ملخص
على رغم تعميم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض على ما يقارب 80 في المئة من المغاربة، تظل مشكلة ارتفاع تكلفة الدواء قائمة، بفعل أسعار تفرضها بعض اللوبيات وتدر أرباحاً توصف بـ "غير المقبولة".
أصدرت الحكومة المغربية مرسوماً دخل حيّز التنفيذ في 6 أغسطس (آب) الجاري، يحدد ضوابط تسعير الأدوية سواء المصنعة محلياً او المستوردة، ويعتمد مراجعة دورية للأثمنة كل 3 سنوات بدل 5 سنوات المنصوص عليها في المرسوم السابق. وتدخل هذه الخطوة ضمن سياسة خفض أسعار الأدوية المعتمدة منذ سنوات، جراء الارتفاع الكبير في ثمن بعض الأدوية، وفي ظل التراجع الكبير لقدرة المواطنين الشرائية.
لكن مراقبين قللوا من أهمية المرسوم لناحية تخفيف العبء المالي على المواطنين، في ظل ارتفاع كلفة الخدمات الصحية.
مفارقة غريبة
يعد المغرب ثالث أكبر بلد مصنّع للأدوية على المستوى القاري، والخامس على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ ينتج 450 مليون علبة دواء سنوياً، وذلك في ظل وجود 51 مختبراً و 47 مصنعاً للإنتاج، ومع ذلك تظل أسعار الأدوية مرتفعة مقارنةً مع العديد من الدول. ويؤكد رئيس "الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة"، علي لطفي، أن "المغرب يحتل موقعاً مهماً في صناعة الأدوية أفريقياً، إذ تغطي الصناعة المحلية نحو 65 في المئة من الطلب الداخلي، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية ومصادر القطاع. ويأتي المغرب في المرتبة الثالثة قارياً بعد مصر، صاحبة أكبر قاعدة صناعية دوائية في أفريقيا تقريباً، والتي تملك صناعة متطورة في الدواء الجنيس وبأسعار منخفضة جداً مقارنةً مع ذات الدواء الجنيس بالمغرب"، (يبلغ ثمن دواء مرض التهاب الكبد 80 دولاراً في مصر، فيما يصل سعره في المغرب إلى 500 دولار).
وبذلك، ينبه لطفي إلى "وجود مفارقة بين تلك المكانة الصناعية القوية للمغرب، المقترنة بتغطية واسعة للسوق المحلية ونظام تأمين صحي شبه شامل، واستمرار ارتفاع عبء الدواء على الأسر المغربية، الذي يصل إلى 54 في المئة من نفقاتها الخاصة على الأدوية الأساسية (السكري، الضغط، أمراض القلب، السرطان، المضادات الحيوية)، علماً أن بعض هذه الأدوية يتجاوز ثمنها 40 ألف درهم (نحو 4 آلاف دولار)، في حين لا يتعدى الحد الأدنى للأجر بالقطاع الخاص 3000 درهم (نحو 300 دولار)"، موضحاً أن "غالبية شركات صناعة الأدوية العاملة بالمغرب تقوم بتعليب أدوية جاهزة محلياً، مع استيراد نحو 90 في المئة من المواد الأولية، أما نسبة إنتاج الأدوية 'الجنيسة' محلياً فلا تتجاوز 40 في المئة، مقابل أكثر من 70 في المئة في دول صناعية كبرى، على رغم مساهمة هذا القطاع في تغطية مهمة للسوق الداخلية وتصدير جزء من إنتاجه إلى دول أفريقية".
منظومة مكلفة
يشير مراقبون إلى أن خفض أسعار الأدوية لا يكفي لتخفيف العبء الاستشفائي على المواطنين، بالنظر إلى ارتفاع كلفة العلاج، إذ أوضح رئيس "المرصد المغربي لحماية المستهلك"، حسن آيت علي، أن "سعر الدواء ليس هو وحده ما يحدد تكلفة التداوي، هناك خطأ في اختزال مشكلة الحصول على العلاج بالسؤال عن تخفيض سعر الدواء من عدمه، لكن السؤال الحقيقي هو: كم يدفع المواطن في نهاية المطاف حتى يحصل على العلاج؟"، مشيراً إلى أن "المغرب خفّض فعلاً أسعار عدد كبير من الأدوية خلال السنوات الماضية، وصل بعضها إلى 65 في المئة، لكن استمرار ارتفاع كلفة العلاج أبان أن سياسة خفض الأسعار وحدها غير كافية".
وخلص رئيس المرصد إلى أن "ما يزيد العبء على المواطن هو وجود عناصر أخرى متعددة، كأجرة الطبيب أو الاستشارة، والتحاليل والفحوصات، والتصوير الطبي، والاستشفاء، والأدوية غير المعوض عنها أو المحدودة التعويض، والمصاريف المرتبطة بالأمراض المزمنة التي تتطلب علاجاً مستمراً، لذلك، يجب النظر إلى التكلفة الإجمالية للعلاج وليس إلى ثمن علبة الدواء فقط".
التكلفة الحقيقية
على رغم توجه المغرب إلى توسيع نظام التأمين الصحي، إلا أن نسبة تغطية المغاربة لتكاليف علاجهم تظل مرتفعة، حيث أوضح علي لطفي أنه "على رغم تعميم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض على ما يقارب 80 في المئة من المغاربة، تظل مشكلة ارتفاع تكلفة الدواء قائمة، بفعل أسعار تفرضها بعض اللوبيات وتدر أرباحاً توصف بغير المقبولة. وتؤكد دراسات أنجزتها مؤسسات عمومية أن أسعار الأدوية بالمغرب أعلى بمرتين إلى خمس مرات مقارنة بدول كفرنسا وبلجيكا، حيث يعادل الحد الأدنى للأجر هناك عشرة أضعاف نظيره المغربي"، موضحاً أن "الدراسات المقارنة تكشف عن معطى أهم، قد يكون الدواء أغلى في الدول الصناعية الكبرى، لكنه يصبح أثقل كلفة على المواطن المغربي عند قياسه بعدد أيام العمل اللازمة لتحصيل ثمنه، فالمؤشر الأكثر عدالة في هذا الباب ليس السعر الإسمي، بل عدد أيام الحد الأدنى للأجر اللازمة لاقتناء علاج شهر كامل، إلى جانب نسبة التغطية الفعلية في نظام التأمين الصحي".
وفي تفسيره لطريقة تحديد سعر الدواء بالمغرب، يشير لطفي إلى أنها تتم وفق عوامل متعددة، أبرزها طبيعته (أصلي أو جنيس)، والقطاع الموزِّع (مستشفى عمومي أو تابع القطاع الخاص)، الضرائب والرسوم، هامش الصيدلية والموزع، والقدرة الشرائية للمؤمَّن ومساهمة نظام التأمين، موضحاً أنه "على رغم توافر التغطية الصحية، لا تزال الأسر المغربية تدفع أكثر من 54 في المئة من تكاليف علاجها من جيوبها مباشرة، وهي نسبة توصلت إليها الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة من خلال عملها الميداني. ويتجاوز هذا الرقم بكثير سقف 25 في المئة الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، بل ويفوق النسب المعتمدة في عدد من الدول ذات الطابع الاجتماعي، حيث لا تتعدى مساهمة الأسر 5 في المئة"، مضيفاً أن "هذا الوضع يدفع بعض الأسر، مع وجود كلفة علاج الأمراض المزمنة الباهظة (أمراض السرطان، التهاب الكبد، السكري، أمراض القلب والشرايين، تصفية الدم الكلوي، والأمراض النادرة)، إلى بيع ممتلكاتها لتغطية نفقات العلاج".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويخلص لطفي الى أن "نظام التعويض عن نفقات المرض يعاني من جمود مزمن، إذ لم تُحدَّث 'التعريفة المرجعية الوطنية' لتعويضات التأمين الصحي منذ عام 2006، ما جعل مبالغ التعويض بعيدة كل البعد عن الكلفة الفعلية للعلاج"، موضحاً أنه "في غياب رقابة صارمة، تحقق شركات صناعة الأدوية، بحسب شكاوي الشبكة التي رُفعت إلى مجلس المنافسة، أرباحاً غير مبررة تُقدَّر بأكثر من 1.5 مليار درهم (نحو 160 مليون دولار) سنوياً، مستغلة ثغرات في نظام التسعير وضعف المراقبة".
خفض مُضر
من جهة أخرى، يوضح مهنيون أنهم ليسوا ضد ضبط أسعار الأدوية، لكنهم يرفضون أن يكون خفض الأسعار على حساب الصيدليات التي يعاني جانب كبير منها أصلاً من صعوبات اقتصادية، إذ يقول محمد لحبابي، رئيس كونفدرالية نقابات الصيادلة بالمغرب، "نأسف لاعتماد المرسوم الجديد الذي تجاهل مقترحاتٍ قدمها نحو 14 ألف صيدلاني، فالسياسة الحالية لخفض الأسعار تعجز عن معالجة الاختلالات الهيكلية الناجمة عن المرسوم السابق لعام 2013، كذلك تنذر بعواقب وخيمة، مثل نقص المخزون وتقويض السيادة الصناعية"، منبهاً إلى تراجع نسبة الإنتاج المحلي من قرابة 80 في المئة إلى نحو 50 في المئة، وهو اتجاه يثير قلقاً بالغاً. وشدد لحبابي على أنه "لا أحد يعارض انخفاض الأسعار عندما يصب ذلك في مصلحة المواطنين، ولكن، لماذا يجب أن يتحمل الصيادلة وحدهم عبء هذا الخفض، ومن دون أي تعويض؟ تعاني آلاف الصيدليات بالفعل من صعوبات كثيرة، وسيؤدي هذا المرسوم إلى تفاقم أوضاعها، وإضعافها بشكل أكبر لا سيما في المناطق القروية".
ويؤكد رئيس "الكونفيدرالية" أن "الوضع الاقتصادي للصيدليات أصبح يثير قلقاً بالغاً، إذ يواجه نصف مجموع الصيدليات صعوبات مالية ناجمة عن الارتفاع المستمر في تكاليف التشغيل، وركود هوامش الربح"، محذراً من غياب آليات التعويض، "فأي خفض إضافي للأسعار يتم تطبيقه من دون تدابير مصاحبة، ينطوي على خطر تسريع وتيرة إغلاق العديد من الصيدليات، على اعتبار أن الهشاشة الاقتصادية التي يعاني منها الصيادلة تشكل تحدياً حقيقياً للصحة العامة في المغرب".
عودة الثقة في المجال الصحي؟
يشهد المجال الصحي بالمغرب اختلالات عدة، فهل يشكل خفض أسعار الأدوية بداية لعودة الثقة في ذلك المجال؟ يؤكد حسن آيت علي تلك الإمكانية، ولكن "بشرط أن يكون خفضاً حقيقياً وشفافاً وملموساً"، موضحاً أنه "إذا أعلنت الدولة تخفيض سعر دواء بنسبة معينة، ثم ذهب المواطن إلى الصيدلية ووجد السعر الجديد فعلاً، فهذا يعزز الثقة"، مضيفاً أنه "إذا وجد المواطن أن الدواء أصبح أرخص، وأنه متوافر، وأن الصيدلي يبيعه بالسعر القانوني، وأنه يحصل على تعويض مناسب من نظام التأمين، فهنا نكون أمام سياسة صحية متكاملة تعزز الثقة".
في المقابل، يشير آيت علي إلى أنه "إذا كان التخفيض موجوداً في النصوص، بينما تظل تكلفة العلاج مرتفعة أو يواجه المواطن صعوبة في الحصول على الدواء، فإن أثر الإصلاح على الثقة سيكون محدوداً".