ملخص
يشهد إنتاج بحر الشمال تراجعاً مطرداً منذ أعوام طويلة، فمنذ وصول الإنتاج إلى ذروته عام 1983 عند 2.3 مليون برميل يومياً، انخفض حالياً إلى 530 ألف برميل يومياً، طبقاً للأرقام الرسمية للحكومة البريطانية.
على رغم توقف حقل "برنت" الشهير في بحر الشمال عن الإنتاج تماماً، واكتمال تفكيك آباره البحرية كلها العام الماضي 2024، فإن خام "برنت" يظل هو الخام القياسي لأسعار النفط عالمياً، يرجع ذلك إلى عوامل عدة، منها أن خامات بحر الشمال البريطانية النفطية تتميز بأنها خفيفة وقليلة محتوى الكبريت، بما يناسب غالب مصافي النفط في العالم.
فضلاً عن ذلك، يتميز نفط بحر الشمال ببريطانيا عن خام "مزيج غرب تكساس" الأميركي بأنه ينتج من حقول بحرية، ومن ثم يسهل شحنه مباشرة على الناقلات، عكس الخام الأميركي الذي يحتاج إلى النقل إما عبر خطوط أنابيب أو غيرها إلى منافذ الشحن أو مصافي التكرير.
لذا يظل خام "برنت" هو الخام القياسي عالمياً لحساب الأسعار في العقود الآجلة في أسواق النفط، ومع أن حقل "برنت" ذاته لم يعد ينتج نفطاً، إلا أن الأسواق تستخدم مزيجاً من نفوط بحر الشمال للقياس، ويظل المرجع هو خام "برنت".
يشبه ذلك إلى حد كبير أن خام "دبي" ما زال المرجع القياسي لأسعار النفط في منطقة الخليج، على رغم أن إمارة دبي تكاد لا تنتج إلا كميات ضئيلة من النفط، الذي وصل ذروته في تسعينيات القرن الماضي وأخذ في التدهور تماماً.
صحيح أن الوضع في بحر الشمال لم يصل إلى هذا الحد المتدني من التراجع في إنتاج النفط والغاز، إلا أن الأرقام والبيانات تشير إلى أن 2025، وربما 2026، هما الأسوأ من ناحية الاستثمار في المنطقة منذ ستينيات القرن الماضي.
تراجع الاستكشاف والاستثمار
بحسب بيانات شركة "وود ماكينزي" للاستشارات في مجال الطاقة، التي نشرتها صحيفة "فاينانشيال تايمز" في تقرير لها هذا الأسبوع، فإن صناعة النفط والغاز في بريطانيا شهدت أسوأ عام من ناحية التنقيب والاستكشاف خلال 2025.
ومع إلغاء الشركات العاملة في بحر الشمال كل خطط الاستثمار بانتظار وضوح الرؤية في شأن السياسات الضريبية، بخاصة ضريبة أرباح الطاقة، يتوقع أن يستمر انخفاض الاستثمار في القطاع عام 2026.
للمرة الأولى على الإطلاق يمر عام كامل، هو العام المنتهي 2025، من دون حفر أي آبار استكشاف بحرية جديدة في بريطانيا، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي حين بدأ إنتاج النفط والغاز من بحر الشمال.
وبحسب تقديرات "وود ماكينزي"، فإن الاستثمارات التي هبطت هذا العام إلى 4.4 مليار جنيه استرليني (6 مليارات دولار) يتوقع أن تنخفض بنسبة 40 في المئة العام المقبل إلى نحو 2.5 مليار جنيه استرليني (3.4 مليار دولار) فقط.
يعد ذلك أدنى مستوى للاستثمار في قطاع النفط والغاز البريطاني منذ تعرض القطاع لارتفاع الكلف والتضخم الهائل في سبعينيات القرن الماضي.
تقول مديرة الأبحاث في "وود ماكينزي" في شأن بحر الشمال، غيل أندرسون، إن "الحفر عند أدنى مستوى على الإطلاق"، وتتوقع تقلص عدد الشركات العاملة في بحر الشمال في ظل نظام ضرائب يبلغ إجمالها نسبة 78 في المئة.
على رغم أنه لم تكن هناك أي عمليات تنقيب واستكشاف خلال العام، إلا أنه جرى حفر 36 بئراً للتقييم والتطوير، ويقل ذلك عن نصف عدد الآبار التي حفرت عام 2020، أول أعوام وباء كورونا.
يقول المدير المالي لشركة "سيريكا"، إحدى شركات النفط والغاز العاملة في بحر الشمال، مارتن كوبلاند، إن "النشاط كان بائساً جداً في 2025 بسبب مزيد من عدم اليقين" في شأن السياسات.
هل يعود النشاط بعد 2030؟
يشهد إنتاج بحر الشمال تراجعاً مطرداً منذ أعوام طويلة، فمنذ وصول الإنتاج إلى ذروته عام 1983 عند 2.3 مليون برميل يومياً، انخفض حالياً إلى 530 ألف برميل يومياً، طبقاً للأرقام الرسمية للحكومة البريطانية.
وخرجت شركات النفط الكبرى التي كانت تعمل في حوض بحر الشمال، إما ببيع أصولها لشركات أصغر ما زالت تعمل، أو عبر عمليات دمج واستحواذ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تلقي شركات الطاقة باللائمة في تدهور الصناعة ببحر الشمال على ضريبة أرباح الطاقة التي فرضتها حكومة حزب المحافظين السابقة عام 2022، فإضافة إلى ضريبة الشركات والرسوم الأخرى التي تحصلها الخزانة، فرضت حكومة المحافظين ضريبة أرباح إضافية بنسبة 35 في المئة، تحصل إذا زاد سعر النفط على 76 دولاراً للبرميل، وإذا زاد سعر الغاز على 59 قرشاً للوحدة الحرارية.
خلال عام 2025 كله كان سعر النفط أقل من السقف الذي تفرض بعده ضريبة أرباح الطاقة، إلا أن سعر الغاز تجاوز السقف كثيراً، إذ بلغ بداية العام 1.4 جنيه استرليني (1.9 دولار) للوحدة الحرارية.
وهكذا يتوقع أن يهبط ما تحصله الخزانة العامة من ضريبة أرباح الطاقة إلى مجرد 300 مليون جنيه استرليني (404 ملايين دولار) بحلول عام 2030، مقابل ما وصل إليه العام الضريبي الماضي عند 2.9 مليار جنيه استرليني (4 مليارات دولار).
يرى مديرو الشركات والمحللون أنه على رغم ندرة الاستثمار في النفط والغاز ببحر الشمال خلال عامي 2025 و2026، فإنه يمكن عودة الاستثمارات بعد عام 2030، إذ إن ضريبة أرباح الطاقة التي فرضتها الحكومة السابقة ينتهي العمل بها في ذلك الوقت، وتأمل الشركات في نظام ضريبي أخف وأكثر وضوحاً عندئذ.
تعديلات ضريبية متوقعة
تتوقع الشركات العاملة في بحر الشمال أن تحدد حكومة العمال الحالية سياسات ضريبية أكثر وضوحاً مع نهاية العمل بضريبة أرباح الطاقة التي فرضتها حكومة المحافظين السابقة بحلول عام 2030.
تقول الرئيسة التنفيذية لشركة "هاربور إنرجي"، ليندا كوك، إن الوضع الحالي هو "أسوأ مناخ استثماري نعمل فيه من بين الدول الأخرى التي نعمل بها"، والشركة هي من كبرى شركات الطاقة التي ما زالت تعمل بحوض بحر الشمال في بريطانيا.
تقول حكومة حزب "العمال" الحالية إن ما ينتهي العمل بضريبة أرباح الطاقة الحالية سيكون هناك نظام جديد بعد عام 2030، إذ إن الضريبة ستحصل على النفط الذي يباع بسعر فوق 90 دولاراً للبرميل، وعلى الغاز الذي يباع بسعر فوق 90 قرشاً للوحدة الحرارية.
لذا يرى بعض المحللين أنه في حال وضوح النظام الضريبي في ضوء التعديلات المقترحة، ستبدأ الشركات الاستثمار في النفط والغاز ببحر الشمال كي تبدأ الإنتاج بعد عام 2030. يقول محلل شؤون النفط والغاز في شركة "كافنديش"، جيمس مدجلي، إن "النظام الضريبي المقترح ليحل محل ضريبة أرباح الطاقة يعتبر عملياً تماماً ولصالح كل الأطراف".
يعني ذلك وضوح النظام الضريبي للشركات، بما يشجعها على وضع خططها الاستثمارية للمستقبل، وفي الوقت ذاته يضمن للخزانة العامة عائدات ضريبية أفضل مع زيادة الاستكشاف والإنتاج، مع ذلك ستظل بريطانيا، مقارنة بالدول الأخرى التي تعمل فيها شركات الطاقة تلك، "بيئة غير مشجعة على الاستثمار"، كما تقول الرئيسة التنفيذية لشركة "هاربور إنرجي" ليندا كوك.
مع تقديرات أن يظل الطلب على النفط والغاز قوياً، سيكون على الحكومة البريطانية بحث سبل تشجيع الشركات على الاستثمار، وعلى رغم التراجع في إنتاج حوض بحر الشمال، فإن بريطانيا في حاجة إلى ما ينتج منه من النفط والغاز في ظل زيادة الطلب على الطاقة محلياً وعالمياً.
وعلى رغم حاجة الحكومة البريطانية إلى تقليل فجوة عجز الموازنة بزيادة الحصيلة الضريبية، فإن زيادة الضرائب على شركات الطاقة بأكثر من مستواها الحالي (76 في المئة إجمالاً) يضر بإنتاج النفط والغاز من ناحية، ويضر كذلك بحصيلة الخزانة العامة من تلك الضريبة على شركات الطاقة.