ملخص
جولة الإعادة المقررة الثلاثاء الـ25 من أغسطس ستؤكد ما إذا كان التقليد الأميركي العريق في التوريث العائلي للسياسة لا يزال راسخاً في الولايات المتحدة على رغم تعارضه مع المثل الديمقراطية للمنافسة المفتوحة.
وستكون بمثابة اختبار لكل من دارلين غراهام وقوة الرئيس دونالد ترمب كصانع ملوك للمرشحين الجمهوريين.
على رغم أن الرئيس ترمب ألقى بثقله خلف دارلين غراهام شقيقة حليفه السياسي الراحل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي لقي حتفه قبل أسابيع، وحرصه على السفر خصيصاً إلى ولاية ساوث كارولينا لدعم فرص فوزها بترشيح الحزب الجمهوري للمقعد الذي ورثته من أخيها في مجلس الشيوخ، إلا أن جولة الإعادة المقررة الثلاثاء الـ25 من أغسطس (آب)، ستؤكد ما إذا كان التقليد الأميركي العريق في التوريث العائلي للسياسة لا يزال راسخاً في الولايات المتحدة على رغم تعارضه مع المثل الديمقراطية للمنافسة المفتوحة، إذ إن فوز دارلين غراهام سيحيي ما يسمى "تفويض الأرملة" الذي صك كمصطلح سياسي بسبب انتخاب أو تعيين 48 أرملة منذ عشرينيات القرن الماضي لشغل مقاعد شاغرة في الكونغرس الأميركي نتيجة وفاة أزواجهن، فما المنطق وراء ذلك؟ ولماذا ينظر قادة الأحزاب إلى الأرملة (وفي حالة غراهام غير المتزوج، شقيقته دارلين) على أنها خيار آمن سياسياً؟ وما أشهر الأمثلة التاريخية؟
توريث سياسي
قد يبدو تعيين حاكم ولاية ساوث كارولينا، هنري ماكماستر، لدارلين غراهام في يوليو (تموز) الماضي لشغل ما تبقى من فترة ولاية شقيقها الراحل ليندسي غراهام في مجلس الشيوخ، وقرارها اللاحق بالترشح لهذا المقعد، أمراً غير مألوف. فدارلين غراهام لا تملك أي خبرة سياسية في المناصب المنتخبة، وكانت شبه مجهولة تماماً لغالبية الأميركيين في ولايتها، والذين كانوا خارج دائرة ضيقة من الأشخاص الذين عرفوها خلال فترة رئاستها للجنة ساوث كارولينا للمكفوفين، أو ضمن دائرة أوسع قليلاً ممن عرفوها بصفتها شقيقة ليندسي غراهام.
ومع ذلك، صنعت دارلين غراهام التاريخ كأول امرأة تمثل ولاية ساوث كارولينا في مجلس الشيوخ الأميركي، وأثبتت منذ ذلك الحين كيف يمكن للتوريث السياسي وللصلة العائلية أن تترجم بسرعة إلى دعم انتخابي. ففي الـ11 من أغسطس الجاري، فازت بالمركز الأول في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي ضمت 10 مرشحين، وحصلت على ما يقرب من 33 في المئة من الأصوات، وهي الآن تخوض جولة إعادة صعبة ضد عضو مجلس النواب الأميركي رالف نورمان، والتي ستحسم نهائياً الثلاثاء الـ25 من أغسطس.
اختبار لغراهام وترمب
غير أن جولة الإعادة لن تكون نزهة يسيرة لدارلين غراهام، إذ يتفق الجمهوريون في ولاية ساوث كارولينا على أن هذه الانتخابات ستكون بمثابة اختبار لكل من دارلين غراهام وقوة الرئيس دونالد ترمب كصانع ملوك للمرشحين الجمهوريين، والذين يشكك بعضهم في السيناتور دارلين بعد اعترافها خلال مناظرة جرت قبل أيام بأنها ليست ملمة بالسياسة الخارجية.
يفسر انتقال الرئيس ترمب بنفسه إلى ساوث كارولينا مساء الجمعة الماضي لدعم حملة دارلين غراهام لمجلس الشيوخ، أهمية تحقيق فوز هو في أمس الحاجة إليه، بعدما خسر المرشحون المدعومون منه في الفترة الأخيرة انتخابات حكام ولايات أيوا وجورجيا ووايومنغ ومينيسوتا، والانتخابات التمهيدية للكونغرس في ولايتي تينيسي وميشيغان، مما يهدد سمعته التي رسخها طوال الأشهر الماضية كصانع ملوك الحزب الجمهوري، وكرئيس يريد أن يُنظر إلى دعمه على أنه ضمانة ذهبية، على رغم استطلاعات الرأي التي تظهر أن شعبيته لدى معظم الناخبين، بدأت تتراجع حتى بين قاعدة الحزب الجمهوري.
ومع دعم ترمب الواضح وتوظيفه بعضاً من مكانته السياسية لغراهام، الشقيقة الصغرى للسيناتور الراحل ليندسي غراهام، الحليف المقرب لترمب ومستشاره المؤثر في السياسة الخارجية، الذي وافته المنية في أوائل يوليو، سعى الرئيس الأميركي إلى تصوير معارضة غراهام على أنها معارضة له شخصياً، إذ أخبر المحتشدين في مؤتمر انتخابي بالولاية أن منتقديها مدفوعون برغبة في إلحاق هزيمة سياسية به، على رغم أنه يفعل ذلك تكريماً لذكرى ليندسي غراهام، مما يشير إلى أن تقليد التوريث السياسي ما زال حاضراً بقوة في الولايات المتحدة على رغم مرور أكثر من 100 عام على انطلاقته الأولى في مطلع القرن الـ20.
مقاومة التوريث
لكن رالف نورمان، عضو مجلس النواب لخمس دورات متتالية وعضو كتلة "الحرية" في الكونغرس، أوضح استعداده لمخالفة الرئيس عند اختلافه معه على رغم دعمه الأكيد لترمب، كذلك جعل انتماءاته المحافظة الراسخة محوراً لحملته الانتخابية التي تقاوم التوريث السياسي، فقد وصف إعلان صادر عن لجنة العمل السياسي "بالميتو فيرست"، الداعمة لنورمان في جولة الإعادة، غراهام بأنها "دمية"، كذلك تساءل بوضوح عما لو كان لدارلين غراهام اسم عائلة آخر في إشارة جلية بأنها لم تكن لتحصل على هذا النفوذ الانتخابي من دون اسم العائلة الذي يحدد صلتها المباشرة كشقيقة للسيناتور ليندسي غراهام.
كانت تلك محاولة لإنهاء ذلك التقليد بالغ القدم بالتوريث السياسي والصلات العائلية التي تترجم إلى دعم انتخابي، بخاصة وأنه حاول تبيان الفارق بين دارلين وليندسي خلال المناظرة الوحيدة في جولة الإعادة، حيث تعثرت غراهام في الإجابة عن سؤال حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، وهما من أبرز نقاط التوتر في التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.
أبرز هذا الحوار تبايناً صارخاً بين دارلين وشقيقها الراحل ليندسي غراهام الذي أمضى عقوداً من الزمن منغمساً في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية، وكان من أشد المؤيدين لتايوان، أما شقيقته دارلين، فلم تكن لديها خبرة في معظم قضايا السياسة العامة حتى عينت خلفاً له.
تقليد عريق
غير أن دارلين غراهام لم تكن الأولى وقد لا تكون الأخيرة التي يندرج تعيينها ضمن تقليد أميركي عريق يتمثل في التوريث العائلي للسياسة. فعلى مدار معظم القرن الـ20، دأبت الأحزاب السياسية، ولا سيما في جنوب الولايات المتحدة، على اللجوء إلى الأقارب (وبخاصة الأرامل) لملء المقاعد الشاغرة في الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ.
وبحسب أستاذ العلوم السياسية والشؤون العامة في جامعة وست كارولينا، كريستوفر كوبر، فقد استمرت هذه الممارسة لأنها وفرت استمرارية في أوقات عدم اليقين، وحافظت على سيطرة الحزب على المقاعد المهمة، وتجنبت معارك الترشيح المثيرة للانقسام، واستفادت من القيمة الانتخابية للاسم المألوف. وعلى رغم أن التوريث العائلي يبدو متعارضاً مع المثل الديمقراطية للمنافسة المفتوحة، فإنه مهد الطريق أمام النساء لدخول الكونغرس، ولهذا كان تعيين دارلين غراهام تذكيراً بأن الإرث السياسي لم يغب تماماً عن الديمقراطية الأميركية، لكن ما تغير هو شكله ودوره في اختيار القادة السياسيين.
تفويض الأرملة
ابتداء من عشرينيات القرن الماضي، أصبحت أرامل أعضاء الكونغرس الخيار المفضل لشغل المقاعد الشاغرة في المجالس التشريعية. ووفقاً لمركز المرأة والسياسة الأميركية في جامعة روتجرز، فقد جرى انتخاب أو تعيين 48 امرأة لشغل مقاعد شاغرة في الكونغرس نتيجة وفاة أزواجهن (40 في مجلس النواب و8 في مجلس الشيوخ)، مما أدى إلى صك مصطلح سياسي يتعلق بهذا التقليد العريق عرف باسم "تفويض الأرملة" أو "تأثير الأرملة"، كونه يتضمن تعيين أو انتخاب أرملة سياسي متوفى لملء منصبه الشاغر في الكونغرس، مما سمح للأحزاب السياسية بالحفاظ على مقاعدها من دون إثارة معركة تمهيدية فورية مثيرة للانقسام، مع الاستفادة من الاعتراف بالاسم.
تختلف طرق الوصول إلى المناصب باختلاف المجلسين، ففي حالة المقاعد الشاغرة في مجلس الشيوخ، يسمح لحكام الولايات بشغل هذه المقاعد موقتاً عن طريق التعيين، بينما لا يمكن شغل المقاعد الشاغرة في مجلس النواب إلا عن طريق الانتخابات، ولذلك وصلت أرامل أعضاء الكونغرس إلى واشنطن من خلال التعيينات من قبل حكام الولايات في مجلس الشيوخ أو عبر الانتخابات الخاصة (غير الملزمة بانتظار موعد الانتخابات الوطني كل عامين) بالنسبة لمجلس النواب.
لكن في ولايات الجنوب حيث سيطر الديمقراطيون تقريباً على جميع المناصب المنتخبة من عام 1900 إلى عام 1960، بسبب دعمهم للعبودية خلال الحرب الأهلية من بين أسباب أخرى، كان الحصول على ترشيح الحزب المهيمن بمثابة ضمان فعلي للفوز في الانتخابات العامة.
كثيراً ما جادل مؤيدو "تفويض الأرملة" بأن هؤلاء النساء قادرات على ضمان استمرارية العمل السياسي، إذ عملت العديد منهن كمستشارات موثوق بهن، وممثلات في الحملات الانتخابية، وشريكات سياسيات غير رسميات لأزواجهن، لأنهن كن على دراية بالمنطقة، ويفهمن هموم الناخبين، وملمات بالأولويات التشريعية الجارية، وهن مثل دارلين غراهام، حملن أيضاً اسم عائلة يربطه الناخبون بشخصية مؤثرة ومألوفة.
اعتبارات سياسية
كان للاعتبارات السياسية دور مهم جداً في هذه العملية وفقاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة كارولينا الساحلية، غيبس نوتس، إذ كثيراً ما نظر قادة الأحزاب إلى الأرملة كخيار آمن سياسياً، قادر على الحفاظ على المقعد مع تجنب صراع داخلي قد يكون ضاراً داخل الحزب. أما الناخبون، فيسهل إقناعهم بالمرشح الذي يحمل اسماً مألوفاً وموثوقاً في وقت كانت فيه انتخابات الاستبدال تجرى بسرعة.
ظل هذا هو المنطق الأساس لفترة طويلة منذ تعيين هاتي كارواي، في مجلس الشيوخ الأميركي عام 1931 من قبل حاكم أركنساس، هارفي بارنيل، بعد وفاة زوجها، ثاديوس كارواي، حيث انتخبت كارواي لاحقاً، بمعارضة رمزية فقط، لإكمال ما تبقى من ولاية زوجها، لتصبح أول امرأة تنتخب لمجلس الشيوخ الأميركي، وعلى رغم أنه كان من المتوقع في البداية أن تشغل هذا المقعد لفترة قصيرة، فإنها خاضت انتخابات خاصة وفازت بها، واستمرت في الحفاظ على هذا المقعد حتى عام 1945.
كان "تفويض الأرامل" أو "الولاية التي تفرضها الأرامل" شائعاً خصوصاً في الجنوب، على رغم أن الباحثين وجدوا أن فترات ولاية الأرامل الجنوبيات كانت أقصر من نظيراتهن في بقية أنحاء البلاد، ربما بسبب تبني الجنوب لمعايير جنسانية أكثر تقليدية، ومع ذلك، تمكنت بعض النساء اللواتي دخلن الكونغرس في ظل هذه الظروف من بناء مسيرة سياسية بارزة.
أشهر النماذج
لعل المثال والنموذج الأشهر على ذلك كانت مارغريت تشيس سميث من ولاية ماين، فبعد وفاة زوجها النائب كلايد سميث عام 1940، فازت في انتخابات فرعية لتخلفه في مجلس النواب، الذي خدمت فيه أربع فترات متتالية قبل انتخابها لعضوية مجلس الشيوخ، وبعدما بنت واحدة من أكثر المهن تميزاً في التاريخ السياسي، أصبحت من أكثر النساء نفوذاً في السياسة الأميركية في القرن الـ20 بسبب خطاب التحدي الشهير المعروف باسم "إعلان الضمير" ضد تكتيكات وأساليب السيناتور جوزيف مكارثي في ذروة حملة مكافحة الشيوعية.
كان "إعلان الضمير" خطاباً نوعياً مدته 15 دقيقة ألقته السيناتور الجمهورية مارغريت سميث في الأول من يونيو (حزيران) عام 1950، واكتسب شهرة واسعة لتحديه العلني الجريء لحملات التطهير الوحشية وغير النزيهة التي شنها السيناتور جوزيف مكارثي ضد من يتهمهم بتبني الأفكار أو المبادئ الشيوعية في أوج الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، عبر حملة واسعة عرفت باسم "الخوف الأحمر" في ذلك الوقت، وأطلق عليها لاحقاً اسم "المكارثية" نسبة إلى جوزيف مكارثي الذي عمد إلى تدمير حياة الناس باتهام مئات من موظفي الحكومة والمثقفين والفنانين والسياسيين زوراً بالتجسس لصالح الشيوعيين من دون أي دليل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان معظم السياسيين يخشون مواجهة السيناتور مكارثي خوفاً من أن يكونوا هم الهدف التالي، لكن مارغريت سميث، وهي المرأة الوحيدة في مجلس الشيوخ آنذاك، تجرأت على الكلام لحماية القيم الأميركية، وحددت في خطابها "نقاط افتراء أربع" من دون أن تذكر اسم مكارثي صراحة، فقالت إن مجلس الشيوخ يستخدم أساليب سيئة قائمة على الخوف والجهل والتعصب والتشهير، وحذرت من أن مجلس الشيوخ يتحول إلى منبر للكراهية لأن الناس يُعاقبون باتهامات باطلة بدلاً من أن ينالوا محاكمة عادلة أمام هيئة محلفين، ولفتت انتباه المجلس إلى أربعة حقوق أساسية يجب أن يتمتع بها كل أميركي وهي الحق في النقد والاحتجاج والتفكير المستقل، وفي اعتناق معتقدات غير شائعة.
وقع ستة أعضاء جمهوريين آخرين في مجلس الشيوخ على الإعلان مع سميث، وعلى رغم سخرية مكارثي منهم جميعاً علنياً، واصفاً إياهم بـ"سنو وايت والأقزام الستة"، ومعاقبته مارغريت سميث بإقالتها من لجنة مهمة في مجلس الشيوخ، فإن خطابها ضد مكارثي كسر حاجز الصمت، وأظهر شجاعة سياسية عظيمة، أصبحت بعدها سميث تعرف باسم "ضمير مجلس الشيوخ" قبل أن يجري إيقاف مكارثي ومعاقبته عام 1954 من قبل المجلس بعد أربع سنوات من ذلك الخطاب.
أمثلة ساطعة أخرى
من بين الأمثلة الكثيرة الساطعة الأخرى في حالات "تفويض الأرملة" كانت الديمقراطية عن ولاية لويزيانا ليندي بوغز، من بين الأمثلة الناجحة القوية، فقد انتخبت لعضوية مجلس النواب عام 1973 بعد وفاة زوجها، زعيم الغالبية في مجلس النواب هيل بوغز، في حادث تحطم طائرة فوق ألاسكا، واستمرت ليندي بوغز في مجلس النواب ما يقرب من 18 سنة، حيث دافعت عن الحقوق المدنية وتكافؤ الفرص الائتمانية، وعملت لاحقاً سفيرة للولايات المتحدة لدى الفاتيكان.
كذلك كانت أيضاً عضو مجلس النواب الجمهورية عن ولاية ماساتشوستس إديث نورس روجرز، والتي جرى انتخابها لعضوية مجلس النواب عام 1925 بعد وفاة زوجها جون جاكوب روجرز، فقد حافظت على مقعدها لمدة 35 سنة متتالية حتى عام 1960 وتميزت خلال هذه العقود الأربعة بصياغة التشريعات الرئيسة، بما في ذلك ميثاق حقوق الجنود الأميركيين في عام 1944.
نماذج حديثة
ومن بين أشهر النماذج الحديثة التي رسخت "تفويض الأرملة" عضو مجلس النواب الجمهورية عن ولاية كاليفورنيا ماري بونو والتي انتخبت في انتخابات خاصة عام 1998 بعد وفاة زوجها الفنان سوني بونو الذي تحول إلى عضو في الكونغرس، وفازت ماري بونو بسبع فترات كاملة متعاقبة وظلت في المنصب حتى عام 2013.
أيضاً تعد عضو مجلس النواب حالياً الديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا دوريس ماتسوي، مثالاً حياً حتى الآن على ذلك، فقد انتخبت عام 2005 لتحل محل زوجها الراحل النائب روبرت ماتسوي في الدائرة السابعة بولاية كاليفورنيا، ومنذ ذلك الحين واصلت الفوز بالمقعد على مدى أكثر من عشرين سنة، وهي تخوض انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلة، مما يؤشر إلى استمرار الممارسة في القرن الـ21.
لماذا تختلف حالة غراهام؟
يسلط تعيين دارلين غراهام في مجلس الشيوخ كشقيقة للسيناتور ليندسي غراهام الذي وافته المنية قبل أسابيع، الضوء على جانب من جوانب الخلافة العائلية، والذي كان غالباً أقل وضوحاً في حالات الخلافة التقليدية للأرامل. فقد كان الدفاع عن الأرامل يجري باعتبارهن الوريثات الأكثر منطقية للخلافة نظراً لمشاركتهن في الحملات الانتخابية، وتقديم المشورة لأزواجهن، وامتلاكهن معرفة واسعة بالسياسة المحلية، على رغم أن مدى دقة هذه الادعاءات يبقى محل نقاش، ومع ذلك قدم ذلك تبريراً قائماً على الاستمرارية والخبرة.
لم تكن دارلين غراهام غائبة تماماً عن المسيرة السياسية لأخيها، فقد دعمت حملاته الانتخابية وظهرت في إعلاناته، كذلك كانت علاقتهما الشخصية وثيقة بصورة استثنائية، إذ ساعد ليندسي غراهام في تربية أخته بعد وفاة والديهما.
لكن على عكس بعض أرامل أعضاء الكونغرس، لم تكن دارلين غراهام شريكة سلفها ليندسي في أعمال منصبه لفترة طويلة، فقد استند تعيينها بشكل أقل على مفهوم الشراكة السياسية، وبشكل مباشر على قيمة اسم سياسي معروف وشخصية بارزة، إذ خدم ليندسي غراهام في الكونغرس لأكثر من ثلاثة عقود، أولاً في مجلس النواب ثم في مجلس الشيوخ، وساهمت شهرته وشبكة علاقاته السياسية وحضوره البارز في المشهد السياسي لولاية ساوث كارولينا في خلق مزايا تجاوزت طموحات ليندسي غراهام نفسه.
لذا، يبرز تعيين غراهام كأحد أهم العوامل التي دعمت استمرارية المناصب العائلية عبر التاريخ الأميركي، وهي القيمة الانتخابية الدائمة لما يعرف باسم العلامات التجارية السياسية.
المزايا السياسية للاستمرارية
يؤكد هذا أن المناصب التي تشغلها الأرامل أو حتى الشقيقات لا تزال قائمة، ولكنها أقل شيوعاً مما كانت عليه في السابق، ويعكس هذا التراجع إلى حد كبير صعود المسار السياسي المستقل للمرأة، فمع ازدياد فوز النساء بمناصب محلية وفيدرالية وفي الولايات بمفردهن في أواخر القرن الـ20، أصبحت الروابط العائلية أقل ضرورة كمسار للوصول إلى الكونغرس.
ومع ذلك، لم تختف المناصب العائلية تماماً، ويظهر تعيين دارلين غراهام وأداؤها القوي في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري أن المزايا السياسية للاستمرارية وشهرة الاسم والشبكات الراسخة لا تزال قوية، مما يعني أن مفهوم "تفويض الأرملة" القديم وإن بدا أنه آخذ في التلاشي، إلا أن الديناميكيات الأوسع التي دعمته لا تزال تشكل السياسة الأميركية.