Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا تصمد اتفاقات السلام في غزة؟

خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة تعاني من العيب القاتل نفسه الذي شاب جميع الاتفاقات السابقة

فلسطينيون يحملون نعشاً خلال جنازة جماعية في مدينة غزة لـ50 شخصاً انتُشلت جثامينهم أخيراً من تحت الأنقاض (رويترز)

ملخص

تكمن المشكلة الجوهرية في اتفاقات السلام الخاصة بغزة في غياب آلية واضحة وملزمة للتحقق من تنفيذها والفصل في الخروقات. فعلى رغم تعدد الاتفاقات وخطط ترمب، ظلت قضايا الإنفاذ والحكم ومستقبل غزة معلقة، ما سمح بانهيار مراحل سابقة. وأي اتفاق قابل للاستمرار يحتاج إلى جهة تحكيم متفق عليها، وضمانات إقليمية، وترتيبات حكم تمنح الفلسطينيين دوراً سياسياً وأفقاً واضحاً، وإلا سيتكرر المأزق نفسه.

نشر "مجلس السلام" الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أواخر شهر يوليو (تموز) خارطة طريق من 15 نقطة بشأن غزة، تقضي بأن تسلّم حركة "حماس" أسلحتها إلى لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين تعتمدها هيئة تحقُق دولية، في مقابل انسحاب إسرائيل من القطاع الفلسطيني على مراحل.

إلا أنه بعدما رفضت إسرائيل هذه الخطة رسمياً في التاسع من أغسطس (آب) الجاري، توجه المبعوث الأميركي جاريد كوشنر إلى الساحل المصري للقاء ممثلين عن "حماس"، ومن هناك انتقل إلى القدس، حيث قُدم اقتراح جديد يقضي بأن يتم تسليم الأسلحة بدلاً من ذلك تحت إشراف جنرال أميركي. ويُظهر هذا التغيير في آلية نزع السلاح بوضوح، الشائبة التي شابت جميع الاتفاقات التي تم التوصل إليها بشأن غزة منذ يناير (كانون الثاني) العام 2025، والمتمثل في أن أياً منها لم يحدد مسبقاً الجهة التي ستتولى التحقق من الالتزام بالاتفاق.

 في هذا الإطار، سجلت "قاعدة بيانات اتفاقات السلام التابعة لجامعة إدنبره" Edinburgh’s Peace Agreement Database and Dataset أربعة اتفاقات مرتبطة بمسار وقف إطلاق النار في قطاع غزة خلال العام 2025. وتشمل من بينها اتفاق يناير (كانون الثاني)، وسلسلة من اتفاقات وقف النار والاتفاقات ذات الصلة في أكتوبر (تشرين الأول)، وقراراً صادراً عن الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني).

وقد تناولت جميعها مسائل من بينها تبادل الرهائن والأسرى، وإنشاء سلطة انتقالية لقطاع غزة. لكنها لم تضع الآلية التي تحدد ما الذي يُعد خرقاً للاتفاق، ومن هي الجهة التي تفصل في النزاعات عند وقوعها، وكيف لعملية السلام أن تُستأنف رغم ثبوت حدوث خرق.

صفقات متسلسلة

كان الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يناير (كانون الثاني) العام 2025 أكثر الأحكام تفصيلاً بين الاتفاقات الأربعة. فقد حدد النص المنشور عدد الرهائن والسجناء الذين سيُجرى تبادلهم، والممرات التي ستنسحب القوات الإسرائيلية عبرها من قطاع غزة، والتسلسل الزمني الذي ستتمكن من خلاله العائلات النازحة من العودة إلى ديارها. لكنه ما أغفله النص هو طبيعة الآليات الكفيلة بإلزام الطرفين بتنفيذ البنود.

وقد طُلب من الدول الضامنة للاتفاق- الولايات المتحدة ومصر وقطر- العمل فقط من أجل مواصلة المفاوضات. وأعلن رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني عن آلية متابعة بالتزامن مع الاتفاق، عوض إدراج هذه الآلية في صلب نص الاتفاق. ومُنحت الدول الضامنة صلاحية تسجيل القضايا والمشكلات، لكن لم تُمنح سلطة إنفاذ الاتفاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الخلل ما لبث أن ظهر بوضوح عندما انتهت المرحلة الأولى من الاتفاق في الأول من مارس (آذار)، فيما ظل تنفيذ المرحلة الثانية معلقا، ثم عاودت إسرائيل في الثامن عشر من الشهر نفسه حملة القصف.

سعى اتفاقا أكتوبر (تشرين الأول) العام 2025 إلى إعادة العملية إلى مسارها وفق شروط أعيد التفاوض عليها. وكان اتفاق العاشر من ذلك الشهر يهدف إلى معالجة مسألة آلية الإنفاذ التي غابت عن اتفاق يناير (كانون الثاني).

في غضون ذلك، أنشئ مركز تديره إسرائيل بإشراف "القيادة المركزية الأميركية"- وهي الذراع العسكرية الأميركية المسؤولة عن الشرق الأوسط- لتنسيق المساعدات ومراقبة وقف إطلاق النار. لكن لم يتغير الكثير على أرض الواقع بعد مرور شهرين. فقد اشتكى عمال الإغاثة وموظفو الأمم المتحدة من استمرار القيود على دخول المساعدات، ومن غياب النقاش في شأن الجهة التي ستقوم بحكم غزة وتتولى أمنها.

في الثالث عشر من أكتوبر (تشرين الأول) وقّع قادة الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا ما سُمي "إعلان ترمب للسلام الدائم والازدهار" Trump Declaration for Enduring Peace and Prosperity. وقد ألزم هذا الاتفاق الموقعين بمجموعة واسعة من المبادئ المتعلقة بالتسامح الديني وحقوق الإنسان والأمن والحوار في مختلف أنحاء المنطقة.

إسرائيل و"حماس" لم توقعا على الإعلان. وهذا ليس بأمر غير اعتيادي [غير مألوف]، إذ غالباً ما يوقع الضامنون على ما لا توافق الأطراف المتحاربة على توقيعه. لكن أربع حكومات لا يمكنها أن تتعهد بالتسامح وبحماية حقوق الإنسان نيابة عن طرفين لم يقوما بالتوقيع، كما أن نصه لم يحدد ما الذي ستفعله هذه الحكومات لإلزام  الطرفين بتطبيق بنوده.

أما قرار الأمم المتحدة الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، فكان الاتفاق الأكثر أهمية من الناحية المؤسسية، بحيث أقر رسمياً خطة ترمب للسلام في غزة، المسماة "الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة" Comprehensive Plan to End the Gaza Conflict، وأنشأ "مجلس السلام" ليكون السلطة العليا لهيئة انتقالية جديدة تتولى الإشراف على عملية الانتقال السياسي في غزة.

إلا أن القرار لم يذكر شيئاً عن أعضاء هذه الهيئة، ولا سيما ما إذا كانت ستضم نساء، إذ لا يرد ذكر النساء في نص الاتفاق إلا في سياق الحديث عن الأسرى والرهائن.

مع ذلك، أرسى القرار الآلية الخاصة بإعادة إعمار غزّة اقتصادياً. كما تضمن بنداً يتعلق بـ"حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة الدولة". لكن القرار حمل العيب نفسه الذي شاب اتفاقات وقف إطلاق النار.

فبموجب قرار الأمم المتحدة، تصبح إقامة الدولة ممكنة بمجرد أن يكون هناك "تنفيذ فعلي وكامل" لإصلاح السلطة الفلسطينية- التي كانت قد أنشئت في العام 1994 كإدارة انتقالية لقطاع غزّة والضفة الغربية- وبعد إحراز تقدم في إعادة إعمار غزة. لكن لم يتم تعيين أي جهة للحكم على موعد تحقق أي من الشرطين.

هذا يعيدنا إلى خارطة الطريق المؤلفة من 15 نقطة، التي كانت محاولة لسد بعض أوجه النقص في التفاصيل والتي شابت الاتفاقات السابقة. وتتضمن الخطة لجنة تحقق دولية تتولى المصادقة على إتمام الطرفين كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.

غير أن الانسحاب المرحلي للقوات الإسرائيلية الذي وعدت به خارطة الطريق، جرى التراجع عنه الآن. ففي السابع عشر من أغسطس (آب)، طمأن "مجلس السلام" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من قطاع غزة قبل استكمال نزع سلاح "حماس". وتم أيضاً نقل مهمة التحقق من إتمام عملية نزع السلاح من لجنة متعددة الأطراف إلى جنرال أميركي.

وعليه، فإن أي صيغة قابلة للتطبيق من هذا الاتفاق تتطلب وجود جهة تحكيم يرتضيها الطرفان، ويتفق عليها قبل بدء الخطوات التنفيذية، مع تحديد واضح لإجراءات التعامل مع الخروقات. وتتطلب أيضاً أن تكون الجهات الإقليمية الضامنة التي جعلت هذه الاتفاقات ممكنة في الأساس، جزءاً من هذه الآلية.

إلى جانب ذلك، لا بد من وجود ترتيبات للحكم يكون للفلسطينيين في غزة رأي فيها، وتمنحهم أفقاً سياسياً يتطلعون إليه، ووسيلة ما لمعالجة آثار الصدمات الناجمة عن الحرب. ومن دون ذلك- حتى لو تمّت تسوية الخلاف بشأن نزع السلاح- فإن غياب هذه العناصر سيؤدي إلى المأزق نفسه مرة أخرى.

آدم فاركوهار هو باحث مشارك في "كلية الحقوق التابعة لجامعة إدنبره"

هذه المقالة أعيد نشرها من منصة "ذا كونفرسيشن" بموجب ترخيص "المشاع الإبداعي". لقراءة المقالة الأصلية يرجى النقر هنا

اقرأ المزيد

المزيد من آراء