Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خوارزميات الذكاء الاصطناعي: حرب إسرائيلية أخرى من دون رصاص

أسست مصنعاً رقمياً يعمل على مدار الساعة لنشر عشرات الأوراق التحليلية والمقالات المكتوبة بأسلوب الرأي المحايد والدراسات المستقلة

أدركت المؤسسات السياسية الإسرائيلية مبكراً أن النماذج اللغوية التوليدية لا تمتلك وعياً أيديولوجيا (أ ف ب) 

ملخص

كشفت الوثائق الرسمية المودعة لدى وزارة العدل الأميركية أخيراً عن وجود شبكة تعاقدية ممتدة ومركبة تُدار بإشراف ومتابعة مباشرة من هيئة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية (لابام) بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاستراتيجية تتلاعب بخوارزميات الذكاء الاصطناعي بما يخدم الرواية الإسرائيلية.

تخيل أن تجلس أمام شاشة حاسوبك وتكتب سؤالاً يبدو حاسماً وبسيطاً لروبوت الذكاء الاصطناعي التوليدي، "هل يمارس الجيش الإسرائيلي سياسة التجويع الممنهج في غزة؟"، لتجيبك الخوارزمية في أجزاء من الثانية بسلاسة وحياد ظاهريين، نافية التهمة، بل وتسرد مسوغات قانونية وإنسانية معقدة تبرئ ساحة المؤسسة العسكرية. هذا السيناريو ليس مجرد فرضية سينمائية أو تخوف أكاديمي، بل هو التجلي المباشر لواحد من أعتى الصراعات السيبرانية والدبلوماسية في العصر الحديث.

لقد شهد العالم على مدار العقود الماضية تحولات متسارعة في أساليب إدارة الحروب النفسية وصناعة السرديات السياسية. فبعدما كانت المعارك المعرفية تدار عبر شاشات التلفاز المعتمدة والمطبوعات الورقية والصحف الكبرى، ثم انتقلت مع مطلع القرن الـ21 إلى منصات التواصل الاجتماعي وخوارزميات التوصية والجيوش الإلكترونية... ببساطة نشهد اليوم قفزة نوعية ونقطة تحول تاريخية نحو ما يمكن تسميته ـ "الجيل الثالث" من الدبلوماسية الرقمية والهندسة المعرفية.

ففي هذه المرحلة الجديدة، لم تعد الغاية المباشرة هي التأثير في عقول البشر بشكل مباشر أو إقناع الناخب الغربي عبر المنشورات والتعليقات، بل أصبحت الغاية هي إعادة برمجة التفكير الجمعي للبشرية عبر استهداف واستقطاب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية الكبرى التي تعد المحرك الأساس الذي يعتمد عليه العالم اليوم لصناعة معرفته وتلخيص وقائعه. وقد أدركت المؤسسات السياسية والعلاقات العامة المرتبطة بحكومة إسرائيل مبكراً أن النماذج اللغوية التوليدية لا تمتلك وعياً أيديولوجيا ولا إدراكاً أخلاقياً ذاتياً، بل هي عبارة عن خوارزميات إحصائية معقدة تعتمد في جوهرها على قراءة ملايين البيانات المفتوحة على شبكة الإنترنت وتلخيصها.

 

ومن هذا المنطلق التقني الدقيق، انطلقت حملات معقدة وممولة رسمياً تسعى إلى تطبيق استراتيجية حديثة تعرف في الأوساط التقنية بـ"تسميم البيئة المعرفية" وتعتمد على ضخ كميات هائلة من المقالات والأوراق التحليلية والأبحاث المصممة هندسياً بلغة أكاديمية جافة وصيغ محددة، لكي تلتقطها المحركات الذكية وتدرجها ضمن قواعد بياناتها كمراجع موثوقة ومحايدة أثناء إجابتها عن أسئلة المستخدمين حول العالم.

 شبكة معقدة

لم تكن تفاصيل هذه الحملة لتخرج إلى النور لولا الشفافية الإجرائية التي يفرضها "الفيدرالي الأميركي" عبر قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)، والذي يجبر الشركات والأفراد الذين يعملون لمصلحة حكومات أجنبية داخل الولايات المتحدة على الإفصاح عن عقودهم وموازناتهم ومراسلاتهم.

وكشفت الوثائق الرسمية المودعة لدى وزارة العدل الأميركية أخيراً عن وجود شبكة تعاقدية ممتدة ومركبة تدار بإشراف ومتابعة مباشرة من هيئة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية (لابام) بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاستراتيجية. وتبدأ السلسلة التنفيذية لهذه الشبكة من الحكومة الإسرائيلية التي أعدت الموازنات المخصصة للدبلوماسية الرقمية، ثم انتقلت التكليفات إلى عملاق العلاقات العامة الفرنسي الشهير (هافاس ميديا) عبر فرعها المباشر في ألمانيا. ومن هناك، جرى توزيع العقود التنفيذية على وكالات تسويق ودعاية استراتيجية أميركية مقرها نيويورك، وفي مقدمها وكالة "بيرو إنك" بالتعاون مع شركة "كلوك تاور إكس" المملوكة لخبراء في إدارة الحملات السياسية واستراتيجيات التأثير الرقمي.

 

وفي حين أظهرت الإفصاحات المبدئية عقوداً تجريبية بحدود المليون دولار لتغطية المراحل الأولى من المشروع، كشفت التحقيقات الاستقصائية الموسعة التي نشرتها شبكات صحافية مستقلة عن أن حجم العقود الإجمالي والخطط الممتدة يرتفع ليصل إلى 46.5 مليون دولار. والأهم من الرقم المالي هو الهدف المكتوب صراحة في نصوص العقود الرسمية باللغة الإنجليزية، حيث أدرجت الجهات المنفذة غايتها الأساسية تحت بند: "تحقيق ناتج مؤطر وصياغة محددة لمصلحة النماذج اللغوية".

خداع خوارزمي

لضمان مرور هذه المواد الضخمة من دون إثارة الشكوك حول مصدرها، قامت وكالة "بيرو إنك" بتأسيس كيان وهمي أو صوري أطلقت عليه اسم "معهد هانوفر للسياسات العامة" وأنشئ لهذا المعهد موقع إلكتروني بتصميم بسيط وأكاديمي، وبدأ فوراً في العمل كمصنع رقمي يعمل على مدار الساعة لنشر عشرات الأوراق التحليلية والمقالات المكتوبة بأسلوب الرأي المحايد والدراسات المستقلة. وقد تم تشكيل المحتوى المنشور على موقع "معهد هانوفر" ليتوافق تماماً مع التقنيات الحديثة، ولكنها مخصصة لتهيئة المحتوى لكي يقرأه الذكاء الاصطناعي بدلاً من محركات البحث العادية.

وتتركز خصائص هذا المحتوى في كتابة المقالات على شكل إجابات مباشرة ومفصلة لأسئلة يطرحها المستخدم الغربي بكثرة، مثل "هل يعد الجيش الإسرائيلي أكثر جيوش العالم التزاماً بالقانون الدولي؟" أو "هل هناك مجاعة أو سياسة تجويع مثبتة في غزة؟". والابتعاد من الخطاب الحماسي أو الشعارات السياسية، واستبدال مصطلحات حقوقية وقانونية معقدة بها تعطي إيحاءً بالحياد والموضوعية، وهو ما تفضله خوارزميات التقييم داخل نماذج الذكاء الاصطناعي. مع تضمين البيانات والأرقام الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وتنسيقها في جداول وقوائم مرقمة، حيث تفضل روبوتات المحادثة النصوص المنظمة والمبوبة لجلبها أثناء الاسترجاع. إلا أن القوانين الأميركية الصارمة دفعت الموقع الصوري للمعهد لوضع تنبيه قانوني صغير في أسفل الصفحة الرئيسة يوضح أن هذه المواد يجري توزيعها بواسطة "بيرو إنك" بالنيابة عن شركة "هافاس" والهيئة الإعلانية الحكومية الإسرائيلية. غير أن الخوارزميات والآلات التوليدية لا تقرأ الهوامش القانونية ولا تحلل الملكية السياسية، بل تقرأ متن النصوص وقواعد البيانات المحررة وتدرجها مباشرة في إجاباتها الموجهة للمستخدمين.

اختراق تقني

وتعتمد البنية التقنية لكيفية عمل النماذج اللغوية الكبرى الحديثة مثل "تشات جي بي تي، بيربلكسيتي، جيميناي" على تقنية برمجية أساسية تعرف بـ"التوليد المعزز بالاسترجاع" فعندما يسأل المستخدم النموذج عن حدث حي أو قضية سياسية راهنة، لا يعتمد النموذج فقط على البيانات القديمة التي تدرب عليها، بل يقوم بالبحث اللحظي في شبكة الإنترنت لتجميع أحدث النصوص وأكثرها ملاءمة للعينات المطلوبة، ثم يقوم بتركيب إجابة ملخصة وسلسة، وهنا تكمن الثغرة التي استغلتها الحملة الإسرائيلية وعملت على تكثيف الإنتاج، فعند ضخ مئات المقالات اليومية التي تجيب بدقة وبنفس صياغة سؤال المستخدم، تصبح هذه المقالات هي الخيار الأول والرئيس في نتائج البحث اللحظي للخوارزميات.

وبفعل التفوق العددي والمصطلحي، يجري التغلب على التقارير الحقوقية الصادرة عن المنظمات الدولية من خلال كثافة الضخ وتكرار المصطلحات الموجهة، مما يجعل خوارزمية الاسترجاع تتعامل مع مواد "معهد هانوفر" كمرجع أساسي ومجمع عليه.

 

وقد تجسدت خبايا هذا الاختراق التقني في التحقيق الاستقصائي الذي نشرته صحيفة "بوليتيكو" الأميركية حول الحملة الأخيرة، حيث ورد في تقريرها أن الملفات المرفوعة لدى وزارة العدل الأميركية هي "أول محاولة حكومية رسمية وموثقة لا تستهدف إقناع الناخبين مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل تستهدف تحريف المصادر المرجعية وتوجيه البيئة المعرفية التي تتغذى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي حول العالم".

ولم يتوقف الأمر عند حدود التحليلات النظرية، بل أجرت شبكات إعلامية ومؤسسات بحثية تقنية تجارب عملية. وأورد تقرير موقع "كالكاليست" التكنولوجي أن طرح أسئلة اختبارية على أدوات مثل "تشات جي بي تي، بيربلكسيتي" حول الأوضاع الإنسانية والاتهامات الموجهة للجيش الإسرائيلي أدى في حالات مثبتة إلى استشهاد الذكاء الاصطناعي بمقالات معهد هانوفر الصوري وإدراجها كروابط ومراجع إخبارية وثيقة في الهامش.

وفي تقرير تكنولوجي استقصائي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية لمتابعة ثغرات التأثير الخوارزمي، صرح أحد كبار خبراء الأمن السيبراني والأبحاث الرقمية للصحيفة قائلاً "إن ما نراه هو عملية هندسة عكسية لمعالجة اللغة الطبيعية، فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك حساً نقدياً للتمييز بين المصادر المستقلة والدعاية الحكومية المغلفة، وعندما يغمر الفضاء الرقمي بمقالات أكاديمية الطابع تجيب بدقة على أسئلة محددة، فإن النظام يتخذ طريق المقاومة الأقل ويقتبس منها كأنها حقائق ثابتة".

ولم يتوقف الأمر عند حدود التحليلات النظرية، بل أجرت شبكات إعلامية ومؤسسات بحثية تقنية تجارب عملية، حيث أورد تقرير الموقع التكنولوجي أن طرح أسئلة اختبارية على أدوات الذكاء الاصطناعي حول الأوضاع الإنسانية والاتهامات الموجهة للجيش الإسرائيلي أدى في حالات مثبتة إلى استشهاد الذكاء الاصطناعي بمقالات "معهد هانوفر" الصوري وإدراجها كروابط ومراجع إخبارية وثيقة في الهامش.

زر تحكم

وبين حقيقة قدراتها على "التحكم المباشر والكامل" أو "التأثير والتسلل الخوارزمي" لا تمتلك إسرائيل وفق مراقبين "زر تحكم" مادياً أو برمجياً يمكنها من تغيير الإجابات داخل السيرفرات الخاصة بشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى مثل "أون أي آي" أو "غوغل" أو "أنثروبيك". فهذه الشركات تخضع لسياسات أمان وطنية ومؤسسية، وتطور خوارزميات حماية صارمة لمنع التلاعب. ومع ذلك، فإن عدم وجود سيطرة مباشرة لا يعني انعدام التأثير، إذ تعتمد الحملات الحكومية الإسرائيلية للتأثير المباشر وغير المباشر، على الضغط السياسي والمؤسسي عبر ممارسة ضغوط مكثفة عبر مؤسسات اللوبي في واشنطن "ووادي السيليكون" لفرض تعاريف محددة لـ"خطاب الكراهية" و"معاداة السامية"، وحث الشركات على حظر أو تقييد مصطلحات قانونية وسياسية مثل "الفصل العنصري" أو "الإبادة الجماعية" في مخرجات الآلة، وقد تمكنت كذلك من إغراق محركات البحث والمصادر المفتوحة بالمواد المنظمة والموجهة حتى تقتبس منها الآلة تلقائياً من دون الحاجة إلى التدخل في الكود البرمجي للنموذج. ناهيك بالضخ المتعدد اللغات، عبر إنتاج محتوى ولده الذكاء الاصطناعي باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية لتغطية العجز التاريخي في المحتوى الإسرائيلي بهذه اللغات وتوفير مادة غزيرة للنماذج اللغوية بلغات متعددة.

 

وقد علقت شبكة "دروب سايت نيوز" الاستقصائية في تقريرها الميداني الشامل على هذه الظاهرة بالقول "إن الموازنات الضخمة والعقود المليونية التي وقعتها مؤسسات مرتبطة بالدبلوماسية الإسرائيلية تعكس إدراكاً حاسماً بأن المعركة على الوعي العالمي لم تعد تحسم في الاستوديوهات التلفزيونية، بل أصبحت تحسم داخل شريط البحث الخاص بـ(تشات جي بي تي) و(كلاود) ومحركات الاستجابة الذكية".

وقد أبرزت صحيفة "جيروزاليم بوست" في تغطيتها لتطورات أدوات "الهسباراه الرقمية" الإسرائيلية تصريحاً لمسؤول سابق في الدبلوماسية الرقمية أشار فيه إلى هذا التحول الاستراتيجي بقوله، "تراجع التأثير في المنصات الاجتماعية المفتوحة فرض علينا الانتقال إلى صياغة البنية التحتية للمعرفة، فالمستقبل هو للذكاء الاصطناعي، وإن لم نكن نحن من يزود الخوارزميات بالحقائق والرواية الصحيحة من وجهة نظرنا، فإن الفراغ سيعج بالسرديات المنافسة والتقارير الأحادية الجانب".

الجيل الثالث

خلال السنوات الأخيرة، تتجه الحكومة الإسرائيلية للإنفاق ببذخ على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتخوض معركة خوارزمية معقدة، كيف لا وهي تعيش في ذعر استراتيجي عميق من التحول الراديكالي والحاد في سلوك وقناعات الجيل الجديد (جيل زد) ومواليد ما بعد عام 1995 في الولايات المتحدة والدول الغربية. فهذا الجيل هو أول جيل في التاريخ ينشأ في بيئة رقمية كاملة، وقد أسس لنفسه منظومة معرفية مستقلاً تماماً عن الوسائل الإعلامية التقليدية التي كان للوبي الإسرائيلي نفوذ تاريخي واسع عليها.

وبحسب الأرقام والدراسات الإحصائية الصادرة عن دراسات "جارنتير وبيو ريسيرش" فإن أكثر من 40 إلى 50 في المئة من الشباب دون سن 25 يبدأون عمليات البحث اليومية والتثقيف السياسي عبر "تيك توك" ومحركات الذكاء الاصطناعي بدلاً من محرك "غوغل" التقليدي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حين بينت استطلاعات "تيتون ميديا" و"فوربس" أن أكثر من 70 في المئة من طلاب الجامعات والشباب في الغرب يعتمدون أسبوعياً على الذكاء الاصطناعي لتلخيص القضايا الدولية وتشكيل آرائهم السياسية، وأظهرت استطلاعات "غال أب" و"بيو" انخفاض نسبة التأييد لإسرائيل بين الأميركيين تحت سن 30 سنة إلى أدنى مستوى لها في التاريخ، حيث يعرب أكثر من 60 في المئة منهم عن تعاطف واضح مع الفلسطينيين وتنديد حاد بالسياسات الحربية.

ووفقاً لمؤشرات الرأي العام الأوروبي (يورو باروميتير) فقد وصلت نسبة الآراء السلبية والرافضة للسياسات الإسرائيلية في دول مثل إسبانيا والسويد وبلجيكا وإيطاليا إلى ما بين 75 و88 في المئة. وفي تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية حول التحول التاريخي في اتجاهات الشارع الغربي، قال باحث متخصص في الجيوسياسية الرقمية، "نحن نرى انقطاعاً جيلياً كاملاً، فالشباب في الغرب لم يعودوا يستقون معارفهم من النشرات الإخبارية ولا من الصحف المطبوعة، بل من مقاطع الفيديو الحية والذكاء الاصطناعي". وأضاف، "هذا التحول جعل الخطاب السياسي التقليدي عاجزاً عن إعادة بناء الانطباعات الأولى، مما دفع الجهات الرسمية إلى محاولة محاصرة المعرفة من مصدرها البرمجي".

تجميل الصورة

على رغم هذه الملايين المرصودة والهندسة الخوارزمية المعقدة، تشير التقييمات المستقلة للواقع الجيوسياسي والرأي العام العالمي، إلى أن الحملة الإسرائيلية حققت اختراقاً تقنياً جزئياً، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق هدفها الجماهيري والتأثير في الموقف العام. فالصدمة البصرية تتفوق على النص المولد، إذ لا يمكن لمقال مصنع آلياً عبر "معهد هانوفر" أن يمحو الأثر النفسي والبصري الحاد لمقاطع الفيديو المباشرة التي تنقلها هواتف الضحايا والجمهور يومياً. فالصورة الحية أثبتت أنها أكثر قدرة على محاكاة الوعي الإنساني من نصوص الذكاء الاصطناعي المؤطرة.

يُضاف إلى ذلك أن القرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية ومذكرات الجلب والاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية تشكل حقائق قضائية ثقيلة وموثقة عالمياً. وهذه القرارات الرسمية تجبر النماذج اللغوية على إدراجها ضمن إجاباتها، مما يجعل محاولات التعتيم الخوارزمي تظهر بمظهر التضليل المكشوف والمنحاز. وقد أدى نشر هذه الوثائق الفيدرالية وتحويل هذه الحملات المكتومة إلى مادة للتحقيقات الاستقصائية العالمية إلى نتيجة عكسية، إذ أصبح المستخدمون والخبراء أكثر حذراً وتشكيكاً في حياد مخرجات الذكاء الاصطناعي، وبدأت الشركات المالكة للنماذج في مراجعة مصادرها وإغلاق الثغرات التي تتسلل منها هذه الكيانات الصورية.

وعي بشري

إن المعركة المحتدمة اليوم حول خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي تفتح الباب أمام فصل جديد كلياً في تاريخ الحرب المعرفية والصراع على السرديات. لقد أثبتت وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا) والحملات الحكومية الإسرائيلية أن "التلاعب بالذكاء الاصطناعي" لم يعد مجرد فكرة في كتب العلوم السياسية أو تسريبات عن مجموعات الهاكر السرية، بل أزاح الستار عن صناعة رسمية ومموله حكومياً تسعى إلى امتلاك "مفاتيح المعرفة" في العصر الرقمي.

وعلى رغم أن إسرائيل خاضت هذه المعركة بأحدث الأدوات المتاحة وبموازنات ضخمة للالتفاف على الرفض الجماهيري المتصاعد، أثبت الوعي الإنساني المباشر والواقع الميداني الصارخ أنهما حجر العثرة الصخرية أمام كل محاولات الهندسة الخوارزمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير