Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تهديدات الكرملين لبريطانيا... إلى أي مدى قد تصل؟

إنها ليست المرة الأولى التي يحذر فيها الكرملين المملكة المتحدة من عواقب دعمها لأوكرانيا. فمن افتعال الحرائق إلى أعمال التخريب، دأبت روسيا على مدى سنوات على اختبار الدفاعات البريطانية. لكن اليأس قد يدفعها إلى شن هجوم حقيقي، وهو أمر لسنا مستعدين لمواجهته

هدد بوتين المملكة المتحدة بـ"عواقب وخيمة" بعد استخدام طائرات مسيرة بريطانية الصنع لشن هجوم في عمق الأراضي الروسية (رويترز)

ملخص

يحذر الكاتب من أن تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية على فلاديمير بوتين قد يجعله أكثر ميلاً إلى اتخاذ قرارات خطرة وغير محسوبة تجاه بريطانيا والغرب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من لجوء الكرملين إلى خطوات تصعيدية كلما ضاقت خياراته الاستراتيجية.

كان رد فعل الكرملين على أنباء استخدام طائرات مسيرة بعيدة المدى بريطانية الصنع في الهجمات الأوكرانية الأخيرة في عمق الأراضي الروسية غاضباً على نحو متوقع. ومن جديد، جاء ذلك مرفقاً بتهديدات بالانتقام.

أصدرت السفارة الروسية لدى لندن بياناً شديد اللهجة قالت فيه: "إن المملكة المتحدة تتصرف كطرف متآمر وشريك في الجرائم الدموية والهجمات الإرهابية التي يرتكبها النازيون الجدد الأوكرانيون". وأضافت: "ستترتب على تصرفات لندن حتماً عواقب ستضطر إلى تحمل مسؤوليتها... فكلما تعمقت مشاركتها في النزاع، وكلما زاد دعمها لآلة كييف الإرهابية، ارتفع الثمن الذي ستدفعه".

هذه ليست المرة الأولى التي توجه فيها مثل هذه التهديدات الصاخبة إلى المملكة المتحدة. فبعد فترة وجيزة من بروز رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون كأحد أكثر المؤيدين حماسة لأوكرانيا في أعقاب غزو بوتين في فبراير (شباط) 2022، بدأت وسائل الإعلام التابعة للكرملين في إصدار تحذيرات منتظمة ومروعة إلى لندن.

كان المذيع التلفزيوني الروسي المتحمس للحرب فلاديمير سولوفيوف يتحدث مراراً وبحماسة عن ضرب المملكة المتحدة نووياً بصواريخ "سارمات"، التي كان مقتنعاً بأنها ستغرق الجزر البريطانية تحت الأمواج. وقال سولوفيوف غاضباً: "امنحوا البريطانيين ثلاثة أيام ليتعلموا التنفس تحت الماء". وكانت زميلته في قناة "روسيا 1"، المذيعة أولغا سكابييفا، تستضيف بانتظام ضيوفاً كانوا - على نحو يبعث على الرضا لدى أجهزتنا الأمنية - يتحدثون عن مركز القرار البريطاني وجهاز الاستخبارات الخارجية "إم أي 6" MI6 باعتبارهما العقلين المدبرين الشريرين الحقيقيين وراء كل السياسات الغربية. وكانت تلك الاتهامات تتبعها، في غالب الأحيان، التهديدات المعتادة بإزالة "ألبيون الغادرة" Perfidious Albion [لقب تاريخي ازدرائي يطلق على بريطانيا] من الوجود بضربة نووية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من السهل معرفة سبب تركيز أبواق الكرملين الإعلامية هجومها على المملكة المتحدة. أولاً، يرتبط الروس بعلاقة حب وكراهية طويلة وعميقة مع جواسيس بريطانيا الأسطوريين ومحققيها الخياليين. وثانياً، بالمقارنة مع الولايات المتحدة، لا تتمتع المملكة المتحدة بأهمية كبيرة ويمكن التهجم عليها من دون عواقب تذكر، في حين يقيم الكرملين علاقة مهمة ومعقدة، تتأرجح بين التقارب والخصومة، مع دونالد ترمب والبيت الأبيض في عهده.

لكن المشكلة التي تواجه قادة الأمن البريطانيين هي أن التهديدات الروسية ليست كلها كلاماً فارغاً. فقد حذر كاين ماكالوم، المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية "إم أي 5" MI5، في تقريره السنوي حول التهديدات في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، من أن "فرقي تكتشف بشكل روتيني محاولات من جهات حكومية لتكليف أشخاص بأعمال مراقبة أو تخريب أو حرق متعمد أو عنف جسدي، هنا في المملكة المتحدة". وحذر من أن وكالات التجسس الروسية تستأجر بلطجية عبر الإنترنت لتنفيذ أعمالها القذرة، "وتصدر لهم التعليمات عبر تطبيقات مشفرة، وتعرض عليهم الدفع بالعملات المشفرة".

كان هؤلاء من نوع المجرمين المتهورين المسؤولين عن أول هجوم مادي كبير دبره الكرملين على الأراضي البريطانية منذ غزو أوكرانيا، حين اندلع حريق في مارس (آذار) 2024 داخل مستودع في ليتون بلندن مرتبط بشركة مملوكة لأوكرانيين. ومن بين الأشخاص السبعة الذين وُجهت إليهم تهم الحرق العمد المشدد وتلقي أموال من وكالة استخبارات أجنبية، اعترف عدد منهم بتنفيذ الهجوم لحساب روسيا. واندلع حريق آخر في مستودع تابع لشركة "دي إتش إل" DHL في مينوورث، برمنغهام، في يوليو (تموز) 2024، عندما انفجرت طرد بريدي بعد وصوله من فيلنيوس. وكشفت النيابة العامة الليتوانية عن مخطط روسي واسع النطاق في أنحاء أوروبا، دبرته الاستخبارات العسكرية الروسية، لتخريب مراكز "دي إتش إل" بطرود مماثلة في لايبزيغ ووارسو.

ومن بين المخططات الأخرى التي أحبطها جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية "إم أي 5" قضية "مينيونز" Minions، حين جند ضابط تجسس روسي رفيع المستوى عصابة من المجرمين الأغبياء من أوروبا الشرقية في لندن، بهدف اغتيال صحفيين ونشطاء معادين للكرملين. وتضمنت قضية أخرى عصابة كُلفت بتنظيم هجمات حرق متعمدة على سيارة السير كير ستارمر ومنزله السابق. وأدين رجلان بعدما جندهما عبر الإنترنت شخص ناطق بالروسية مرتبط بشبكة تخريب موالية للكرملين، رغم أن الإجراءات الجنائية لم تثبت أن الدولة الروسية نفسها أمرت بتنفيذ الهجمات.

حتى الآن، تبدو الأمور مثيرة للشفقة. وليس واضحاً ما الذي يهدف إليه الكرملين من هذا النشاط التخريبي، سوى تأكيد مدى العجز والغباء واليأس الذي أصبح عليه خلفاء جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق، جهاز "كي جي بي" الذي كان ذات يوم قوياً. ومع ذلك، هناك أسلحة حقيقية، وأكثر خطورة بكثير، في الترسانة السرية لروسيا، ولا يفصلنا عن استخدامها سوى مستويين أو ثلاثة من التصعيد.

في أبريل (نيسان) الماضي، شوهدت "يانتار" Yantar، وهي سفينة تجسس روسية تتظاهر بأنها سفينة أبحاث في علم المحيطات، تبحر على مقربة من الساحل البريطاني. وقال وزير الدفاع آنذاك جون هيلي إن مثل هذه السفن "صُممت لمسح البنية التحتية تحت الماء في أوقات السلم، وتخريبها في حال اندلاع صراع"، محذراً الكرملين مباشرة: "نحن نراكم، ونرى أنشطتكم فوق كابلاتنا وخطوط أنابيبنا. وعليكم أن تعلموا أن أي محاولة لإلحاق الضرر بها لن يتم التسامح معها".

تعتمد إمدادات الكهرباء والإنترنت والغاز في بريطانيا وإيرلندا جميعها على شبكة من الكابلات البحرية الهشة وغير المحمية، التي يمكن تفجيرها بسهولة أو قطعها ببساطة عبر جر المراسي على قاع البحر، وأظهرت الأضرار المتفرقة التي لحقت، في السنوات الأخيرة، بالكابلات بين فنلندا وإستونيا، والتي يُفترض أنها "عرضية".

وشهد الأسبوع الماضي أيضاً تصعيداً مقلقاً، عندما اعترضت السلطات في مطار لايبزيغ بألمانيا طائرة مسيرة صغيرة تحمل متفجرات، وهو مركز لوجستي رئيس لشركة الشحن الدولية "دي إتش إل"، فضلاً عن كونه مركزاً لطائرات تشغلها أوكرانيا. وعلى رغم عدم وجود دليل قاطع يربط محاولة الهجوم هذه بروسيا حتى الآن، فإن تفجير طائرة مدنية في مطار أوروبي سيقترب كثيراً من أن يكون عملاً حربياً.

لكن بريطانيا، لا ألمانيا، هي التي يعتبرها كثير من "مدوني الحرب" الروس طرفاً مقاتلاً في الحرب الأوكرانية. ويرجع ذلك إلى أن المملكة المتحدة هي الحليف الدولي الوحيد لكييف الذي سمح باستخدام أسلحته - أولاً صواريخ كروز من طراز "ستورم شادو"، والآن طائرات "نيان" Nyan المسيرة التي تصنعها شركة "بي أيه إي سيستمز" BAE Systems- في الهجمات الأوكرانية داخل روسيا نفسها. وفي المقابل، رفضت ألمانيا والولايات المتحدة السماح باستخدام مدفعيتهما الصاروخية من طراز "أتاكمز" ATACMS أو صواريخ كروز طراز "توروس" Taurus في ضربات بعيدة المدى، تحديداً خشية إثارة التصعيد، وقصرتا استخدام أسلحتهما على ساحات القتال داخل أوكرانيا التي تحتلها روسيا.

فهل يجعل ذلك من بريطانيا طرفاً مقاتلاً ضد روسيا، ومن ثم هدفاً عسكرياً مشروعاً؟ يواجه الكرملين معضلة عندما يتعلق الأمر بالرد على ضربات "نيان". فمن الناحية العسكرية، لا تحدث الطائرة البريطانية الصغيرة فرقاً يذكر في إنتاج أوكرانيا للطائرات المسيرة العسكرية، وهو الأكبر عالمياً، والمتوقع أن يصل إلى 7 ملايين وحدة بحلول نهاية هذا العام. ومع ذلك، فإن المملكة المتحدة هي أكبر مساهم مالي في المجهود الحربي الأوكراني الآن بعدما قطع ترمب التمويل الأميركي بالكامل تقريباً. فهل سيؤدي نوع من الهجوم على بريطانيا إلى إخافة حكومة أندرو بيرنهام الجديدة ودفعها إلى التراجع عن دعمها لكييف، أم أنه، على العكس، سيوحد أوروبا وحلف الناتو لتكثيف دعمهما لأوكرانيا وتصعيده؟

ورد بيرنهام متحدياً تهديدات الكرملين، مؤكداً أن "المملكة المتحدة تفعل ما قالت منذ فترة طويلة إنها ستفعله، وهو دعم أوكرانيا 100 في المئة في مواجهة هذه الحرب غير المشروعة التي يقودها فلاديمير بوتين". ووصف استخدام الطائرات المسيرة النفاثة من طراز "نيان" المصنوعة في بريطانيا بأنه "دعم حتى تتمكن أوكرانيا من الدفاع عن نفسها"، وتعهد بأن بريطانيا ليست "صديقاً في الأوقات الجيدة فقط... وهذا لن يتغير".

من السهل قول ذلك ما دامت التدخلات الروسية لا تتجاوز هجمات حرق صغيرة ينفذها مرتزقة أغبياء بطريقة غير متقنة. لكن ماذا لو تحولت مؤامرة الاغتيال التي كشفتها الشرطة الألمانية ضد آرمين بابيرغير، الرئيس التنفيذي لشركة "راينميتال" Rheinmetall الألمانية لصناعة الأسلحة، في 2024، إلى حقيقة قاتلة على الأراضي البريطانية؟

أو ماذا لو انفجرت طائرة شحن تابعة لشركة "دي إتش إل" على مدرج مطار برمنغهام، أو قُطعت، "عن طريق الخطأ"، الوصلات الحيوية التي تربط شبكتي الكهرباء في المملكة المتحدة وفرنسا بمرساة تزن سبعة أطنان تجرها ناقلة؟

إذا كان "الثمن" الذي هدد به الكرملين يمثل تحدياً مباشراً للتصعيد وصولاً إلى حافة حرب بالأسلحة النارية، فهل سيتمكن بيرنهام من إقناع الشعب البريطاني بأن على بلاده خوض حرب من أجل شريط جغرافي متنازع عليه من أوكرانيا؟

حتى الآن، لا يزال مثل هذا التصعيد مستبعداً، لكن فقط لأن بوتين يعتقد أن التقدم البطيء لجيشه عبر دونباس يعني أنه سيتمكن في نهاية المطاف من سحق المقاومة الأوكرانية. لكن، كما كتبت الشهر الماضي في "اندبندنت"، فإن المتاعب الحقيقية التي يواجهها بوتين هي في الداخل، خصوصاً مع تزايد التوترات داخل النخبة الروسية بين مصالح تجارية أنهكتها الحرب وطبقة الأجهزة الأمنية التي تدين بسلطتها ومداخيلها لاستمرار الصراع.

سيكون بوتين المحاصر واليائس أكثر خطورة بكثير وأكثر تقلباً، وفي الشهر الماضي نُقل عن مصدرين رفيعين في الكرملين، يلتقي أحدهما بالرئيس بانتظام، قولهما إن هناك "احتمالاً كبيراً" للتصعيد في الأشهر المقبلة.

هناك أمران واضحان: الأول، أن بريطانيا معرضة بشدة للخطر وغير مستعدة لهجوم، سواء في الفضاء السيبراني أو على بنيتها التحتية الحيوية. والثاني، أن الجواسيس والجنود الروس يختبرون نقاط ضعفنا بشكل منهجي، وهم مستعدون للضرب إذا ما أصبح الكرملين متهوراً بما يكفي لإصدار الأمر.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل