ملخص
إلغاء التصنيف يغير المعاملة القانونية المستقبلية للدولة السورية، لكنه لا يبرئ النظام السابق بأثر رجعي، ولا يسقط المسؤولية الفردية عن مرتكبي الجرائم ولا يحسم مطالبات الضحايا بحقوقهم.
خطوة واحدة تفصل دمشق عن شطب اسمها من سجل أسود ظل لعقود طويلة لصيقاً بها، ومعها تراقب الأوساط السياسية والشعبية في سوريا إزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. هذه الخطوة ستعيد تصنيف سوريا الجديدة وتمهد الطريق أمام فرص واعدة بعد أعوام الحروب والدمار والهميش. ولعل تدفق السلاح واستيراده إلى جانب الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة مع حرية تامة للتدفقات المالية سيصبان في صلب اهتمام سوريا العائدة حديثاً إلى المجتمع الدولي والمهتمة بإعادة إعمار البلاد عقب حرب أهلية مدمرة.
انتهاء المراجعة
وأعلن مستشار الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي انتهاء المهلة المحددة بـ45 يوماً، والتي خصصت لمراجعة الكونغرس لقرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومع حلول الـ22 من أغسطس (آب) الجاري تنتهي المهلة ومعها الدخول بمرحلة اكتمال المهلة القانونية التي خصصت لمراجعة الكونغرس.
لكن انتهاء المهلة لا يعني زوال التصنيف تلقائياً في اللحظة ذاتها، بل إن انتهاء المهلة يتيح للإدارة الأميركية الانتقال إلى الخطوة التنفيذية النهائية، وأفاد مستشار وزير الخارجية للشؤون الأميركية، مقدسي في تصريح لـ"اندبندنت عربية" بأن انتهاء المدة يفتح الطريق لكي يصدر وزير الخارجية الأميركي قرار إزالة التصنيف ونشره في السجل الفيدرالي الرسمي مع تحديد تاريخ نفاذ القرار.
وظلت دمشق مدرجة على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979 إلى جانب دول عدة مثل إيران وكوريا الشمالية خلال فترة حكم الأسد، وسط تدهور العلاقات بين البلدين إلى مستويات متدنية، وما عمق حال العداء بالنسبة إلى خبراء في الشأن السياسي لجوء سوريا لعقود طويلة بالتحالف مع روسيا أو ما كانت تسمى حين ذلك الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية (المعسكر الاشتراكي) مع جعلها تناصب العداء لواشنطن لزمن طويل.
ودعمت سوريا في حقبة حافظ الأسد الممتد من (1970 إلى 2000) منظمات مثل "التحرير الفلسطينية" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، إلى جانب حركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي الفلسطيني"، إضافة إلى دعم "حزب الله"، وامتد هذا الدعم حتى تسلم ابنه بشار للسلطة في سوريا بعد وفاة والده حافظ وما رافقها من نفوذ متسع للحرس الثوري الإيراني في الداخل السوري.
لوبي معارض للشطب
في غضون ذلك ومنذ مطلع أغسطس (آب) الجاري كشف السياسي السوري المقيم في أميركا أيمن عبدالنور عن موعد انتهاء المهلة أمس السبت، وبعد تحريه من مراكز صناعة القرار السياسي في واشنطن أكد حينها الوصول إلى نهاية مبشرة للمهلة المحددة من دون عقبات تذكر أو تحديات تعوق عملية الشطب، أو حتى توقيف إجراءات المراجعة لدى الكونغرس الأميركي على رغم نشاط رصده لـ"لوبي" لم يحدد هويته كان هدفه عرقلة وإيقاف قرار الرئيس وإفشال القرار.
وكشف السياسي السوري عبدالنور في حديث خاص عن وجود خطوات لاحقة منها "روتينية" كنشر القرار في السجل الفيدرالي الأميركي، لأنه مع إدخال سوريا ضمن الدول الراعية للإرهاب قبل عقود من الزمن، نشر القرار في ذلك الوقت، ويتطلب عملية الشطب ورفع الاسم أيضاً الإجراء ذاته بنشر قرار الرفع في السجل ذاته.
وعرج عبدالنور إلى أبرز انعكاسات الشطب وأثره الإيجابي على سوريا في كثير من القطاعات الاقتصادية والمصرفية والتجارية والتكنولوجية وكذلك الاستيراد والتصدير، ناهيك بالصناعات الدفاعية، بينما يرى أنه على الحكومة السورية أن تكون مستعدة لهذا الإجراء.
ومن هذه الإجراءات، وفق رأيه، تعديل قوانين جديدة وتطوير الأنظمة والتشريعات، فضلاً عن ضرورة تحرك القطاع الخاص من خلال إجراء لقاء مع نظراء له في الولايات المتحدة، وبناء علاقات تمهيدية عبر مؤتمرات وجلسات عمل، بالتالي يكون الأمر أسهل في إنشاء مشاريع مشتركة، وهذا يحتاج بالتالي إلى بنى تحتية من الدولة وجهد مكثف من القطاع الخاص.
وأضاف "اليوم باتت التجارة متاحة، ولا يتطلب لعقد الصفقات كما السابق موافقات وزارة الخارجية من أجل السماح بتصدير المواد العسكرية الاعتيادية وليس الخاصة أو المدنية أو التكنولوجية، كل القطاعات لن تكون بمنأى من الاستفادة من التبادلات التجارية، وبخاصة في مجال قطاع التكنولوجيا والمصارف والفرصة كبيرة، ويبقى من الضروري استغلالها، لا سيما أن العقبات جميعها في طور الإزالة".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغ الكونغرس في الثامن من يوليو (تموز) بنية إدارته إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب بعد مهلة 45 يوماً، مما يسهل على البلد الخارج من حرب مدمرة لعقد ونصف العقد الالتفات إلى إعادة الإعمار، إذ يوفر الشطب تخفيف قيود مراقبة الصادرات والتدفقات المالية، ورفع الحظر المفروض على صادرات الأسلحة الأجنبية بموجب قانون مراقبة صادرات الأسلحة.
في الأثناء يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني إلى كون إلغاء التصنيف يغير المعاملة القانونية المستقبلية للدولة السورية، لكنه لا يبرئ النظام السابق بأثر رجعي، ولا يسقط المسؤولية الفردية عن مرتكبي الجرائم ولا يحسم مطالبات الضحايا بحقوقهم، وتبقى هذه المسائل جزءاً من البنية القانونية المستقلة للمساءلة والعدالة الانتقالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تطوير العلاقات
وأخذت العلاقة بين واشنطن ودمشق منحى مختلفاً عما كانت عليه مع سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 حين تسلم مقاليد الحكم الرئيس السوري، أحمد الشرع، وأجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في زيارة رسمية إلى البيت الأبيض، تعد الأولى من نوعها تخللتها مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وألقى كلمة خلال الاجتماع. وكان سبقه لقاء الـ14 من مايو (أيار) جمع الرئيسين الأميركي والسوري في الرياض.
وفي تطور يشي بإرادة أميركية نحو توطيد العلاقة مع بلد ظل لعقود طويلة خارج التحالف بكل ما يحمله من بعد استراتيجي ومكانة جيوسياسية وجغرافيا تتصارع على كسبها القوى الفاعلة بالمنطقة، أتم الجيش الأميركي انسحابه من القواعد التي يتمركز فيها، سواء في البادية أو الجزيرة شمال شرقي سوريا. وبعيداً من تحليلات وقراءات هذا الانسحاب بتحول الولايات المتحدة نحو جبهات صراع كبرى مع الصين وروسيا، ولاحقاً الحرب الإيرانية، إلا أن العلاقات السياسية أخذت بالتطور خلال هذا العام من خلال رعاية محادثات الاتفاق الأمني مع إسرائيل.
وفي معرض رده حول سؤال يتعلق: إذا ما ينعكس هذا الإجراء بدفع علاقات إيجابية مع تل أبيب، أو يمهد لعودة المحادثات في شأن اتفاق أمني؟ فإن السياسي السوري أيمن عبدالنور يميل للاعتقاد بعدم رغبة إسرائيل بأن "تصبح سوريا دولة قوية، فهي حاولت إيقاف رفع العقوبات"، بحسب المعلومات المتوافرة لديه.
ويردف "تل أبيب ترغب بأن تصبح سوريا ضعيفة، على ألا تصيبها الفوضى، كي لا تصبح مرتعاً للإرهابيين، ولذلك حل المعضلة مع إسرائيل يحتاج إلى كثير من المحادثات والضمانات الدولية للوصول إلى السلام المنشود في المنطقة".
إلى هذا عززت دمشق فرص حسن النوايا، بحيث أوقفت الدور الذي لعبته سوريا طوال أعوام كممر لعبور الأسلحة والأموال الإيرانية لـ"حزب الله"، وانضمت إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة "داعش"، فضلاً عن إيجاد حل لمعضلة المقاتلين الأجانب وضمهم إلى فرقة عسكرية 84، وسط أصوات أميركية بضرورة التريث قبل إزالة التصنيف وإتاحة مزيد من الوقت لتقييم أداء الحكومة في دمشق، لا سيما بعد الانتهاكات في حق الأقليات في الداخل على يد فصائل موالية لها.