ملخص
بحسب ما يقول مراقبون ومحللون فإن زيارة شي إلى القاهرة تحمل أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، في ظل استمرار تداعيات الحرب الأميركية على إيران واضطراب أسواق الطاقة العالمية، وذلك في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز انتظامها في الشرق الأوسط وتوسيع علاقاتها مع الدول النامية، تزامناً مع تصاعد التنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.
يصل الرئيس الصيني شي جينبيغ إلى القاهرة غداً الثلاثاء، في أول زيارة إلى مصر منذ عقد من الزمان لتعزيز الشراكة الاستراتيجية معها، في وقت يواجه فيه الشرق الأوسط مزيداً من الاضطراب وعدم الاستقرار وسط تحولات جيوسياسية متسارعة وتحديات اقتصادية كبيرة.
وتأتي زيارة شي إلى مصر، على وقع تنامي العلاقات الاقتصادية والسياسية بين القاهرة وبكين التي تعد الشريك التجاري الأول لمصر، كذلك فإنها تأتي بعد نحو أسبوع من إطلاق البلدين مناورات "نسور الحضارة 2026" الجوية للعام الثاني على التوالي، في خطوة تعكس تنامي التقارب العسكري بين الجانبين، مع بحث القاهرة عن بدائل لتحديث أسطولها الجوي.
وكانت آخر زيارة للرئيس الصيني إلى مصر في الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2016، في زيارة دولة استمرت أياماً عدة، وهذا العام تحتفل مصر وبكين بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.
تعزيز الشراكة الاستراتيجية
بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية الصينية فإن الرئيس شي جينبينغ يزور مصر بدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وذلك بعد حضوره قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة بيشكك، وإجراء زيارة رسمية إلى قيرغيزستان. وقال المتحدث باسمها لين جيان، إن المحادثات في مصر تهدف إلى "الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة"، لافتاً إلى أن زيارة شي هي "الأولى إلى مصر منذ 10 أعوام، وتحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية".
من جانبها قالت رئاسة الجمهورية المصرية في بيان رسمي إن زيارة شي تأتي "في إطار العلاقات الثنائية المتميزة" التي تجمع مصر والصين، مشيرة إلى أن الرئيس السيسي ونظيره الصيني سيبحثان خلال اللقاء سبل تعزيز علاقات "الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات محل الاهتمام المشترك، إلى جانب تبادل الآراء في شأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية".
وتأتي الزيارة بعد مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، إذ كانت القاهرة أو عاصمة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين في الـ30 من مايو (أيار) 1956، فيما ارتقت العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في 2014، وبعد عامين زار شي القاهرة للمرة الأولى.
ويقول مراقبون إن العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين تعززت خلال الأعوام الماضية، مع توسع التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار، إلى جانب مشاركة شركات صينية في عدد من المشروعات الكبرى في مصر، إذ تعد الصين الشريك التجاري الأول لمصر، إذ زادت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 111 في المئة إلى 600 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، في حين زادت الواردات 25 في المئة إلى 10.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وفق بيانات حكومية مصرية حديثة.
وتحتضن مصر عدداً من الشركات الصينية في مختلف القطاعات، لا سيما التكنولوجيا، مثل "هواوي" و"شاومي" و"أوبو" و"زد تي إي" و"مايديا" و"هاير"، كذلك أنشئ صندوق استثماري بقيمة 300 مليون دولار مع جامعة "تسينغهوا" يركز على الذكاء الاصطناعي وتصميم أشباه الموصلات.
وتأتي الزيارة بعد نحو أسبوع من إطلاق البلدين مناورات "نسور الحضارة 2026"، للعام التالي على التوالي، بمشاركة مقاتلات صينية متطورة، في خطوة تعكس تنامي التقارب العسكري بين الجانبين، إذ أعلنت القوات الجوية الصينية تنفيذ تدريبات قتال جوي بين مقاتلات "J-16" و"رافال" تابعة للقوات الجوية المصرية، شملت سيناريوهات اشتباك فردي ومناورات جوية على مسافات مختلفة، في أول تدريب معلن يجمع المقاتلتين.
ونشرت وسائل إعلام صينية صوراً ومقاطع مصورة للتدريب، ظهر خلالها مقاتلو "J-16" وهم يناورون إلى جانب مقاتلات "رافال" المصرية، في مشهد عكس مستوى متقدماً من التعاون العسكري بين القاهرة وبكين.
وجاءت المناورات الجوية المشتركة بين بكين والقاهرة، بعدما شاركت بكين، وفق المتحدث السابق باسم وزارة الدفاع الصينية وو تشيان، في النسخة الأولى من معرض مصر الدولي للطيران، بدعوة من القوات الجوية المصرية في 2024، حين أرسل سلاح الجو الصيني سبع طائرات مقاتلة من طراز" J-10" عالية الأداء تابعة لفريق "بايي" للاستعراضات الجوية، وطائرة نقل من طراز" Y-20" للمشاركة في المعرض، وفق صحيفة "ديلي تشاينا".
ومنذ عام 2015 تستهدف القاهرة تنويع مصادر تسليح قواتها المسلحة التي تعد الأكبر عربياً، فعلى رغم اعتمادها على أسلحة غربية أميركية، فإن قواتها الجوية تضم مزيجاً من المقاتلات الفرنسية (رافال) والروسية من طراز (ميج 29)، فضلاً عن مروحيات روسية من طراز كاموف.
ماذا تريد بكين من الزيارة؟
بحسب ما يقول مراقبون ومحللون فإن زيارة شي إلى القاهرة تحمل أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، في ظل استمرار تداعيات الحرب الأميركية على إيران واضطراب أسواق الطاقة العالمية، وذلك في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز انتظامها في الشرق الأوسط وتوسيع علاقاتها مع الدول النامية، تزامناً مع تصاعد التنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.
وبحسب وسائل إعلام مصرية وصينية، فمن المتوقع أن تتيح زيارة شي إلى القاهرة بحث ملفات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية، تزامناً مع مساعي مصر والصين إلى توسيع نطاق الشراكة بينهما.
وفي قراءته لتوقيت ودلالات الزيارة، يقول مندوب مصر الدائم السابق لدى الأمم المتحدة، السفير معتز أحمدين، إنه من الناحية السياسية "تريد بكين تأكيد أن لها موضع قدم في الدول الرئيسة في أقاليم العالم المختلفة"، موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "العالم العربي يبقى من الأقاليم المهمة من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية، ومن ثم فإن تعزيز الحضور الصيني يبقي زي أهمية استراتيجية بالنسبة إليها".
ويتابع أحمدين: "تسعى بكين إلى تعزيز وجودها الاقتصادي في مصر لا سيما في منطقة قناة السويس، مما يمثل لها أهمية خاصة بغض النظر عن الوجود في أي منطقة أخرى"، موضحاً "إلى جانب أن الوجود في قناة السويس يضمن مصالحها، مثلها مثل دول أخرى، وهو أمر مهم استراتيجياً وسياسياً بالنسبة إليها، يبقى في حسابات بكين وجود موطئ قدم في مكان استراتيجي مثل المنطقة الاقتصادية الخاصة بالقناة أداة توفر لها بدائل حتى لو لم تستخدم الآن في ظل الظروف الإقليمية الراهنة".
وذكر أحمدين أن الصين "تسعى إلى ثبيت علاقاتها الاستراتيجية واستمرار التعاون مع القاهرة لما يمثل ذلك بالنسبة إليها من أهمية من الناحية الاستراتيجية والسياسية"، مضيفاً "يبقى هذا الأمر مهم بالنسبة إليها في ظل قوتها الصاعدة وسعيها إلى تثبيت وجودها السياسي في كل المناطق والأقاليم المختلفة حول العالم".
وإلى جانب الأبعاد الاقتصادية والتجارية من الوجود، يمضي أحمدين في القول "هناك أمور أخرى تسعى بكين إلى ترسيخها مع مصر، تتمثل في تعزيز الوجود والتنسيق بين القوات المسلحة في البلدين، وهو ما تجلي في مناورات نسور الحضارة في عامها الثاني على التوالي، مما يخدم مصالحها، فضلاً عن أن أموراً أخرى تتعلق بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في ظل وجود شبه اتفاق بين مصر والصين حول هذا الأمر، ومساعٍ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للضغط على القاهرة للرفض"، معتبراً أن "الصين تتقدم بسرعة وتسبق الولايات المتحدة في مجالات كثيرة".
من جانبه يقول الكاتب والمحلل الصيني، تشو تشوان، إن "توقيت الزيارة يحمل دلالات مهمة، بخاصة في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تحولات متسارعة وتحديات أمنية واقتصادية متزايدة"، مضيفاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أنه "بالنسبة إلى الصين تمثل مصر دولة محورية في المنطقة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي وقناة السويس، وإنما أيضاً بسبب ثقلها السياسي ودورها في العالمين العربي والأفريقي، لذا فإن زيارة القاهرة في هذا التوقيت تعكس أهمية العلاقات الصينية - المصرية في السياسة الصينية تجاه المنطقة"، على حد وصفه.
وذكر تشوان أن "قمة السيسي وشي تحمل رسالة واضحة، وهي أن الصين تريد مواصلة تعزيز التواصل والتعاون مع دول الشرق الأوسط، ودعم الاستقرار والتنمية، بخاصة في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مزيد من الحوار والحلول السياسية بدلاً من الصراعات والمواجهات"، معتبراً أن "من هذا المنظور، فإن الزيارة لا تتعلق فقط بالعلاقات الثنائية بين البلدين، بل يمكن النظر إليها أيضاً في إطار أوسع يتعلق بتطور العلاقات بين الصين والعالم العربي".
وتابع تشوان أن العلاقة بين بكين والقاهرة تقوم في جوهرها "على المصالح المتبادلة والتكامل بين حاجات البلدين"، مشيراً إلى أن "الصين تنظر إلى مصر باعتبارها شريكاً استراتيجياً مهماً، وسوقاً كبيرة، ومركزاً يربط بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، فضلاً عن الأهمية الكبيرة لقناة السويس بالنسبة إلى التجارة الدولية"، وفي المقابل، وفق تشوان "تراهن مصر على الصين كشريك مهم في التنمية والاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وكذلك في تطوير البنية التحتية وزيادة التجارة والوصول إلى السوق الصينية".
بدوره يقول الباحث المتخصص في الشأن الصيني مؤيد الزعبي أنه "لا يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة باعتبارها مجرد محطة بروتوكولية في العلاقات الثنائية، بقدر ما تحمله من دلالات أوسع تتعلق بإعادة تعريف موقع الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الصينية، خصوصاً على مستوى التوقيت".
وتابع الزعبي في حديثه إلينا قائلاً "صحيح أنها تأتي بعد 10 أعوام من زيارة الرئيس شي السابقة لمصر عام 2016، وتتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لكن الأهم أنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث أصبحت قضايا أمن الممرات البحرية والطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي مرتبطة بصورة مباشرة بالمصالح الصينية".
ووفق الزعبي فإن "المتغير الجديد بالنسبة إلى الصين الآن هو أنها لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط فقط باعتباره مصدراً للطاقة أو سوقاً ضخمة لمنتجاتها ومشروعاتها، بل أصبح جزءاً من حساباتها المتعلقة بأمن سلاسل الإمداد العالمية"، معتبراً أن "التطورات الأخيرة في البحر الأحمر ومضيق هرمز أعادت إلى الواجهة حقيقة أن أي اضطراب في المنطقة يمكن أن يؤثر مباشرة في الاقتصاد الصيني وفي حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، ومن هنا فإن موقع مصر وقناة السويس يكتسبان أهمية مضاعفة بالنسبة إلى بكين، ليس فقط جغرافياً وإنما باعتبار أن موقع مصر استراتيجي بين آسيا وأفريقيا وأوروبا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف الزعبي "هناك رسالة سياسية وراء اختيار القاهرة تكمن في أن الصين تريد تأكيد أنها تتعامل مع مصر ليس فقط كشريك ثنائي"، لا سيما مع ما تملكه القاهرة من علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة، فضلاً عن حضورها في الملفات العربية والأفريقية، وعضويتها في تجمع بريكس "مما يمنح العلاقة مع بكين بعداً إضافياً في ظل الحديث المتزايد عن إصلاح النظام الاقتصادي الدولي وتقليل الاعتماد المطلق على المؤسسات والأدوات المالية الغربية، وهذا ما تسعى الصين إلى تعميقه"، على حد وصفه.
ويمضي الزعبي قائلاً إن بكين "تنظر إلى القاهرة بما يتجاوز كونها سوقاً أفريقية كبيرة أو شريكاً سياسياً في المنطقة، إذ تراهن عليها باعتبارها منصة إنتاج وتصدير، وليس فقط سوقاً للاستهلاك"، مشيراً إلى أن "هذا تحول مهم في طبيعة العلاقات الاقتصادية، لا سيما في ظل وجود مصلحة صينية متزايدة في نقل جزء من قدراتها الصناعية إلى الخارج، بخاصة في ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يتوافر في مصر من ناحية موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتأسيسها منطقة اقتصادية مرتبطة بقناة السويس، واتفاقات تجارية تمنح المنتجات المصنعة فيها إمكان الوصول إلى أسواق عدة، خصوصاً مع وجود المبادرة الصينية نحو إعفاء المنتجات الأفريقية من الجمارك عند دخولها السوق الصينية".
وتابع الزعبي "يبقى توقيت الزيارة للقاهرة لافتاً، إذ يأتي في مرحلة اختبار للدور الصيني في الشرق الأوسط، بعدما نجحت خلال الأعوام الماضية في تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، إلا أن الأزمات الأخيرة خصوصاً الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران طرحت سؤالاً مهماً: إلى أي مدى تستطيع بكين تحويل نفوذها الاقتصادي إلى تأثير سياسي وأمني؟"، مشيراً إلى أن "المرحلة المقبلة قد تشهد محاولة صينية للانتقال إلى دور دبلوماسي أكثر نشاطاً، وإن كان من غير المتوقع أن ينافس النموذج الأميركي القائم على التحالفات العسكرية، ولكنه يقدم نموذجاً جديداً للعلاقات الدولية".
وعملت بكين والقاهرة على الدفع باتجاه حل دبلوماسي لإنهاء الصراع، في وقت تسعى فيه مصر إلى أداء دور في جهود الوساطة وخفض التصعيد الإقليمي.
رهانات القاهرة من الزيارة؟
في ضوء القدرات والإمكانات المختلفة التي تملكها بكين، يتفق مراقبون على حرص مصر على تحول علاقاتها المتنامية مع مصر من شراكة اقتصادية قائمة على المشروعات والبنية التحتية إلى رافعة استراتيجية أوسع تمنحها هامشاً أكبر للمناورة الاقتصادية، مرتكزة في ذلك على موقعها الجغرافي وقناة السويس فضلاً عن ثقلها العربي والأفريقي، معتبرين أن توقيت زيارة الرئيس الصيني يأتي بعد انتقال التعاون إلى ملفات أكثر حساسية، من توسيع استخدام اليوان ومبادلة العملات، والاستثمارات الصناعية في منطقة قناة السويس، إلى التعاون العسكري والمناورات المشتركة، بالتوازي مع تنسيق سياسي في شأن أزمات المنطقة.
وفي قراءته لأهمية بكين بالنسبة إلى مصر، يقول السفير معتز أحمدين إن "هناك بالفعل علاقات اقتصادية وتجارية متنامية بين البلدين، فضلاً عن تنشيط التعاون والتنسيق العسكري في الأعوام الأخيرة، وهو ما تجلى في المناورات العسكرية الجوية المشتركة"، مضيفاً "بالنسبة إلى مصر تسعى إلى جذب مزيد من الاستثمارات الصينية، سواء في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أو العاصمة الإدارية الجديدة، في محاولة منها لتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها".
وشدد أحمدين على أن "مصر تراهن بصورة رئيسة على الصين من نواحٍ اقتصادية في ظل الأزمة التي تعانيها ومن نواحٍ عسكرية لتنويع مصادر تسليحها، وتحقيق توازن لمعادلات التسليح"، موضحاً "تعاني مصر أزمة اقتصادية مزمنة وتحاول أن تحصل على استثمارات من مختلف الجهات والمصادر المتاحة بما في ذلك من المنظمات الدولية مثل صندوق النقد وبنوك التمويل، ومن دول بعينها"، مضيفاً "في ظل هذا التوجه تبقي دول مثل الصين وروسيا بالنسبة إلى مصر مصادر مهمة لا سيما في ظل انعدام الشروط السياسية المصاحبة لاستثماراتهم الخارجية بعكس الحال بالنسبة إلى الدول الغربية".
وذكر أحمدين أن "مصر يبقى هدفها تحقيق التنمية وتعزيز مصادر التعاون العسكري والاقتصادي والتنموي والسياسي مع مختلف دول العالم بأقل شروط سياسية ممكنة، وهذا أمر توفره الصين"، مشيراً إلى أن "حجم الموارد المتوافرة في الصين، في ظل شروط سياسية قليلة أو شبه منعدمة، هو أمر يريح القاهرة مقارنة بالدول الغربية مثلاً التي تطالب بالتزامات محددة في قضايا سياسية خارجية وإقليمية بعينها".
لكن وبحسب أحمدين "ترتبط آفاق التعاون بين البلدين، بحجم الضغوط الغربية والأميركية على القاهرة للحد من علاقاتها بالصين، وهو أمر نجحت في مصر إلى الآن في تحقيق التوازن المطلوب في شأنه" على حد وصفه، موضحاً "هناك ضغوط أميركية مستمرة على مصر لا سيما في ملفات بعينها في التعاون مع الصين، وهو أمر مستمر منذ ولاية الرئيس ترمب الأولى، وتجدد أخيراً في موضوعات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الذكية"، مضيفاً "أصبح لمصر خبرة في التعامل معها، وقادرة على الموازنة في علاقاتها الخارجية سواء الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية".
وذكر أحمدين أن مصر قادرة على "تحقيق الاتزان الاستراتيجي، حسب حجم الضغوط وإمكان التعامل مع جميع الأطراف باعتبارهم مصادر سواء للتعاون العسكري أو التعاون الاقتصادي".
وعام 2014 أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن الإطار الرئيس الحاكم لسياسة بلاده الخارجية قائم على "الاتزان الاستراتيجي"، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
ويرى مؤيد الزعبي أن مصر تراهن على الصين في اتجاهات عدة "أولها جذب الاستثمارات الصناعية التي توفر فرص عمل وتزيد القدرة التصديرية، إضافة إلى محاولة الاستفادة من الخبرة الصينية في البنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، فضلاً عن التعاون المالي واستخدام العملات المحلية للتبادلات التجارية بين البلدين".
وأوضح الزعبي أن "تجديد اتفاقية مبادلة العملات بين البنكين المركزيين في الصين ومصر وتوسيعها إلى 30 مليار يوان يمثل مؤشراً مهماً، ربما لا يؤدي ذلك سريعاً إلى تغيير هيمنة الدولار في التجارة العالمية، لكنه يمنح القاهرة وبكين أدوات إضافية لتسهيل التجارة وتقليل بعض أخطار الاعتماد على عملة واحدة"، على حد وصفه، مضيفاً أن "هناك ثلاثة ملفات جديدة يمكن أن تشكل عنوان المرحلة المقبلة بين البلدين هي الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، والطاقة الخضراء، والتصنيع المتقدم، خصوصاً أن الصين أصبحت قوة عالمية في هذه المجالات، ومصر تمتلك سوقاً كبيرة وموقعاً استراتيجياً وحاجة متزايدة إلى تحديث اقتصادها، وإذا نجح الطرفان في تحويل التعاون من مجرد اتفاقات ومذكرات تفاهم إلى مشروعات إنتاجية حقيقية، فقد تصبح مصر أحد أهم المراكز الصينية الصناعية والتكنولوجية خارج آسيا".
وتابع الزعبي أن "الرهان الأكبر للطرفين في المرحلة المقبلة هو تحويل الموقع الجغرافي المصري والقوة الصناعية الصينية إلى شراكة إنتاجية مشتركة، فالصين تبحث عن بوابات جديدة للأسواق العالمية، ومصر تبحث عن موقع أقوى في سلاسل القيمة العالمية، وهنا تحديداً تتقاطع المصالح بصورة ربما تكون أعمق من أي مرحلة سابقة في تاريخ العلاقات بين الصين ومصر".
وسياسياً ذكر الزعبي أن "تعزيز القاهرة لعلاقاتها ببكين تمثل تأكيداً على نجاح مصر في اتباع سياسة تنويع الشراكات الدولية، مما لا يعني استبدال شريك دولي بآخر، بقدر ما هو سعي إلى توسيع هامش الحركة بين الشرق والغرب"، مضيفاً أن "القاهرة تريد أن تكون جزءاً من التحولات الاقتصادية العالمية الجديدة، خصوصاً مع انتقال المنافسة الدولية من التجارة التقليدية إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة".
من جانبه ومع تأكيد تشو تشوان، على وجود "مساحة كبيرة جداً لتحقيق المصالح المشتركة بين القاهرة وبكين، بخاصة في مجالات الصناعة والطاقة الجديدة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والتجارة والاستثمار. ووجود نماذج فعلية واضحة للتعاون، مثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري في قناة السويس ومشروعات العاصمة الإدارية الجديدة" أوضح في الوقت ذاته أن "الأهم في علاقة البلدين يبقي في كيفية نقل التعاون تدريجاً من تنفيذ المشروعات إلى بناء قدرات إنتاجية وصناعية مشتركة داخل مصر، بما يساعد مصر على زيادة الإنتاج والتصدير، وفي الوقت نفسه يوفر للشركات الصينية قاعدة مهمة للوصول إلى أسواق المنطقة وأفريقيا". مشيراً إلى أن "مستقبل العلاقات الصينية المصرية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة البلدين على تحويل الثقة السياسية القوية إلى مزيد من النتائج الاقتصادية والتنموية الملموسة".