ملخص
ربط بنك "يو بي أس" ارتفاع معدلات الفائدة طويلة الأجل إلى إعادة تسعير توقعات رفع الفائدة، وديون شركات التكنولوجيا، والتحول الهيكلي نحو مستوى تضخم أعلى بصورة دائمة
مجدداً، تفاقمت حال عدم اليقين الاقتصادي عالمياً وأصبحت الأسواق في مواجهة مع أزمة جديدة، إذ تكبدت أسواق الدخل الثابت العالمية خسائر للأسبوع الثاني على التوالي، بعدما فشلت محاولات التهدئة اللفظية من واشنطن في كبح مخاوف المستثمرين العميقة إزاء اتساع العجز المالي الأميركي، والمسار المتشدد للبنوك المركزية، وتضخم الطاقة المستمر.
ولم تحقق محاولات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لتهدئة أسواق الدين العالمية سوى ارتياح موقت، إذ أكد في تصريحات حديثة أن مستويات العائدات لا تعكس الأساسات الاقتصادية، ملمحاً إلى احتمال توسيع الحكومة لعمليات إعادة الشراء إلى ما هو أبعد من السقف المعلن حديثاً البالغ 4 مليارات دولار لكل إصدار.
وعلى رغم تصريحات بيسنت، وقرار وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة دعم السيولة في السندات طويلة الأجل، واصل المتداولون حول العالم بيع أدوات الدين السيادي، في مؤشر إلى تنامي القناعة بأن عمليات إعادة الشراء الحكومية ليست سوى إجراءات فنية موقتة لا يمكنها تعويض الخلل الهيكلي في العرض أو التضخم المدفوع بالكلفة بصورة دائمة.
الدين الأميركي يسجل رقماً قياسياً عند 40 تريليون دولار
في التعاملات الأخيرة، سرعان ما تجاوزت أسواق الدخل الثابت إعلان واشنطن في شأن إعادة شراء السندات السيادية، بعدما تلاشى الارتفاع الموقت الناتج من تغطية المراكز خلال ساعات قليلة.
وتكمن المشكلة الجوهرية في أن تدخل وزارة الخزانة الأميركية، يغير آليات السوق من دون أن يمس العرض والطلب الأساسيين، فخلافاً للتيسير الكمي الذي ينتهجه بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) لا تستطيع وزارة الخزانة إصدار نقود جديدة لتمويل مشترياتها من السندات، إذ يتعين تمويل عمليات إعادة شراء الديون القديمة من مصادر أخرى (على الأرجح عبر إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل)، وهو ما يعيد تشكيل الهيكل الزمني للدين الحكومي بدلاً من خفض العبء الإجمالي الذي يتعين على السوق استيعابه.
فيما يزيد من تشكك المتداولين الطابع الموقت للبرنامج، الذي يمتد من التاسع من سبتمبر (أيلول) وحتى الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، إذ ينظر إليه المستثمرون في الدخل الثابت باعتباره حائط صد تكتيكياً وليس حلاً هيكلياً، مفضلين التركيز على وتيرة الطروحات الأولية المتواصلة للدين، ومزاحمة الشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا للسوق عبر إصدارات ضخمة لتمويل الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تجاوز إجمال الدين الأميركي الحكومي عتبة 40 تريليون دولار رسمياً.
توجه نحو إعادة تسعير الفائدة وديون شركات التكنولوجيا
في مذكرة بحثية حديثة، كشف استراتيجيون في بنك "يو بى أس"، أسباب إخفاق التدخلات الحكومية تاريخياً في كبح العائدات، وقال إن تدخل الخزانة النادر يمنح وقتاً إضافياً لا حلاً جذرياً، مشيراً إلى أن التاريخ يظهر أن تدخلات أسواق السندات محدودة الأثر، وعلى رغم قدرتها على تقليل التقلبات وتوفير راحة موقتة، فإنها لم تخفض كلفة الاقتراض بصورة دائمة متى ظلت الأوضاع المالية والتضخمية وأوضاع العرض غير مواتية.
وأرجع التقرير ارتفاع معدلات الفائدة طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ عقود، إلى مزيج من إعادة تسعير توقعات رفع الفائدة من البنوك المركزية، والإصدارات الضخمة لديون شركات التكنولوجيا الكبرى، والتحول الهيكلي نحو مستوى تضخم أعلى بصورة دائمة بفعل الصدمات المتكررة في جانب العرض.
وقادت مراكز الدين الأوروبية موجة البيع الأسبوعية، مدفوعة بتضخم إقليمي متفاقم، وصعوبة استيعاب الطروحات الأولية، مما دفع كلفة الاقتراض عبر القارة إلى مستويات لم تسجل منذ أعوام، إذ ارتفع العائد على السندات الألمانية لأجل 10 أعوام إلى 3.254 في المئة خلال تعاملات أمس الجمعة، مسجلاً مكسباً أسبوعياً ثانياً على التوالي، وباقياً قريباً من أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) 2011.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وارتفع عائد سندات "شاتز" الألمانية لأجل عامين إلى مستوى 2.841 في المئة، مسجلاً هو الآخر مكسباً أسبوعياً ثانياً، مع تزايد رهانات أسواق المال على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة في سبتمبر المقبل.
وللأسبوع الثاني على التوالي، قفز العائد على السندات الفرنسية لأجل 10 أعوام، مستقراً عند نحو 4.10 في المئة، عقب سلسلة كثيفة من طروحات الدين الحكومي عبر ستة آجال استحقاق اختبرت الطلب المؤسسي.
وتعكس هذه الارتفاعات عبر البورصات الأوروبية توجهاً نحو تسطح هابط في المنحنى، في وقت يستعد المتداولون لبقاء التضخم في منطقة اليورو فوق هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ نحو اثنين في المئة، وسط استمرار التوتر في ممرات الخليج الفارسي.
عائد السندات الأميركية عند مستويات قياسية
واتجهت سندات الخزانة الأميركية نحو نظيرتها الأوروبية في موجة البيع، ماحية كل المكاسب التكتيكية التي حققتها عقب الإعلان الأول لوزارة الخزانة الأميركية عن إعادة الشراء، إذ استقر العائد على سندات الخزانة لأجل 10 أعوام عند مستوى 4.696 في المئة، باقياً قرب أعلى مستوياته منذ أشهر.
فيما استقر العائد على أجل عامين عند مستوى 4.185 في المئة، عاكساً توقعات ببقاء أسعار الفائدة عند مستوى مرتفع من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي.
وارتفع العائد على السندات لأجل 30 عاماً إلى مستوى 5.247 في المئة، مقترباً من جديد من ذروته في 19 عاماً البالغة نحو 5.337 في المئة، المسجلة في وقت سابق من الأسبوع الماضي.
وجاء هذا الارتفاع في ظل استمرار الضغط على موازنات المتعاملين الرئيسين جراء جدول لا يهدأ من مبيعات السندات الفيدرالية، إلى جانب إصدارات ضخمة من ديون الشركات لتمويل شركات التكنولوجيا بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي.