ملخص
السؤال الجوهري يتعلق بمدى استعداد الولايات المتحدة للمضي قدماً في تقييد تجارة النفط الإيرانية وتهديد دول أخرى بفرض عقوبات صارمة، وما إذا كانت تمتلك الصبر الكافي لاختبار ما إذا كانت الضغوط الاقتصادية ستؤدي إلى تغيير سلوك النظام.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توجيه ضربة جديدة لإيران وصفها بـ"يوم إنزال اقتصادي D-Day"، في إشارة إلى إنزال نورماندي الذي نفذته قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، العملية العسكرية التي أدت إلى هزيمة النازية آنذاك. الضربة تتعلق بحملة ضغط اقتصادي غير مسبوقة تستهدف ليس إيران وحسب، لكن أيضاً الشبكة العالمية من دول ووسطاء ومؤسسات تبقي الاقتصاد الإيراني حياً.
وفي منشور على منصة "تروث سوشيال"، مساء أمس الأربعاء، توعد ترمب بما وصفه بأنه "حرب اقتصادية وعزل على نطاق غير مسبوق"، محذراً من أن الحكومات والشركات التي تساعد إيران قد تصبح هي نفسها هدفاً لإجراءات اقتصادية أميركية، وكتب أن "أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو كياناتها الحكومية بتقديم أي نوع من شريان الحياة لإيران، ستواجه هي نفسها عواقب اقتصادية هائلة".
جاء إعلان ترمب بعد تعثر المفاوضات الدبلوماسية التي كان من المفترض أن تؤول إلى اتفاق لإنهاء الحرب المستمرة منذ ستة أشهر، وإعادة فتح مضيق هرمز الذي أدى إلى تعطل حركة تجارة الطاقة في المنطقة، مما دفع أسعار الطاقة إلى التضخم عالمياً وزاد الأعباء الاقتصادية للدول.
من الخيارات العسكرية إلى الاقتصادية
وأوقف الرئيس الأميركي جميع المحادثات مع إيران، وتفيد تقارير أميركية بأن فريقه أبلغ حلفاءه السياسيين بأنه بصدد خوض حرب استنزاف اقتصادي، يعتقد أنها ستدمر الاقتصاد الإيراني وتجبر طهران على الرضوخ، في عودة إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات بدلاً من المسار العسكري الذي تزداد كلفته المادية والعسكرية على الولايات المتحدة، بينما لم يثبت فاعلية في إجبار طهران على التراجع عن مسارها.
وفي مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" مطلع الأسبوع، صرح المبعوث الأميركي الخاص جاريد كوشنر بأن الرئيس ترمب يركز على ممارسة الضغط الاقتصادي على إيران بدلاً من اللجوء إلى العمل العسكري. وأوضح كوشنر أن ترمب يركز على سياسة الحصار المفروض على إيران، التي أدت إلى تدهور وضع الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة عما كان عليه في السابق. وأشار إلى أن "ترمب لا يريد التسرع في إبرام اتفاق"، مؤكداً أن الرئيس سيتوصل إلى الاتفاق المناسب في الوقت المناسب، وسيواصل التحلي بـ"صبر شديد تجاه إيران".
وفي حين يرى مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية أن حال الدمار الاقتصادي الذي تعانيه إيران قد يؤدي إلى انفراجة، وأعرب الرئيس عن اعتقاده أن الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية على الشحن والموانئ الإيرانية قد أثبت فاعليته، فإن صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أفادت بأن القادة المتشددين في إيران مستعدون للتمسك بمواقفهم والمضي قدماً في استمرار الحرب بل وتصعيدها.
وبحسب وسائل إعلام أميركية، فإن كثيراً من المحللين يبدون تشككاً في احتمالية تراجع النظام الإيراني، المعروف بممارسته قمعاً شديداً وفرضه ضغوطاً اقتصادية قاسية على المدنيين، عن صراعه الوجودي مع الولايات المتحدة، إذ سبق للنظام أن صمد عقوداً في وجه بعض أقسى العقوبات الاقتصادية في العالم. وقال دانيال سيتيرينوفيتش، الذي عمل في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بما في ذلك رئاسة قسم إيران في شعبة الأبحاث والتحليل، لشبكة "سي أن أن" الأميركية "أعتقد أن من يظنون أن إيران ستنهار تحت وطأة الضغوط هم مخطئون، وذلك بغض النظر عن الوضع الاقتصادي"، مشيراً إلى غياب أي مؤشرات تدل على أن إيران بصدد تخفيف استراتيجيتها الرامية للضغط على ترمب عبر الأسواق الدولية، وأضاف أنه على رغم أن الضغوط الاقتصادية قد تكبد إيران أثماناً باهظة، فإنه "في نهاية المطاف، لا أرى أن الحسابات الإيرانية ستتغير نتيجة لهذه الضغوط".
الصبر الاستراتيجي
ووفق مراقبين فإنه لتحقيق أي تقدم يتعين على ترمب أولاً تغيير سلوكه هو نفسه، إذ إن تدمير الاقتصاد الإيراني قد يستغرق أشهراً أو حتى أعواماً، وهو أمر يتطلب نوعاً من "الصبر الاستراتيجي" الذي نادراً ما يتحلى به الرئيس الأميركي، فإحدى مشكلات هذا التحول في الاستراتيجية تكمن في أن العقوبات لا تملك تأثيراً فورياً وقوياً يضاهي تداعيات إغلاق مضيق هرمز شبه الكامل، بحسب ريتشارد نيفيو، الباحث لدى جامعة كولومبيا الذي شارك في توجيه استراتيجية العقوبات على إيران خلال إدارة الريس الأميركي السابق باراك أوباما.
ويعتقد نيفيو، وفق تصريحاته لـ"أسوشيتدبرس"، أن قيمة العقوبات كأداة تظل محدودة، لأن ترمب لم يحدد أهدافاً استراتيجية واضحة للحرب، فتارة يشدد على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتارة أخرى يركز على قضية المضيق، ثم يتحدث عن الصواريخ الباليستية، وبدلاً من ذلك شن ترمب سلسلة هائلة من الغارات الجوية وأحدث دماراً واسعاً، لكن ذلك لم يؤد إلى النهاية السريعة التي وعد بها في البداية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، فإن العقوبات والحصار البحري الأميركي المستمر للموانئ الإيرانية يمنحان الولايات المتحدة أوراق ضغط اقتصادية ومالية، بحسب ما قال نائب مستشار الأمن القومي في إدارة جورج دبليو بوش خوان زاراتي.
وأشار زاراتي إلى أن العقوبات الأميركية التي تهدد الدول الأخرى التي تتعامل تجارياً مع إيران لها تأثير أيضاً، لكنه لفت إلى أن هذه الأمور تستغرق وقتاً.
وهناك سبل واقعية يمكن للإدارة من خلالها إلحاق ضرر حقيقي بنظام الحكم في إيران، فيدعو لودوفيك هود، زميل أول لدى معهد هدسون بواشنطن، إلى ممارسة ضغوط إقليمية ودولية لتقليص إيرادات الحرس الثوري الإيراني، واتخاذ إجراءات جديدة ضد شبكة وكلائه في المنطقة. وفي مقال رأي نشر أخيراً في صحيفة "وول ستريت جورنال" دعا هود إلى تعزيز العلاقات الأميركية مع الحكومتين في بغداد وبيروت لمواجهة نفوذ طهران في أنحاء الشرق الأوسط، ونصح وزير الخزانة سكوت بيسنت بتكثيف الضغوط الاقتصادية على الصين، بصفتها مشترياً رئيساً للنفط الإيراني. وجادل بأن استمرار الضغط الاقتصادي من شأنه أن يفاقم معدلات التضخم وهرب رؤوس الأموال، مما قد يؤدي إلى أزمة مصرفية تضعف قبضة النظام على السلطة.
الضغط على الشركاء
تعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران، ويرتبط النظام الإيراني بعلاقات اقتصادية مع جيرانه في الشرق الأوسط، في حين تظل التجارة مع أوروبا محدودة بسبب أعوام من العقوبات وقيود أخرى. وفي إطار الاستراتيجية الأميركية للضغط الاقتصادي على إيران أعلنت الإمارات، الثلاثاء، تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، مما قد يهدد وصول طهران إلى مصدر رئيس للواردات ومنفذ مالي خلفي للعالم.
في حين يمثل الإعلان محاولة لتجاوز العقوبات التي كانت تقتصر على المؤسسات الإيرانية نحو دفع الدول والشركات الدولية إلى الاختيار بين الحفاظ على الروابط التجارية مع إيران وضمان استمرار وصولها إلى النظام المالي والاقتصاد الأميركي، فإن الاستراتيجية تواجه تساؤلاً عما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع بعد نحو خمسة عقود من فرض العقوبات أن تنجح أخيراً في تفكيك الشبكات التي طورتها إيران لضمان استمرار تدفق الأموال وحركة التجارة؟
تركز الحرب الاقتصادية الجديدة أو كما وصفها ترمب بـ"إنزال اقتصادي" على اقتصاد الظل، الذي نشأ حول تجارة إيران الخاضعة للعقوبات، ويشمل ذلك شبكات متورطة في نقل النفط الإيراني، وتحويل الأموال عبر دول وسيطة، وإخفاء منشأ السلع، وتقديم خدمات لوجيستية للسفن والطائرات المرتبطة بإيران. ومن بين الآليات المستهدفة وفق ما أعلن في منشوره ناقلات النفط التي تعمل ضمن ما يعرف بـ"الأسطول المظلم"، وهي ناقلات تعمل دون أنظمة تتبع نشطة وتسهل عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، وقد أصبحت هذه العمليات وسيلة مهمة لنقل النفط الإيراني الخاضع للعقوبات وحتى النفط الروسي، مع زيادة صعوبة تحديد منشأ الشحنات ووجهتها النهائية.
المواجهة مع الصين
وتستهدف الحملة الأميركية الأعمال التجارية مع إيران وجعلها أكثر كلفة بالنسبة إلى أطراف ثالثة سواء كانت دولاً أو وسطاء أو شركات، ومن ثم تحتل الصين أهمية خاصة في هذه الحملة، فبحسب بيانات شركة كيبلر لعام 2025 تستورد الصين أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المصدر، لذا فإن الإجراءات الأميركية ستكون محدودة الفعالية إذا لم تشمل التدابير الصين أيضاً.
وتشير تقارير سابقة إلى أن المصافي الصينية المستقلة، التي يشار إليها غالباً باسم "مصافي التكرير الصغيرة"، أدت دوراً في استيعاب النفط الخام الإيراني، في حين أن ترتيبات الدفع غير الدولارية تساعد في الحد من التعرض للقيود المالية الأميركية. وسابقاً، حددت الولايات المتحدة كيانات صينية باعتبارها جهات تسهل صادرات النفط الإيراني، إلا أن فرض عقوبات على نطاق واسع قد تكون له تداعيات اقتصادية ودبلوماسية أوسع نطاقاً، فقرار واشنطن بفرض عقوبات ثانوية شاملة على المؤسسات الصينية ربما يثير السؤال عن مواجهة اقتصادية محتملة بين واشنطن وبكين.
ووفق مراقبين فالصين مصدر رئيس إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة ذات الأهمية الاستراتيجية، ومن ثم فإن حملة اقتصادية أميركية واسعة النطاق ضد المؤسسات الصينية قد تثير ردود فعل انتقامية وتخلف تداعيات تتجاوز الاقتصاد الإيراني. ووفق موقع "فرست بوست" الهندى، فإن موقف الهند وتركيا معقد، فكلتاهما تربطها علاقات وثيقة مع واشنطن، لكنهما حافظتا تقليدياً على مواقف مستقلة في شأن العقوبات الأحادية التي لا تحظى بدعم صريح من مجلس الأمن الدولي. لذا، قد تصبح قراراتهما مؤشرات مهمة إلى مدى قدرة الحملة الأميركية على التوسع خارج إيران، لذا ستعتمد صدقية حملة ترمب على ما إذا كان مستعداً لاستهداف كبار مشتري النفط الإيراني.
وقال الزميل لدى مجموعة "أوراسيا" غريغوري برو، إن أي تدابير اقتصادية جديدة قد تلجأ إليها الولايات المتحدة سيتعين توجيهها نحو الشركاء التجاريين لإيران، مضيفاً أنه سيكون "من الصعب على الولايات المتحدة توجيه مثل هذه الإجراءات ضد الصين، وهي الدولة الأكثر أهمية لمستقبل إيران الاقتصادي"، إذ من المتوقع أيضاً أن يزور الزعيم الصيني شي جينبينغ الولايات المتحدة الشهر المقبل، مما يزيد من تعقيد أي جهود تستهدف واردات بكين من النفط الإيراني.
لكن يبدو أن واشنطن تراهن على الدبلوماسية مع الصين في هذا الصدد، ففي تعليقات صحافية اليوم الخميس، قال وزير الخزانة الأميركي، إن العزلة الاقتصادية لإيران سيتم تنسيقها مع الدول الأخرى، مشيراً إلى أن الجميع بما في ذلك الصين يرغبون في إعادة فتح مضيق هرمز.
ويتفق المراقبون على أن السؤال الجوهري يتعلق بمدى استعداد الولايات المتحدة للمضي قدماً في تقييد تجارة النفط الإيرانية وتهديد دول أخرى بفرض عقوبات صارمة، وما إذا كانت تمتلك الصبر الكافي لاختبار ما إذا كانت الضغوط الاقتصادية ستؤدي إلى تغيير سلوك النظام.