ملخص
على رغم تسجيل مؤشر "فوتسي 100" مستويات قياسية، تواجه بورصة لندن نزفاً متسارعاً مع انتقال الشركات والمستثمرين نحو الأسواق الأميركية والاستثمارات الخاصة، ويحذر متخصصون من أن استمرار هذا الاتجاه يهدد مكانة لندن التاريخية كأحد أهم المراكز المالية العالمية.
في وقت يواصل فيه مؤشر "فوتسي 100" تسجيل مستويات قياسية، تواجه بورصة لندن واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود، مع تسارع خروج الشركات المدرجة وتراجع إقبال المستثمرين المحليين على الأسهم البريطانية لمصلحة الأسواق الأميركية، في تحول يثير مخاوف متزايدة في شأن مستقبل أكبر سوق مالية في المملكة المتحدة.
وجاءت أحدث الضربات عندما وافق مساهمو شركة "تيت أند لايل" على صفقة استحواذ بقيمة 2.7 مليار جنيه استرليني (3.6 مليار دولار)، لتنهي بذلك نحو 90 عاماً من الإدراج في بورصة لندن، في خطوة اعتبرها كثيرون رمزاً لتراجع جاذبية السوق البريطانية.
ولم تكن هذه الحال الوحيدة، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة عروض استحواذ على عدد من الشركات البريطانية البارزة، من بينها "إيزي جت" و"إنترتك" و"ميتي غروب" و"روتورك" و"سيغرو".
وأثارت تقارير عن محادثات اندماج تصل قيمتها إلى 300 مليار جنيه استرليني (402.7 مليار دولار) بين "أسترازينيكا" ومنافس أميركي مخاوف إضافية في شأن مستقبل إحدى أكبر الشركات المدرجة في بريطانيا.
تراجع مستمر في حجم السوق
أدى هذا النزوح المتواصل إلى انكماش ملاحظ في سوق الأسهم البريطانية، ففي عام 1997 كانت صناديق التقاعد البريطانية تستثمر نحو نصف أصولها في الأسهم المحلية، أما اليوم فلم تعد النسبة تتجاوز نحو خمسة في المئة، أي جنيه استرليني واحد فقط من كل 20 جنيهاً استرلينياً مستثمراً.
وانخفض عدد الشركات المدرجة في بورصة لندن من 2365 شركة قبل 10 أعوام إلى نحو 1500 شركة حالياً، أي بتراجع يناهز 36 في المئة.
وعلى رغم أن الابتعاد من الأسواق العامة ظاهرة عالمية، فإنها كانت أكثر حدة في المملكة المتحدة مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة.
صناديق التقاعد تتجه إلى الخارج
يرى مؤسس ومدير مركز الأبحاث "نيو فايننشال" وليام رايت أن ضعف أداء الأسهم البريطانية خلال الأعوام الماضية منح مستشاري الاستثمار المبرر لتوجيه صناديق التقاعد نحو المحافظ العالمية، بدلاً من التركيز على السوق المحلية.
وقال رايت لصحيفة "التلغراف" إن كثيراً من المستشارين اعتمدوا على نظريات التنويع وتحسين العوائد طويلة الأجل لتبرير خفض الاستثمار في الأسهم البريطانية، في وقت كانت فيه أسهم التكنولوجيا الأميركية تحقق مكاسب استثنائية.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التحول إعلان "سكوتش ويدوز"، إحدى أكبر شركات إدارة التقاعد في بريطانيا، خفض استثماراتها في الأسهم البريطانية من 12 في المئة إلى ثلاثة في المئة فقط، سعياً إلى تحقيق عوائد أعلى من الأسواق الخارجية.
وخفض عدد من صناديق التقاعد التابعة للسلطات المحلية انكشافه على الأسهم البريطانية، معتبراً أن الوزن الطبيعي للمملكة المتحدة داخل المحافظ العالمية لا يتجاوز نحو أربعة في المئة.
سياسات حكومية أسهمت في الأزمة
لا يحمل المتخصصون صناديق التقاعد وحدها مسؤولية هذا التراجع، بل يشيرون أيضاً إلى السياسات الحكومية المتعاقبة، ففي أول موازنة لوزير الخزانة البريطاني السابق غوردون براون عام 1997 ألغيت الإعفاءات الضريبية التي كانت تتمتع بها صناديق التقاعد على توزيعات الأرباح، وهو ما يعتبره كثيرون نقطة تحول رئيسة في تراجع الاستثمار المحلي.
في المقابل، احتفظت دول مثل أستراليا بحوافز مماثلة، وهو ما ساعد صناديق التقاعد هناك في استثمار نحو 24 في المئة من أصولها في سوق الأسهم المحلية، مقارنة بنحو أربعة في المئة فقط في بريطانيا.
إصلاحات مطلوبة
من جانبه دعا الرئيس التنفيذي لمجموعة بورصة لندن ديفيد شويمر الحكومة الجديدة برئاسة أندي بورنهام إلى مراجعة نظام الحوافز الضريبية المرتبطة بصناديق التقاعد، بما يشجعها على إعادة ضخ جزء أكبر من أموالها في الشركات البريطانية.
وأشار إلى أن صناديق التقاعد تستفيد من إعفاءات ضريبية تقدر بنحو 50 مليار جنيه استرليني (67.1 مليار دولار) سنوياً، معتبراً أن من الممكن إعادة تصميم هذه الحوافز لدعم الاستثمار في السوق المحلية، من دون فرض إلزامات مباشرة على المستثمرين.
مديرو الصناديق يفضلون أميركا
في المقابل، يدافع مديرو الصناديق الاستثمارية عن استراتيجياتهم، مؤكدين أن واجبهم الأساس يتمثل في تحقيق أعلى عائد ممكن للمستثمرين، وليس دعم سوق بعينها.
وتظهر البيانات أن صندوق "فندسميث" الذي يديره تيري سميث لا يستثمر سوى 2.8 في المئة من أصوله في الأسهم البريطانية، في مقابل نسب أعلى بكثير في الشركات الأميركية والفرنسية والإسبانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يمتلك صندوق "سكوتش مورتغيج إنفستمنت تراست"، الذي تديره شركة "بيلي جيفورد"، سوى استثمار واحد في شركة بريطانية، بينما يخصص صندوق "بولاريس 3" التابع لـ"سانت جيمس بليس" نحو 6.8 في المئة فقط من أصوله للأسهم البريطانية، في مقابل ما يقرب من 40 في المئة للأسهم الأميركية.
ويرى مديرو الصناديق أن هذا التوزيع يعكس الحجم النسبي للأسواق العالمية، إذ لا تمثل الشركات البريطانية سوى نحو ثلاثة في المئة من القيمة السوقية للأسهم المدرجة حول العالم.
مستقبل بورصة لندن
وحذر محللون من أن استمرار انخفاض تقييمات الشركات البريطانية، بالتزامن مع خروج المستثمرين المحليين، يجعل الشركات المدرجة أهدافاً سهلة للاستحواذ من مستثمرين أجانب أو صناديق الاستثمار الخاصة، وهو ما قد يفاقم نزف الإدراجات ويضعف مكانة لندن كمركز مالي عالمي.
وفي ظل استمرار هذا الاتجاه، يزداد الضغط على الحكومة البريطانية لإطلاق إصلاحات تعيد الثقة للسوق المحلية، سواء عبر تعديل الحوافز الضريبية أم تشجيع صناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية على توجيه جزء أكبر من أصولها نحو الشركات البريطانية، قبل أن تفقد لندن مزيداً من رموزها الاقتصادية والتاريخية.