Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دفتر هواتف يقود إلى مدير استخبارات الأسد

تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية يكشف عن أن حسام لوقا مقيم على أطراف العاصمة الروسية

حسام لوقا يصافح بشار الأسد في صورة عثر عليها بمنزل لوقا بعد فراره من سوريا (وسائل التواصل) 

ملخص

دفتر هواتف صغير عُثر عليه في شقة مهجورة بدمشق كان مفتاح رحلة بحث استمرت أشهراً عن حسام لوقا، أحد أكثر رجال بشار الأسد نفوذاً وأشدهم غموضاً. فريق من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) اختبر 155 رقماً، وطرق أبواب أطباء وحراس وسائقين، حتى وصل إلى صوت الرجل نفسه على الهاتف. النتيجة قادت إلى ضاحيتين على أطراف موسكو، إذ يبدو أن الرجل الملقب بـ"العنكبوت" يقيم بعيداً من أي مساءلة.

في شقة فاخرة مهجورة بالعاصمة السورية دمشق، كان مسلحون يرتدون بزات عسكرية يفتشون بين ملابس ماركات عالمية وأوراق متناثرة. وتحت ثريا كريستال لامعة، انتشرت على أرض غرفة المعيشة عشرات الصور لرجل نحيل في مواقف مختلفة، جالساً إلى مكتبه، وحتى وهو يلعب في الثلج، إضافة إلى نسخ متعددة لصورة واحدة تجمعه مبتسماً وهو يصافح بشار الأسد. لم يكن الرجل معروفاً للوهلة الأولى، لكن ميداليات ذهبية وشهادات مذهبة مكدسة قربه حملت اسم حسام لوقا. المشهد وثقه فريق من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بعد أيام قليلة من سقوط النظام.

وحسام لوقا هو مدير الاستخبارات العامة في عهد الرئيس الهارب بشار الأسد، أقوى جهاز استخباري مدني في البلاد. في زاوية غرفة المعيشة في بيته وعلى طاولة جانبية، كان هناك دفتر عادي المظهر. في داخله وبخط أزرق متسرع عشرات الأسماء، من أصحاب متاجر وأطباء إلى ضباط عسكريين وأشخاص يحملون اسم عائلة لوقا. السؤال الذي طرحه فريق "بي بي سي" حينها كان بسيطاً في صياغته، معقداً في تنفيذه، وهو هل يمكن لهذه الأرقام أن تقود إلى الرجل نفسه؟

لم يكن رقم هاتف لوقا سراً في يوم من الأيام. ففي الأشهر الأولى من الحرب السورية، ظهر مطلياً بالرش على جدران مدينة حمص وسط البلاد. كان لوقا آنذاك رئيساً محلياً لإدارة الأمن السياسي، وكلف بانتزاع المدينة من أيدي المعارضين المسلحين. وبينما كانت الأحياء المحاصرة تعاني نقص الغذاء والدواء، قال عدة أشخاص لهيئة الإذاعة البريطانية إنهم اضطروا إلى أكل الجرذان، وبينهم المقاتل السابق معتز الزيدي.

الاتهام الأثقل الذي يلاحق لوقا في حمص يتعلق بما يعرف بمجزرة العيد، أو مجزرة الأطفال كما يسميها بعضهم، وهي واقعة أشارت إليها واشنطن حين أدرجته على قوائم العقوبات. بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قتل 28 شخصاً في تلك الضربة بينهم 17 طفلاً و4 نساء. وتفيد مجموعة حقوقية سورية وصحيفة معارضة صدرت آنذاك بأن لوقا كان مسؤولاً عن اختيار الأهداف في تلك المنطقة ذلك اليوم.

بصفته رئيساً للاستخبارات العامة، كانت لدى لوقا سيطرة استراتيجية على سياسات الاحتجاز، وكان عناصره يراقبون الاتصالات الصادرة من صيدنايا والواردة إليه، وقال النائب العام السوري حسن التربة لهيئة الإذاعة البريطانية إن الحكومة رفعت دعوى ضد لوقا تتهمه بـ"القتل العمد والتعذيب والوفاة الناجمة عن التعذيب"، مضيفاً أن مذكرة توقيف عممت داخلياً ويجري العمل على تعميمها دولياً، وأن دمشق تسعى إلى تحديد مكانه وطلب تسليمه مع مسؤولين آخرين مفقودين.

نقل فريق "بي بي سي" صور كل صفحة من دفتر الهواتف إلى لندن، وبدأ اختبار أرقامه البالغة 155 رقماً، مع إدراك أن كثيراً من المقربين من النظام إما فروا أو اختفوا. 51 رقماً بدا فاعلاً. أُعيد الاتصال بها بحسب أهمية أصحابها الظاهرة لدى لوقا، بدءاً بالقادة العسكريين والأقارب. لم تنجح أي مكالمة. فمن رد أغلق الخط فور معرفة هوية المتصلين وطلبهم، أو أنكر معرفته بلوقا وعائلته، بل أنكر بعضهم أنهم الأشخاص المدرجون في الدفتر أصلاً.

عندها توجه إلى دمشق مراسل من هيئة الإذاعة البريطانية كان اسمه نفسه مدرجاً يوماً على قوائم المطلوبين لدى الاستخبارات السورية حين كان لوقا يديرها. وبما أن كثيراً من أصحاب الأرقام أطباء، بدأ المراسل بحجز مواعيد طبية وسيلة للقاء أصحابها. طبيب في حلب أقر على مضض بأنه عالج لوقا، وآخر كشف عن أنه رافق والدة لوقا في رحلة علاجية إلى روسيا، لكنه اكتفى بتوجيه مبهم نحو صيدلية تعود إلى إحدى بنات لوقا، وقال سكان المنطقة إنها بدورها لم تُر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024.

بعد أشهر من الطرق المسدودة جاءت أول ثغرة. رد أحد أصحاب الأرقام أخيراً، وقال إنه كان حارساً لمبنى شقة لوقا، ثم وافق على إعطاء رقم من قال إنه حارسه الشخصي، وهو رجل أشار إليه فريق "بي بي سي" باسم محمود. استغرق تأمين اللقاء أسابيع، إذ كان يخلف المواعيد أو يطلب اللقاء في سيارة أو شقة خاصة، وهو ما اعتبره المراسل مخاطرة كبيرة. التقيا أخيراً في فندق قبيل منتصف الليل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قال محمود إنه غاضب من لوقا لأنه تركه خلفه لحظة الانهيار. ففي ديسمبر 2024، ومع تقدم الفصائل نحو العاصمة، أعلن لوقا أنه سيبقى للدفاع عن دمشق، لكنه اختفى مع ساعات الفجر الأولى، آخذاً معه مبلغاً كبيراً من خزنة المكتب. ورفض محمود إعطاء أي وسيلة اتصال بلوقا أو عائلته، لكنه سلم الفريق رقم سائقه الذي يعتقد أنه أخرج رئيس الجهاز من العاصمة تلك الليلة. وحين رد السائق كان صوته متوتراً، وأصر على أنه مجرد سائق لا يعرف شيئاً عن نشاطات الرجل، ثم تخلف عن مواعيد عدة وتوقف عن الرد.

اتجهت الأنظار إلى مسارات الهرب المحتملة، وفي مقدمها لبنان المجاور حيث كان "حزب الله" وثيق الصلة بنظام الأسد. وقال مصدر رفيع في الحكومة اللبنانية لهيئة الإذاعة البريطانية إنه فهم أن لوقا عبر لبنان بـ"جواز سفر روسي جيد لكن باسم مختلف"، قبل أن يغادر جواً إلى روسيا. ثم عثر الفريق على رجل يقيم اليوم في لبنان، اسمه مدرج في دفتر لوقا تحت رقم لم يعد يعمل، وهو أحد المطلوبين للحكومة السورية الجديدة بسبب صلته الوثيقة بالنظام السابق. قال الرجل، الذي لم تكشف "بي بي سي" هويته، إن لديه رقماً للوقا. وحين عرض الرقم تبين أنه يحمل مفتاح الاتصال الدولي الروسي.

روسيا كانت الداعم الأبرز لنظام الأسد، وبعد أيام من سقوطه أصدر الأسد بياناً أكد فيه أنه فر إليها، ويعتقد أن كثيراً من دائرته الضيقة لحقوا به. وفي شقة دمشق، كان الفريق قد عثر على مؤشرات إلى صلات قوية للوقا بموسكو، من بينها أوسمة من جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، وبطاقة تهنئة بالعام الجديد موجهة إليه من مسؤول روسي رفيع.

للتحقق، وافق الرجل على وضع من قال إنه لوقا على مكبر الصوت بحضور الفريق، وطرح أسئلة يفترض أن لا يعرف إجاباتها سواه، استناداً إلى معلومات جمعت خلال البحث. بدا الصوت مرتبكاً لكنه أجاب فوراً وبدقة، ورفض التحدث إلى الصحافيين مباشرة. لاحقاً وافق الوسيط على معاودة الاتصال وإتاحة الفرصة لطرح الأسئلة. قال لوقا بنبرة قلقة إنه لا يستطيع المخاطرة بالحديث عبر الهاتف في وضعه الحالي، وحين سُئل إن كانت روسيا تمنعه من الكلام أجاب بأنه لا يستطيع الحديث ولا الشرح وعلى الفريق أن يتفهم. وحين سُئل عن إمكان اللقاء خارج روسيا قال إن ذلك صعب، ثم أغلق الخط.

حصل فريق "بي بي سي" لاحقاً على رقم ثانٍ قيل إنه يعود إلى لوقا أيضاً، مسجل هذه المرة في سوريا ومرتبط بحسابات تواصل وتطبيقات مراسلة بدا أنه ما زال يستخدمها. وعلى مدى يوم واحد تمكنت الهيئة من تحديد موقعه في منطقتين شبه سكنيتين على أطراف العاصمة الروسية موسكو، بدتا بعيدتين من نمط الحياة الفاخرة الذي يُقال إن الأسد يعيشه في منفاه، وعن الحياة التي كان لوقا نفسه يعيشها في سوريا.

ولأن الاقتراب منه شخصياً داخل روسيا غير ممكن، حيث يحظى رجال النظام السابق بحماية تبعدهم من الصحافيين والشرطة الدوليين، أعاد الفريق الاتصال. رد الصوت نفسه على خط متقطع، وسأل عن هوية المتصل، وحين علم أنها هيئة الإذاعة البريطانية أغلق الخط فوراً. ولم يرد على رسالة أرسلت إليه عبر تطبيق "واتساب" تتضمن طلب تعليقه على الاتهامات الموجهة إليه. كذلك لم ترد الحكومة الروسية على طلبات "بي بي سي" للتعليق على وجوده هناك أو على احتمال النظر في طلب تسليم.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات