ملخص
ربما لم يكن المكتب المفتوح كذبة معمارية بقدر ما كان سوء قراءة للطبيعة البشرية، فحين تختفي الجدران، لا يتعاون الناس أكثر، بل يصبحون أكثر حرصاً على بناء حدودهم.
في عام 1943، وقف ونستون تشرشل أمام البرلمان البريطاني متحدثاً عن إعادة بناء قاعة العموم بعد الحرب، فأطلق عبارة لم تمثل وقتها أكثر من ملاحظة معمارية عابرة: "نحن نشكل مبانينا، ثم تشكلنا هي".
بعد ثمانية عقود، أضحت هذه العبارة مفتاحاً لفهم واحد من معيقات الإدارة الحديثة.
بناء الجدران
في مطلع القرن العشرين، وقف المهندس فريدريك تايلور أمام صفوف العمال في مصانع أميركا، يحلم بمكتب يشبه خط الإنتاج، شفاف ورقابي ولا جدران فيه تحجب العيون. جوهر فلسفته قائم على الشفافية الرقابية أي أن يرى المدير العامل دائماً، وأن يعمل الجميع تحت نظره.
بعد نحو مئة عام، أعاد مهندسو وادي السيليكون صياغة هذا الحلم بمفردات مختلفة، التعاون والإبداع وكسر الهرمية. قامت الفكرة في الأساس على توفير مساحات شاسعة وإضاءة غامرة، وإلغاء الجدران التي يمكن أن تفصل حتى بين المدير التنفيذي وأحدث موظف متدرب، في محاولة لتحقيق التعاون والديمقراطية الإدارية.
لكن الواقع خالف النظرية، إذ عم المكان صمت لا تقطعه سوى نقرات لوحات المفاتيح، فيما ثبت الموظفون سماعات إلغاء الضوضاء على آذانهم. لم تكن تلك مجرد عادة، بل كانت إعلاناً صامتاً عن فشل واحدة من أهم الأفكار المعمارية في تاريخ الإدارة الحديثة.
جاء الجواب العلمي صادماً، إذ قدمت جامعة هارفارد في عام 2018 دراسة ميدانية كاشفة عن مفارقة لافتة، هدم الجدران لم يربط الموظفين بعضهم ببعض، بل دفعهم إلى الانكفاء على أنفسهم، ليس لأن التصميم فاشل، بل لأن الافتراض البشري الكامن وراءه خاطئ. فالانتقال إلى الفضاء المكشوف لم يقرب الناس من بعضهم، بل دفعهم إلى الاحتماء خلف شاشاتهم، وبناء جدران أكثر صلابةً، لكنها هذه المرة رقمية، فارتفعت رسائل البريد الإلكتروني والرسائل الفورية، لتحل مكان الكلام المباشر الذي كان الجدار يتيحه بلا حرج.
العلم التجريبي
لم تعتمد الدراسة، المنشورة في مجلة الجمعية الملكية البريطانية، على مجرد استبيانات، بل زود الباحثان الموظفين في شركات كبرى، بـ "أجهزة سوسيومترية" Sociometric Badges متطورة، وهي عبارة عن أجهزة استشعار إلكترونية تراقب التفاعلات البشرية بدقة بالثانية وترصد حركتهم وتفاعلاتهم قبل الانتقال إلى المكتب المفتوح وبعده، إضافة إلى تتبع حركة بريدهم الإلكتروني ورسائلهم الفورية.
كانت النتيجة صدمة، إذ تراجعت التفاعلات البشرية المباشرة وجهاً لوجه بنسبة تصل إلى 70 في المئة بعد التحول إلى المكتب المفتوح، وفي المقابل ارتفع التواصل عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية بنسبة تتراوح بين 22 في المئة إلى 50 في المئة. فحين أصبح الموظفون مرئيين طوال الوقت، لجأ كل منهم إلى خلق مساحة خاصة افتراضية عوضاً عن المساحة الجسدية المسلوبة.
والسؤال: لماذا يلجأ الموظف إلى الانكفاء في غياب الجدران؟
حوض السمك
عندما قرر الفكر الإداري الحديث تبني مفهوم المساحات المفتوحة، كان يهدف إلى تحويل المكاتب إلى خلايا نحل بشرية تتفاعل حيوياً من دون عوائق. غير أن هذه الهندسة أغفلت الطبيعة السيكولوجية للإنسان التي تشترط الخصوصية كأمان نفسي للإبداع.
الإجابة تكمن في غريزة الحفاظ على الذات سيكولوجياً، أو ما يعرف بـ "تأثير حوض السمك". فعندما يشعر الإنسان بأنه مراقب طوال الوقت من قبل زملائه ومديريه، يصبح سلوكه متوجساً، إذ يشعر الأفراد بأن سلوكياتهم وقراراتهم وأخطائهم تخضع للمراقبة والتحليل والتقييم المستمر من قِبل الآخرين.
وهنا يخشى الموظف أن يظهر بمظهر غير المشغول، أو أن يقاطع زميلاً يبدو مستغرقاً في العمل، كذلك يتخوف من أن يستمع الآخرون إلى نقاشاته المهنية أو الشخصية فيحكموا عليها خارج سياقها. هذا الوجود الدائم تحت الأضواء يؤدي مع الوقت إلى الإرهاق العاطفي وفقدان الخصوصية والهوية الشخصية.
الضوضاء والتركيز
بعيداً من دراسة هارفارد، هناك بعد بيولوجي ومعرفي تغفله الإدارات، فالدماغ البشري لم يتطور للتعامل مع الضوضاء غير المتوقعة. في المكتب المفتوح، أنت معرض باستمرار للمقاطعة حتى لو كانت على هيئة سماع رنين هاتف أو ضحكة زميل أو الخوض في نقاش جانبي.
تشير الدراسات المعرفية إلى أن تشتيت انتباه الموظف لثوانٍ يتطلب منه ما يقارب 23 دقيقة ليعود إلى المستوى نفسه من التركيز العميق الذي كان عليه قبل المقاطعة، في ما يعرف بـ Attention Residue أو بقايا الانتباه، وهي ظاهرة معرفية يستمر فيها الدماغ في المعالجة والتفكير في مهمة سابقة حتى بعد تحويل التركيز إلى مهمة جديدة. ولأن جزءاً من طاقتنا المعرفية يبقى مركزاً على المهمة الأولى، فإن أداءنا اللاحق وقدرتنا على حل المشكلات وكفاءتنا في المهمة الجديدة تتأثر سلباً بصورة ملحوظة.
فأدمغتنا تجد صعوبة في التخلي الفوري عن العمل غير المكتمل، مما يولد ما يمكن تسميته بكلفة تحويل الانتباه. هذه المقاطعات المستمرة لا تقلل الإنتاجية فحسب، بل ترفع من مستويات هرمون الإجهاد "الكورتيزول"، مما يُعجل بالاحتراق الوظيفي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المكاتب النشطة
إن المرونة ومنح الموظف خيار التحكم في بيئته، هما المفتاح الحقيقي لرفع الإنتاجية، وليس فرض نموذج واحد قسري. وهنا يبرز حل بديل بدأت تتبناه بعض الشركات وهو "العمل القائم على النشاط"Activity -Based Working، وتقوم هذه الفلسفة المعمارية على تقديم خيارات متنوعة للموظف خلال يومه، منطلقة من أن الموظفين غالباً ما يؤدون أنشطة متنوعة خلال عملهم اليومي، ومن ثم يحتاجون إلى بيئات عمل متنوعة مدعومة بالتكنولوجيا والثقافة المناسبتين لتنفيذ هذه الأنشطة بفعالية. فإذا احتاج الموظف إلى عصف ذهني مع فريقه يتوجه إلى مساحة مفتوحة، وإذا تطلبت مهمته كتابة تقرير معقد أو كود برمجي ينتقل إلى غرف التركيز الصامتة، أما إذا أراد إجراء مكالمة خاصة، فهناك كابينات هاتفية معزولة.
على الإدارات الحديثة أن تدرك حاجة الموظف للهدوء والخصوصية لينتج ويبدع، فالعمارة لم تكن يوماً مجرد قوالب إسمنتية، بل هي في العمق هندسة للسلوك البشري.
ربما لم يكن المكتب المفتوح كذبة معمارية بقدر ما كان سوء قراءة للطبيعة البشرية، فحين تختفي الجدران، لا يتعاون الناس أكثر، بل يصبحون أكثر حرصاً على بناء حدودهم.