Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بحر الشمال.. بريطانيا عالقة بين النفط والطاقة النظيفة

ترمب والمعارضة يضغطان لتوسيع الحفر فيما يحذر متخصصون من محدودية الاحتياطات وقدرتها على خفض الكلفة

من المتوقع أن ينخفض استخراج الغاز من بحر الشمال بنسبة 99 في المئة بحلول عام 2050 (أ ف ب)

ملخص

يعود نفط بحر الشمال إلى واجهة النقاش السياسي في بريطانيا، على رغم تراجع إنتاجه واقتراب احتياطاته الاقتصادية من النضوب، مع مطالبة قوى سياسية بتوسيع التنقيب لتعزيز أمن الطاقة.
 

كان نفط بحر الشمال يوماً أحد أهم محركات الاقتصاد البريطاني ورمزاً للقوة والثروة الوطنية، لكنه تحول اليوم إلى مصدر جدل سياسي متزايد، مع تراجع الإنتاج واحتدام النقاش حول ما إذا كانت بريطانيا يجب أن تستمر في استغلال ما تبقى من احتياطاتها، أم تسرع انتقالها إلى الطاقة النظيفة.

عندما اكتُشف النفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي لاسكتلندا في سبتمبر (أيلول) 1969، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول الاكتشاف إلى صناعة ضخمة تعيد تشكيل الاقتصاد البريطاني.

لكن خلال أعوام قليلة، أصبح بحر الشمال مصدراً رئيساً للثروة والطاقة، خصوصاً بعد أزمة النفط العالمية في سبعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1977، قال رئيس الوزراء البريطاني آنذاك جيم كالاهان إن النفط يمثل "أفضل فرصة لبريطانيا خلال 100 عام"، بينما رأت الحكومة أنه يمكن أن يساعد البلاد على تحسين أدائها الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة.

وخلال عهد رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر، أصبح النفط جزءاً مهماً من السياسة الاقتصادية، إذ اقتربت عائداته في بعض الفترات من 10 في المئة من إجمال الإيرادات الضريبية، وأسهمت في تمويل خفض الضرائب وبرنامج الخصخصة.

وبلغ إنتاج بحر الشمال ذروته عند مطلع القرن الحالي، عندما وصل إلى نحو 4.4 مليون برميل من المكافئ النفطي يومياً، فيما ازدهرت مدينة أبردين بفضل آلاف الوظائف المرتبطة بصناعة النفط والغاز.

وقال المتخصص في تاريخ الطاقة في المملكة المتحدة بجامعة غلاسكو إيوان غيبس، لصحيفة "الغارديان" إن النفط تحول خلال تلك الفترة إلى رمز للقوة البريطانية والثروة والمكانة الدولية.

وأضاف أن النفط "أصبح يجسد شعوراً بالتجدد الوطني"، لكنه أشار إلى أن أهميته الاقتصادية تراجعت بشدة منذ ذلك الحين.

تراجع حاد

وكانت الاحتياطات القابلة للاستخراج اقتصادياً في بحر الشمال تراجعت خلال العقدين الماضيين، ومن المتوقع أن ينخفض الإنتاج بحلول عام 2030 إلى نحو 15 في المئة فحسب من ذروته السابقة.

وغادرت شركات نفط وغاز كبرى المنطقة مع تراجع الاحتياطات، وكان أحدثها شركة "بريتيش بتروليوم" (BP) التي أعلنت هذا الصيف إنهاء وجودها الممتد ستة عقود في بحر الشمال.

وانخفض عدد الوظائف المباشرة في الصناعة من نحو 120 ألف وظيفة خلال أعوام الازدهار إلى قرابة 27 ألف وظيفة حالياً، وفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية.

وعلى رغم ذلك، لا يزال نفط بحر الشمال يحظى بمكانة كبيرة في النقاش السياسي، إذ يرى مؤيدو التنقيب أن استغلال الاحتياطات المتبقية يمكن أن يساعد في تعزيز أمن الطاقة وتوفير الوظائف وزيادة إيرادات الحكومة.

وفي المقابل، يرى محللون أن هذه الحجج لا تتفق مع الواقع الاقتصادي للقطاع.

وقال أستاذ أنظمة الطاقة ونائب مدير معهد الطاقة في كلية "لندن" الجامعية ستيف باي، إن "حوض بحر الشمال يشهد تراجعاً منذ عام 2000، ولا توجد آفاق موثوقة لعكس هذا الاتجاه".

وتزايدت الدعوات إلى توسيع التنقيب خلال الأعوام الأخيرة، خصوصاً من جانب حزب الإصلاح البريطاني وحزب المحافظين.

وقال زعيم حزب "يو كي ريفورم" نايجل فاراج إن بريطانيا يجب أن تكون "مكتفية ذاتياً من الغاز"، بينما تعهدت زعيمة المحافظين كيمي بادينوك بتوسيع صناعة النفط والغاز البريطانية بما يضمن أمن الطاقة لأجيال مقبلة.

وأبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعماً قوياً لتوسيع التنقيب في بحر الشمال، مدعياً أن المنطقة تحوي احتياطات ضخمة من النفط والغاز.

لكن متخصصين في الطاقة يشككون بشدة في قدرة مزيد من التنقيب على خفض فواتير الطاقة البريطانية، لأن أسعار النفط والغاز تحدد في الأسواق العالمية، وليس محلياً.

كما أن معظم النفط المتبقي في بحر الشمال يُصدر إلى الخارج لتكريره وبيعه في الأسواق الدولية، مما يعني أنه لا يوفر بالضرورة حماية مباشرة للمستهلك البريطاني من تقلبات الأسعار العالمية.

أما الغاز، الذي يذهب جزء أكبر منه إلى السوق المحلية، فتتراجع كمياته بسرعة، ولا يتوقع أن يكون الإنتاج الجديد كافياً لتغيير اعتماد بريطانيا على الواردات.

ووفق دراسة حديثة أجرتها مؤسسة "كربون بريف"، فإن السماح بتراخيص جديدة لن يؤدي إلا إلى فارق محدود في إنتاج الغاز.

فمن المتوقع أن ينخفض استخراج الغاز من بحر الشمال بنسبة 99 في المئة بحلول عام 2050 من دون تراخيص جديدة، مقارنة بـ97 في المئة في حال إصدار تراخيص جديدة.

في المقابل، يمكن لتوسيع الطاقة المتجددة أن يقلل اعتماد بريطانيا على واردات الغاز بصورة أسرع، إذ من المتوقع أن تنتج مشاريع الرياح والطاقة الشمسية الجديدة ستة أضعاف الكهرباء التي ستنتجها تراخيص التنقيب الجديدة بحلول عام 2030.

صراع سياسي

وكان حزب العمال تعهد قبل انتخابات 2024 بعدم إصدار تراخيص جديدة لاستكشاف النفط والغاز في بحر الشمال، في إطار خطة للانتقال إلى نظام طاقة منخفض الانبعاثات.

وكان إد ميليباند، الذي شغل منصب وزير الطاقة في عهد كير ستارمر آنذاك ويشغل حالياً منصب وزير الخارجية في حكومة بيرنهام، من أبرز المدافعين عن هذه السياسة، إذ رأى أن التحول إلى الطاقة النظيفة يمكن أن يجعل بريطانيا "قوة عظمى في مجال الطاقة"، ويخفض اعتمادها على الوقود الأحفوري المتقلب ويوفر وظائف جديدة.

لكن موقف الحكومة تغير جزئياً بعد تولي آندي بيرنهام رئاسة الوزراء. ففي الأسابيع الأخيرة، قال بورنهام إنه سيتبنى نهجاً "براغماتياً" تجاه التنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، مشيراً إلى أن الحكومة لا تستطيع تجاهل الموارد التي لا تزال موجودة هناك.

وأبدت وزيرة الطاقة مياتا فانبولي، مواقف مشابهة منذ توليها المنصب، في وقت تنتظر الحكومة قرارات في شأن مشروعي حقلي جاكدوا وروزبانك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقالت مديرة مؤسسة "أب لفت" إيسا خان، إن الحديث عن نفط بحر الشمال بوصفه حلاً لمشكلات بريطانيا يمثل "وهماً خطراً". وأضافت أن الحجج المتعلقة بخفض الفواتير وتعزيز أمن الطاقة "سقطت أمام الواقع"، مشيرة إلى أن بريطانيا استنفدت معظم احتياطاتها من الغاز، بينما أصبح الجزء الأكبر من الاحتياطات المتبقية نفطاً يُصدر. وتابعت خان أن أفضل حماية من صدمات الطاقة العالمية هي "تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة ومساعدة الأسر والشركات على التحول إلى الكهرباء النظيفة".

أزمة الوظائف

ولا يقتصر الجدل على الطاقة، بل يمتد إلى مستقبل آلاف العاملين في قطاع النفط والغاز.

ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلنت الحكومة البريطانية خططاً لتوفير 400 ألف وظيفة إضافية في الاقتصاد الأخضر خلال خمسة أعوام، مع التركيز على تدريب العاملين القادمين من قطاع الوقود الأحفوري للانتقال إلى وظائف الطاقة النظيفة.

وتقول الحكومة إن الاقتصاد الأخضر يدعم بالفعل نحو مليون وظيفة، فيما توجد استثمارات مستقبلية تقترب قيمتها من نصف تريليون جنيه استرليني (682.9 مليار دولار).

ويظهر النمو في قطاع الطاقة المتجددة بوضوح في بحر الشمال نفسه، إذ تنتشر مزارع الرياح البحرية، وأسهمت مصادر الطاقة المتجددة في توفير 50.4 في المئة من الكهرباء البريطانية عام 2025، مقابل 31.8 في المئة من الوقود الأحفوري.

لكن النقابات التي تمثل عمال النفط والغاز تحذر من أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة لم يوفر حتى الآن الوظائف الآمنة وطويلة الأجل التي وعد بها العاملون.

وقال كونور وات من مؤسسة "بلاتفورم" التي تعمل مع عمال النفط والنقابات والمجتمعات المحلية في اسكتلندا، إن المكاسب الرئيسة المفترضة من التحول إلى الطاقة المتجددة تتمثل في الوظائف والطاقة الأرخص والإيرادات التي يمكن أن تدعم المالية العامة والمجتمعات المحلية. وأضاف أن "أياً من هذه الأهداف الثلاثة لم يتحقق" بالقدر المأمول حتى الآن.

ويطالب ناشطون ونقابات بمزيد من الملكية المجتمعية لمشاريع الطاقة المتجددة، وإنشاء صندوق للثروة المجتمعية لضمان وصول فوائد التحول إلى الطاقة النظيفة إلى المناطق التي كانت تعتمد على صناعة النفط.

ويرى وات أن بريطانيا أخطأت في إدارة ثروة بحر الشمال مقارنة بالنرويج، التي أنشأت صندوقاً سيادياً بعد اكتشاف النفط والغاز، وتجاوزت قيمة أصوله حالياً تريليوني دولار.

ويقول محللون إن بريطانيا، لو اتبعت نهجاً مشابهاً، كان يمكن أن تمتلك صندوقاً سيادياً بقيمة تقارب 850 مليار جنيه استرليني (1.1 تريليون دولار) اليوم.

مستقبل مختلف

وعلى رغم تراجع إنتاج النفط والغاز، لا يزال بحر الشمال في قلب معركة سياسية حول مستقبل الطاقة البريطانية. ويرى مؤيدو التنقيب أن الاحتياطات المتبقية يجب استغلالها لدعم الاقتصاد والوظائف، بينما يحذر خبراء المناخ والطاقة من أن القطاع يتجه حتماً نحو الانكماش وأن الموارد المتبقية لن تغير أسعار الطاقة أو أمن الإمدادات بصورة ملموسة.

في المقابل، يتزايد الاستثمار في الطاقة المتجددة، التي باتت توفر أكثر من نصف الكهرباء البريطانية، فيما تراهن الحكومة على خلق مئات الآلاف من الوظائف الخضراء.

لكن السؤال لم يعد فحسب ما إذا كانت بريطانيا ستواصل استخراج النفط من بحر الشمال، وإنما من سيستفيد من المرحلة المقبلة.

وقال وات إن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت بريطانيا قادرة على الاستفادة من ثورة الطاقة المتجددة، وما إذا كان العمال والمجتمعات المحلية سيحصلون على نصيبهم من فوائدها، أم إن الجزء الأكبر منها سينتهي في أرباح الشركات.

وبذلك، لم يعد مستقبل بحر الشمال مرتبطاً فحسب بما تبقى تحت مياهه من النفط والغاز، وإنما بما ستفعله بريطانيا بثروة الطاقة الجديدة التي تتشكل فوقه.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز