ملخص
بعد أكثر من 40 عاماً على أولى التجارب و30 عاماً على ولادة المصطلح نفسه، تحول التصميم القائم على النشاط إلى نقاش حول شروط نجاحه.
تصل صباحاً إلى مبنى عملك لا تعرف مسبقاً أين ستجلس، حيث لا طاولة تحمل مقتنياتك ولا كرسي اعتاد شكلك ولا زاوية محددة ألفتها عيناك لأعوام. بدلاً من ذلك، تقف دقائق قبل البدء بالعمل لتفكر في طبيعة مهمتك الأولى هذا اليوم، ثم تختار أحد الخيارات المتاحة من غرف الشركة.
هذا المشهد، بات يشكل اليوم فلسفة تصميم متكاملة تعرف بـ"التصميم القائم على النشاط" (Activity-Based Working) والفكرة هنا بسيطة، إذ يفترض المفهوم أن أشخاصاً مختلفين أو حتى الشخص ذاته طوال اليوم، يحتاج إلى بيئات عمل مختلفة أو في الأقل، إلى المرونة في اختيار بيئة العمل التي تناسبهم طوال اليوم.
عوضاً عن تخصيص مكتب ثابت لكل موظف، بصرف النظر عما يفعله من عمل في يومه، يوفر المبنى تشكيلة من البيئات المصممة خصيصاً لأنواع مختلفة من العمل، ويترك للموظف أن ينتقل بينها بحسب ما تفتضيه مهمته في تلك اللحظة. لكن، خلف هذه البساطة الظاهرية، تكمن قصة طويلة من التجريب ونتائج بحثية متضاربة، وجدل لم يحسم بعد حول ما إذا كان هذا النموذج يخدم الإنتاجية فعلاً، أم يضحي بأشياء جوهرية في سبيل توفير المساحة وخفض الكلف.
فلسفة عالمية
لم تولد هذه الفكرة فجأة مع ظهور كوفيد-19 كما قد يظن كثر، إذ تمتد جذورها إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي مع ظهور مفهوم "إعدادات النشاط"، الذي يقوم على تخصيص بيئات متعددة داخل المكتب الواحد، كل منها مصمم لدعم نمط أداء مختلف يحدث في بيئة العمل. لم يلق هذا الطرح ترحيباً واسعاً في الولايات المتحدة آنذاك، لكن دولاً أوروبية عدة، من بينها هولندا والسويد والدنمارك، وجدت فيه أرضاً خصبة للتجارب.
لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت بعد ذلك بعقد من الزمن، حين صاغ المستشار الهولندي إريك فيلدهوين مصطلح "التصميم القائم على النشاط" بصورته الحالية في كتابه "اضمحلال المكتب" عام 1994، ثم طور الفكرة أكثر في كتابه اللاحق "فن العمل". وفي التسعينيات، عملت شركته الاستشارية مع شركة تأمين هولندية على تطبيق هذا النموذج بصورة شاملة، لتصبح أول مؤسسة كبرى تتبنى التصميم القائم على النشاط بالكامل، متخلية عن فكرة المكتب الثابت تماماً.
أربع بيئات تحت سقف واحد
يقوم النموذج، في تطبيقاته المعاصرة، على تقسيم المساحة المكتبية إلى أنماط متعددة من بيئات العمل، بحيث يمتلك الموظف حرية التنقل بينها حسب طبيعة مهمته. وبحسب أبحاث أجرتها شركة Knight Frank الأسترالية، يتضمن التصميم القائم على النشاط عادة أربعة أنماط رئيسة من بيئات العمل، مساحات هادئة للتركيز الفردي العميق وغرف مخصصة للاجتماعات الرسمية ومناطق مفتوحة للتعاون الجماعي وجلسات العصف الذهني وأركان غير رسمية تشبه الصالات أكثر مما تشبه المكاتب التقليدية، إضافة إلى مقعد في زاوية شبه معزولة مخصصة للمكالمات الحساسة على جدول الأعمال.
لكن توفير هذه المساحات وحده لا يضمن نجاح التجربة، إذ بحسب الدراسات ذاتها، فإن نجاح هذا النموذج يتطلب أن تكون ثقافة المؤسسة والتقنية المستخدمة فيها داعمتين حقاً لحرية الاختيار، لا أن تبقى مجرد شعار معماري بلا مضمون تنظيمي خلفه.
لا يخدم الجميع بالتساوي
أما على صعيد الإنتاجية، فالصورة أكثر تعقيداً مما تروج له الأدبيات التسويقية، إذ وجدت دراسة أن الموظفين الذين يعملون ضمن بيئات قائمة على النشاط يحققون إنتاجية أعلى بنسبة 16 في المئة مقارنة بالعاملين في بيئات تقليدية، في حين رصدت دراسة أخرى ارتفاع الإنتاجية الفردية بنسبة 13 في المئة، فيما ارتفعت إنتاجية العمل الجماعي بنسبة ثمانية في المئة. غير أن دراسات أخرى، أكثر انضباطاً من الناحية المنهجية، وصلت إلى استنتاجات معاكسة تماماً، ففي دراسة سويدية طبقت تصميماً شبه تجريبي على موظفين انتقلوا من مكاتب فردية إلى بيئات قائمة على النشاط، تبين أن الأثر لم يكن موحداً بين الموظفين، فمن كانت طبيعة عملهم تتطلب تركيزاً عالياً سجلوا إنتاجية أقل، في حين أن من كان عملهم يعتمد على التعاون الجماعي بصورة أساس حافظوا على مستوى إنتاجية مرتفع باستمرار.
بعبارة أخرى، النموذج لا يخدم الجميع بالتساوي، بل يخدم فئة بعينها من المهام والشخصيات المهنية مقارنة بغيرها.
من مرونة إلى عبء
المشكلة الأعمق التي تكشفها الأبحاث الحديثة لا تتعلق بالإنتاجية فحسب، بل بالخصوصية والصحة النفسية للموظفين، وبهذا الخصوص نشرت مراجعة منهجية شاملة في دورية (Building Research & Information) خلصت إلى أن هذا النموذج يحمل مزايا حقيقية في مجالات التفاعل والتواصل والتحكم بالوقت والمساحة، لكنه في المقابل غير مناسب للتركيز والخصوصية. وتكررت النتيجة نفسها في مراجعات لاحقة، إذ وجدت إحدى الدراسات المقارنة أن المكاتب الفردية التقليدية تفوقت على البيئات القائمة على النشاط في جميع الفئات المدروسة، وخلصت إلى أن الموظفين يحتاجون فعلاً إلى مساحات تدعم الانتباه والتركيز.
والحقيقة أن هناك أيضاً بعداً اجتماعياً أقل حضوراً في النقاش العام، لكنه بالغ الأهمية. فبحسب دراسة سويدية أخرى تناولت تأثير هذا النموذج على سلوكات القيادة، تبين أن الانتقال من المكاتب المغلقة أو المفتوحة إلى بيئات قائمة على النشاط ارتبط بانخفاض ملحوظ في تصور الموظفين لسلوكات القيادة الموجهة نحو العلاقات، وهي النتيجة التي فسرها الباحثون بصعوبة إقامة تواصل قيادي مستمر ومتماسك حين لا يمتلك المدير أو الموظفون مكاناً ثابتاً يلتقون فيه. في حين وجدت دراسة أخرى أن غياب الخصوصية المعمارية صعبت على الموظفين إجراء محادثات سرية أو التركيز على مهام تتطلب انتباهاً عالياً، مما يفسر ارتفاع مستويات التوتر لدى بعض الفئات في هذه البيئات.
اللافت أن كثيراً من الموظفين، حتى حين أتيحت لهم حرية التنقل الكاملة بين المساحات، لم يستخدموا هذه الحرية فعلياً، إذ أظهرت الأبحاث أن الموظفين نادراً ما تنقلوا بين بيئات العمل المختلفة، وهذا يكشف فجوة دقيقة بين تصميم يفترض مرونة سلوكية كاملة، وواقع بشري يميل غالباً إلى الاستقرار والألفة، حتى حين تتاح له بدائل أفضل نظرياً.
وبعد أكثر من 40 عاماً على أولى التجارب و30 عاماً على ولادة المصطلح نفسه، تحول التصميم القائم على النشاط إلى نقاش حول شروط نجاحه. فالنموذج الذي صمم لتحرير الموظف من قيد المكتب الثابت، قد يتحول بسهولة، في حال طبق من دون وعي كافٍ بطبيعة المهام والثقافة التنظيمية، إلى مصدر توتر جديد بدلاً من أن يكون حلاً.
وفي النهاية، التصميم القائم على النشاط ليس مجرد أداة إدارية لخفض الكلف أو زيادة الإنتاجية، بل هو تذكير بضرورة حب الإنسان لطريقة العمل ومكانه، ورفض صارخ لمناهج العمل الشبيهة بعمل الآلات، ليصبح مكان عملنا مرآة لنشاطاتنا، ولندرك أن الإنتاجية نتيجة طبيعية لبيئة صممت على أساس مهامنا، وليست هدفاً بحد ذاته.
فهل نستطيع فعلاً على إعادة تصميم أماكن عملنا، لا لنجعلها أجمل فحسب، بل لتكون أكثر إنسانية؟