الاستثمار، وشركات الشحن، والتأمين، والبنوك المركزية التي تراقب كل دولار يرتفع في سعر الطاقة لأنه قد يتحول خلال أشهر إلى تضخم في أسعار الغذاء والنقل والصناعة.
وتكمن أهمية الشرق الأوسط في أنه لا يزال مركز الثقل الحقيقي لسوق الطاقة العالمية، فوفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمر عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي اليومي من النفط. كذلك تمر عبره كميات ضخمة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر، التي تعد من أكبر مصدري الغاز في العالم.
وهذا يعني أن أي اضطراب في المنطقة لا يهدد فحسب الدول المجاورة، بل يرفع كلفة الطاقة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فالمصانع في آسيا، وشركات النقل في أوروبا، والمستهلكون في الولايات المتحدة، جميعهم يتأثرون بتغير يحدث في ممر بحري لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط عشرات الكيلومترات.
لكن المفارقة الاقتصادية الكبرى تظهر عندما ننظر إلى الطرف الآخر من المعادلة، ففي الوقت الذي تتحمل فيه الحكومات والمستهلكون كلفة ارتفاع أسعار الطاقة، تحقق شركات النفط العملاقة أرباحاً ضخمة نتيجة ارتفاع الأسعار وتقلب الأسواق.
خلال أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022، حققت أكبر خمس شركات نفط عالمية أرباحاً تاريخية، فقد تجاوزت أرباح شركة "إكسون موبيل" وحدها في عام 2022 حاجز 55.7 مليار دولار، وهو أعلى ربح سنوي في تاريخ الشركة، كذلك حققت "شل" نحو 39.9 مليار دولار، وسجلت "شيفرون" نحو 35.5 مليار دولار، بينما تجاوزت أرباح شركة "توتال إنرجي" الفرنسية 36 مليار دولار.
هذه الأرقام لم تكن نتيجة زيادة الإنتاج فحسب، بل نتيجة عامل أكثر تعقيداً: ارتفاع قيمة كل برميل يتم إنتاجه وتداوله. فعندما ترتفع الأخطار السياسية، لا ترتفع الأسعار بسبب نقص حقيقي فوري دائماً، بل بسبب الخوف من احتمال حدوث نقص مستقبلي، وهذا ما يسمى في أسواق الطاقة بـ"علاوة الأخطار الجيوسياسية".
وفي الأزمات الحديثة، أصبحت الشركات التي تمتلك أنشطة متنوعة هي الأكثر استفادة، فشركة مثل شل أو "إكسون موبيل" لا تعتمد فحسب على استخراج النفط الخام، بل تمتلك شبكات تكرير وتجارة ونقل، وعندما ترتفع التقلبات السعرية، تستطيع هذه الشركات تحقيق أرباح من فروقات الأسعار بين الأسواق المختلفة.
وقد ظهر ذلك بوضوح في نتائج الشركات خلال السنوات الأخيرة، فقد أعلنت "شل" في الربع الثاني من عام 2026 أرباحاً معدلة بلغت 9.84 مليار دولار، مدفوعة بأداء قوي في تجارة الغاز والطاقة وتحسن هوامش بعض أنشطة التكرير.
كذلك، سجلت "إكسون موبيل" أرباحاً فصلية قوية بلغت 14.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة وتحسن نشاط التكرير.
لكن قصة إعادة توزيع الثروة لا تتوقف عند شركات النفط، فهناك مستفيدون آخرون يظهرون غالباً بعيداً من الأضواء، مثل شركات الشحن البحري والتأمين والطاقة والخدمات اللوجستية.
فعندما تصاعدت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ نهاية عام 2023، اضطرت شركات شحن عالمية كبرى إلى تغيير مساراتها وتجنب المرور عبر قناة السويس.
ارتفاع كلفة الشحن العالمية
وبدلاً من الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا، اضطرت بعض السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
هذا التغيير أضاف آلاف الأميال إلى الرحلات البحرية، وزاد استهلاك الوقود ورفع كلفة النقل، ووفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، فإن اضطرابات البحر الأحمر أدت إلى انخفاض كبير في حركة السفن عبر قناة السويس وارتفاع كلفة الشحن العالمية، مما أعاد الضغط على التضخم في بعض الاقتصادات.
وهنا تظهر الحلقة الكاملة: أزمة عسكرية في منطقة محددة تؤدي إلى ارتفاع كلفة النقل، ثم ترتفع أسعار السلع، ثم تواجه البنوك المركزية مشكلة جديدة في السيطرة على التضخم.
ولهذا فإن أسعار النفط لا تعني فحسب كلفة تعبئة خزان السيارة، بل تؤثر في أسعار الطائرات، والغذاء، والمواد الصناعية، وحتى كلفة بناء المنازل.
وقد أظهرت تجربة عام 2022 مدى حساسية الاقتصاد العالمي لهذه الصدمات، فعندما ارتفعت أسعار الطاقة بعد الحرب الروسية - الأوكرانية، وصل التضخم في منطقة اليورو إلى مستوى قياسي بلغ 10.6 في المئة في أكتوبر 2022، وفقاً لبيانات "يوروستات"، بينما رفع الاحتياط الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بأسرع وتيرة منذ عقود للسيطرة على التضخم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، استفادت الدول المصدرة للطاقة من هذه الظروف عبر ارتفاع الإيرادات النفطية، فقد شهدت دول الخليج تحسناً كبيراً في أوضاعها المالية خلال فترات ارتفاع الأسعار، مما دعم احتياطاتها واستثمارات صناديقها السيادية.
وتعد صناديق سيادية خليجية من بين الأكبر عالمياً، إذ تدير مئات المليارات من الدولارات وتستخدم جزءاً من العائدات النفطية للاستثمار في قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة.
لكن الصورة ليست بسيطة، فالأزمات تمنح بعض الدول والشركات مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تخلق أيضاً أخطاراً طويلة الأجل.
بدائل الطاقة
ارتفاع الأسعار قد يدعم الإيرادات النفطية، لكنه قد يسرع أيضاً انتقال الدول المستهلكة نحو بدائل الطاقة، ويزيد الضغوط السياسية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ولهذا فإن الرابحين الحقيقيين في اقتصاد الأزمات ليسوا دائماً من يملكون النفط فحسب، بل من يملكون القدرة على إدارة التقلبات. فالقوة الاقتصادية الحديثة أصبحت مرتبطة بالسيطرة على سلسلة القيمة كاملة: الإنتاج، النقل، التخزين، التكرير، التجارة، والتمويل.
في النهاية، تكشف حروب الشرق الأوسط عن حقيقة اقتصادية عميقة: الأزمات لا تختفي داخل حدود الدول التي تبدأ فيها، بل تنتقل عبر شبكة عالمية من الأسواق والمصالح.
وبينما يدفع ملايين المستهلكين فاتورة ارتفاع الأسعار، تعيد الشركات الكبرى والدول الغنية بالطاقة ترتيب مواقعها داخل النظام الاقتصادي العالمي.
فالنفط في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد سلعة، بل أصبح أداة نفوذ مالي وسياسي. ومن يسيطر على مصادر الطاقة ومسارات نقلها وقدرته على التعامل مع الأخطار، يمتلك جزءاً مهماً من مفاتيح الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن الحروب في الشرق الأوسط لا تعيد رسم الخرائط السياسية فحسب، بل تعيد أيضاً رسم خريطة الثروة، إذ ينتقل المال دائماً من يد إلى أخرى، وغالباً في اللحظات التي يعتقد فيها العالم أن الخسائر وحدها هي التي تتزايد، إذ يصبح امتلاك الموارد، والقدرة على إدارة الأخطار، والسيطرة على سلاسل الإمداد، عوامل لا تقل أهمية عن امتلاك النفط نفسه.
وبينما يدفع المستهلك العالمي فاتورة الوقود والغذاء المرتفعة، تعيد الشركات والدول الكبرى ترتيب مواقعها داخل الاقتصاد الدولي، لتؤكد مرة أخرى أن الأزمات، مهما كانت كلفتها الإنسانية والسياسية، تبقى بالنسبة إلى بعض الفاعلين الاقتصاديين فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة والثروة على مستوى العالم.