ملخص
وقعت تركيا وإسرائيل اتفاقات عدة خلال العقود الماضية، لكن غالب هذه الاتفاقات تبدو اليوم غير قابلة للتنفيذ بسبب شدة التوتر بين الطرفين، مع احتمالية نشوب صراع عسكري قصير أو طويل الأمد.
تصنف العلاقات التركية - الإسرائيلية بأنها مؤسساتية أكثر من كونها علاقة حكومات، إذ كانت تركيا من أولى الدول ذات الغالبية المسلمة التي اعترفت بإسرائيل عام 1949، ومرت العلاقات بين أنقرة وتل أبيب بمراحل عدة متفاوتة بين التوتر والاضطراب وبين الهدوء والتعاون، لكنها لم تصل يوماً ما إلى خطورة المواجهة العسكرية المباشرة كما الحال اليوم.
خطر كشف عنه المبعوث الأميركي وسفير واشنطن لدى أنقرة توم براك بقوله إن المنطقة كانت على وشك حصول مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل، بعد استهداف تل أبيب لمطار أبو الظهور العسكري شمال سوريا والقريب من الحدود التركية.
وخلال العقود الماضية، بنت العلاقات التركية - الإسرائيلية شبكة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم، فيما شكلت حقبة التسعينيات العصر الذهبي للتحالف العسكري والأمني بين الجانبين، وعلى رغم كل التوترات المتعاقبة، ظلت هذه الاتفاقات تشكل ركيزة أساسية تحمي مصالحهما، ومن أبرزها كان "اتفاق التعاون العسكري والتدريب"، الذي جرى توقيعه في فبراير (شباط) 1996، وهو يعد أهم اتفاق عسكري علني بين الطرفين.
وبموجب هذا الاتفاق سمحت أنقرة للطيارين الإسرائيليين بممارسة التحليق الجوي بعيد المدى واستخدام الأجواء التركية للتدريب، ومنحت تل أبيب حق القيام بطلعات جوية للرقابة الإلكترونية، والتجسس بالقرب من حدود دول الجوار، تلاه اتفاق الصناعات الدفاعية الموقعة في أغسطس (آب) من العام ذاته.
وهذا الاتفاق فتح الباب لصفقات تسليح ضخمة وتحديث عسكري شامل، وتولت بموجبه إسرائيل تحديث الطائرات المقاتلة التركية من طرازي (F-4) و(F-5)، وشمل صفقة لتحديث نحو 170 دبابة تركية من طراز (M-60)، وتزويد أنقرة بصواريخ متطورة مثل صواريخ "بوب آي".
وخلال عام 1998، نفذت كل من تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة مناورات عسكرية مشتركة أطلق عليها اسم "عروس البحر"، وجرت في البحر الأبيض المتوسط، وسبق هذه الاتفاقات والمناورات ولحقها اتفاقات متعددة وبروتوكولات تعاون في مختلف المجالات، لكن بعد بدء الألفية الجديدة بدأت العلاقة بالانهيار التدريجي.
سفينة مرمرة واتفاق المصالحة
وصل التوتر ذروته بين الجانبين خلال عام 2010، إثر اعتداء الجيش الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة"، ومقتل ناشطين أتراك في الحادثة الشهيرة. وبقيت العلاقات متوترة حتى عام 2016، عندما وقع الطرفان "اتفاق روما للمصالحة"، إذ جرى توقيعه لتطبيع العلاقات بعد تجميدها بسبب حادثة السفينة، ونص على دفع إسرائيل تعويضات بقيمة 20 مليون دولار لعائلات الضحايا الأتراك، في مقابل إسقاط أنقرة للدعاوى القضائية ضد الجنود الإسرائيليين وإعادة تبادل السفراء.
اتفاق روما للمصالحة أعطى العلاقات التركية - الإسرائيلية انتعاشاً كبيراً، ومهد لعقد لقاءات مباشرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بيد أن ذلك كله انهار بعد بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ليعود التوتر ويصبح سيد الموقف، فأعلنت أنقرت قطع جميع علاقاتها السياسية والتجارية والعسكرية مع تل أبيب، وبعد سقوط نظام الأسد في سوريا، ازدادت وتيرة التوتر بسبب تباين موقف البلدين في شأن سوريا الجديدة.
الصراع على سوريا
تتخذ كل من الولايات المتحدة وغالب الدول العربية وتركيا موقفاً موحداً في شأن ضرورة دعم الاستقرار السياسي والعسكري والاقتصادي في سوريا، ودعم حكومة الرئيس أحمد الشرع، وهو موقف يتعارض مع الموقف الإسرائيلي، لكن النفوذ التركي المتوسع في سوريا، ووجودها العسكري في الشمال، كانا أسباباً جديدة لزيادة العداء بين أنقرة وتل أبيب.
الرئيس السابق لقسم الاستخبارات الجوية التركية غورسيل توكماكوغلو، يقول في حديث لـ"اندبندنت عربية"، إنه "من الناحية الفنية، فإن طبيعة الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور شمال سوريا، استهدف المدرج، والأضرار كانت محدودة وقابلة للإصلاح، ولم يكن هناك أية إصابات، وهذا يشير إلى أن العملية كانت تحذيرية، وتهدف إلى وضع حدود، إذ إنه بعد سقوط نظام الأسد برزت لدى إسرائيل مخاوف في شأن إعادة بناء القوات الجوية السورية، وزيادة الوجود التركي، لذلك فإن عملية القصف الأخيرة هي رسالة موجهة إلى كل من دمشق وأنقرة".
ويضيف "تحاول إسرائيل من خلال الضربات الأخيرة مواجهة جهود السلام والاستقرار القائمة على تعاون بين الولايات المتحدة وسوريا وتركيا، والدليل على أن نية تل أبيب غير سليمة هو أنه من الناحية التقنية في مثل هذه الأمور أنه إذا جرى رصد تهديد معين، يتم إخطار السلطات المحلية مسبقاً، ثم يجري إبلاغهم بالتهديد المكتشف، وهذه هي الآلية المتبعة والمعروفة عالمياً، أما إسرائيل فهي بعيدة كل البعد من ذلك، فما تفعله إسرائيل هو ببساطة تحد للجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة".
دور واشنطن في منع التصعيد
ويضيف توكماكوغلو أن "الولايات المتحدة لم تتمكن من ضبط تصرفات نتنياهو، لذلك يمكن لتركيا أن تتخذ إجراءاتها الخاصة، وهذه الإجراءات أعتقد أنها لن تكون مرغوبة بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين، خصوصاً أن توم براك أشار إلى إمكان اقتراب الطائرات التركية من الحدود، ووصف الخطوات الإسرائيلية بأنها مدمرة وغير بناءة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويمضي في رؤيته بالقول "ظهرت اليوم حاجة ماسة إلى آلية ثلاثية تضم إسرائيل وسوريا وتركيا لخفض التصعيد، لكن في المقابل لا يمكن منع تفاقم عدم الاستقرار في المنطقة إلا من خلال إدارة الخطوط الحمراء بوضوح عبر الدبلوماسية، وعلى رغم كل شيء، يمكن لتركيا مواصلة جهودها الصادقة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، ولكن ينبغي على الأطراف المعنية أن تدرك تماماً أن لهذه الجهود حدوداً".
ما هي مخاوف إسرائيل؟
الصحافي الإسرائيلي روعي كاتس، يرى أن "المخاوف الأمنية الإسرائيلية من الوجود التركي في سوريا تتعلق بجوانب عدة، منها أن إسرائيل تخاف من الهلال السني كخوفها من الهلال الشيعي، وبعد أحداث السابع من أكتوبر، تريد إسرائيل منع تكرار مثل هذا الحدث من جبهة أخرى"، لكن سبق أن نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين أن تصرفات نتنياهو قد تندرج ضمن أهدافه السياسية المتعلقة بالانتخابات المقبلة.
هل ينشب صراع مباشر؟
هنا يؤكد المحلل السياسي التركي الدكتور عثمان غازي كانديمير أنه "لا يوجد حالياً ما يكفي من الأسباب لتوقع حرب تركية - إسرائيلية طويلة الأمد، ومن الواضح أن كلا الجانبين يدركان كلفة مثل هذا الصراع، لكن أيضاً ليس من الواقعي استبعاد احتمال نشوب مواجهة عسكرية قصيرة الأمد، وهنا من المهم بصورة خاصة مراعاة الوضع السياسي في إسرائيل، إذ لا يزال نتنياهو ورؤيته الأمنية يتمتعان بنفوذهما في الحكومة، وفي ظل بيئة تستخدم فيها الأجندة الأمنية للحفاظ على السلطة السياسية عبر الانتخابات، ويصعب افتراض انخفاض العمليات العسكرية الإسرائيلية الإقليمية، إذاً سيكون من الخطأ أن تتصرف أنقرة على افتراض أنه لا يوجد احتمال للصراع مع تل أبيب".
ويضيف كانديمير أن "مثل هذا الصراع لن يفيد أي من الطرفين، بالنسبة إلى كل من تركيا وإسرائيل، ستكون الحرب المباشرة مكلفة جداً، أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالوضع أكثر تعقيداً، فمن جهة تحاول واشنطن المساعدة في إرساء نظام جديد في سوريا، ومن جهة أخرى يجب على تركيا العضو في حلف الناتو منع التوترات من الخروج عن السيطرة، لذلك فإن أول شيء يجب على واشنطن فعله هو إنشاء آلية دائمة لخفض التصعيد في سوريا، وإنشاء مركز لتسهيل التواصل المباشر بين تركيا وإسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، وتبادل المعلومات في شأن العمليات الجوية، ونشاط الرادار، والانتشار العسكري، والأخطار المحتملة".
ويوضح أنه "يجب أن تعمل هذه الآلية بطريقة تمنع الأطراف من إساءة فهم نوايا بعضها بعضاً، وكذلك يتعين على الولايات المتحدة أن تنظر في مستقبل المناطق العسكرية التي أنشأتها إسرائيل على الأراضي السورية بعد عام 2024، إذ إن خلق تل أبيب لأوضاع أمر واقعي دائم في سوريا بذريعة الأمن يجعل من الصعب على دمشق استعادة السيادة، وينبغي أن تكون رسالة واشنطن إلى إسرائيل هي أن المخاوف الأمنية لا يمكن أن تترجم إلى حرية غير محدودة للعمل العسكري على أراضي دولة أخرى".